Get Adobe Flash player

 


تعليقات على قرارات الندوة

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين ... أما بعد :

فإني أحببتُ أن أقول شيئاً عما قيل في "الندوة الجائرة" التي أقيمت في مدينة قرطة في الأسبوع الماضي والتي عقدها "عبد القادر نور" و "طاهر" و "وأحمد" وزملاؤهم للطعن والتشهير في أناسٍ من المواطنين كنتُ أنا أولهم. وما أريدُ أن أنتصر لنفسي ولكن للحقّ الذي لبسوه بالباطل وكتموه عن عباد الله.

(1)  لا أقول إنها "ندوة علمية" لأن ما ذُكر فيها من علمٍ قد لُبِسَ بالباطل فعادَ جهلاً وضلالاً وقد حملوا حملة عنيفة على عقيدة السلف الصالح التي هي ملّة إبراهيم u البراءة من الشرك وأهله ومعاداتهم في الله فسمُّوها "عقيدة الخوارج" وعقيدة "التكفير" وأعلنوا تبرّءهم منها، واستباحوا أعراض الموحّدين ودماءهم لما ألحقوهم بالخوارج الذين في قتلهم أجرٌ لمن قتلهم  ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.

لقد كانت ندوةً جائرة ظالمة لا تتعدّى أهدافها وأغراضها الوقوع في أعراض المسلمين الموحّدين الذين لا يشركون بالله شيئاً الحريصين على اتّباع ملّة إبراهيم والذين معه من رسل الله عليهم السلام والمؤمنين .. ولقد باءَ مَن ظلمَ الناس وعاداهم بمحض التوحيد والإيمان بالخيبة والخسران ولا يكون غداً معذوراً أمام الله لأنه أنكر الحجة بعد ما بلغته وكابر وعاند كفعل إبليس وأتباعه الطاغين. إن الذي عرف "الموحّدين" معرفة جيدة وفهم اعتقادهم ورأى أحوالهم إذا سمع شتائم ولعائن "رجال الندوة" الجائرة سيتذكّر حتماً ما كان يسمع أثناء تعلّم السيرة النبوية من المكر والخداع الذي كانت تزاوله قريش للوقوف في وجه حركة التوحيد وسيتذكّر كذلك وسائلها الخبيثة وما كان يدور في "دار الندوة" من أحاديث أهمّها الحديث عن "الصابئ" و "الصباة" وتخويف الناس بهم حتى سدَّ "الطفيل بن عمرو" أذنيه خوفاً من وقوع كلمة من كلمات النبي j في أذنيه.

لقد أعادت الندوة في الذاكرة مناورات "النصر بن الحارث" وعداوة "أبي جهل" و "أبي لهب" .. الذين كان من أقوالهم التي حكاها القرآن:

﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾  [الفرقان: 5].

﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾  [فصلت: 26].

﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73].

وقد قال الله تعالى مخبراً عن حقيقة حالهم: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾  [الأنعام: 26].

ومن المؤسف المحزن ما أخبرني به رجلان من أهل بوصاصو قالا: لقينا "الشيخ طاهر" فسألناه عن الندوة .. فقال بعد أن شتم الموحّدين: "لم يكن قصدنا مناظرتَهم ولكن كنّا نُريد أن تسمعَ كلامَهم الدولةُ فتُغلِقَ مسجدهم".

هكذا يعمى التعصب أهله فيحيدون عن طريق العدل والصدق وكأنّه لم يعلم أن الغدر والكذب من أخلاق الجهلةِ السفلةِ المنافقين .. وليس من أخلاق العلماء الذين يحملون الخير إلى البشر جميعاً.

(2)        إنهم صوّروا أهل الشرك عبّاد القبور والأولياء والطواغيت المطاعة في صورة المسلمين الموحّدين أهل السنة والجماعة، وصوّروا الموحّدين في صورة "الخوارج" المارقين أعداء أهل التوحيد والإيمان. فأعادوا في الذاكرة فتوى حُيَيْ بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق لما قالوا لأهل الشرك: "هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً".

(3)    إن من منهج سلف الأمة مناظرةً "أهل البدع" لإنقاذهم من المزلق الخطير وقد ناظر "ابن عباس" t الخوارج فتاب منهم خلقٌ كثيرٌ. فما الذي يمنعكم من ذلك؟ ألستم تدّعون أنكم على منهج السلف الصالح؟ ما هذا التهرّب من اللقاء والحوار ؟ !!

وإذا كان "شيخ الندوة" قد صرح بأننا لا نكفّر أحداً بذنبٍ لا يستحلّه، فمعنى ذلك أننا مخالفون لأصول الخوارج ..ولكن العجب هو إصراركم مع ذلك العلم بأننا "خوارج" .. أليس هذا تعصبٌ وهوىً لا يليق بالعلماء !! ؟

أما قول "شيخ الندوة": "فإنهم يكفّرون كلّ الناس" ويشبهون الخوارج من هذا الطرف فمن الأكاذيب التي لا يبعثها إلا الحقد الدفين والعداء الأصيل لأهل التوحيد.

إن مراقبة كل الناس ومعرفة ظاهرهم وباطنهم من اختصاصات الله التي لا يقدر عليها أحدٌ غيره. ولكن دلّت شريعة العليم الخبير على ما اتّفق عليه فقهاء الأمة أن كل دارٍ تُحكَمُ بشريعة الله فهي دار إسلام وإن كان فيها مشركون وأهل كتاب ومنافقون. وكل دارٍ تحكم فيها بشريعةٍ غير شريعة الله والغلبة فيها لأناس لا يريدون التحاكم إلى شريعة الله فهي دار كفرٍ وإن كان فيها خلقٌ كثيرٌ من أولياء الله الصالحين الموحّدين.

وقال الإمام ابن تيمية في حديثه عن "بني عبيد":

"ولهذا بقيت البلاد المصرية مدّة دولتهم نحو مائتي سنةٍ قد انطفأ نور الإيمان. حتى قالت العلماء: إنها كانت دار ردّة ونفاق كدار مسيلمة الكذّاب. أو كما قال [راجع الفتاوى: 35/ص:139].

(4)    أضرب لكم مثلاً: لبيان الطريقة المناسبة للمناظرات العلمية إذا رأى أحد العلماء أن كلّ مسكرٍ خمرٌ، ورأى آخر أن الخمر لا تكون إلاّ من العنب. فلا شكّ أن هذين سيختلفان إذا أتي إليهم بشرابٍ مسكرٍ. وان أُريدَ السعيُ للتوفيق بينهما، فهل يكون الطريق المجادلة في حكم هذا الشراب المسكر المعين؟ !! ليس هذا طريقاً صواباً يؤدي إلى الحلّ والتوفيق. لأن كلا الرجلين ينطلق من أصلٍ مخالفٍ للذي ينطلق منه الآخر. فإن قال الأول: "هذا شراب حرام لأنه مسكِرٌ" يقول الآخر: "هذا شراب حلالٌ لأنه ليس من العنب".

فيكون الحلّ بطريق بيان الذي ينطلق من أصلٍ صحيح تؤيده النصوص والذي لا ينطلق من أصل صحيح. ومن صحّ أصله صحّ حكمه على الشراب المسكِر المُعين.

وكذا الاختلاف في الدار. فإن كان أحد الجانبين ينطلق من أصلٍ هو: أن كل دارٍ تحكم بشريعة الله فهي دار إسلام، وكل دارٍ تُحكم بشريعة الطاغوت فهي دار كفر. بينما ينطلق الجانب الآخر من أصل هو: أن كل دار يعيش فيها ناطقون بكلمة التوحيد فهي دار إسلام بغضّ النظر عن الشريعة الحاكمة، وكل دار لا يعيش فيها ناطقون بكلمة التوحيد فهي دار كفر. فظاهرٌ أنهم لا يتوصّلون إلى اتّفاق في شأن حكم بلدٍ بعينه أبداً. فإن قال الأول: "هذه دار كفرٍ لأن الغلبة للطاغوت الذي لا يحكم بحكم الله" نازعه الآخر قائلاً: "الدارُ دار إسلام لأنهم ينطقون بكلمة التوحيد ويصلّون".

فالطريق إلى التوفيق هو: النظر إلى الأصلين فمن كان أصله صحيحاً موافقاً للنصوص فحكمه على الدار صحيح. ومن أخطأ في التأصيل أخطأ في الحكم ولا شكّ.

(5)    إن المؤمن الصادق يتّبع كتاب ربه اتّباعاً كاملاً حرفياً على قدر استطاعته ويرفض ما يخالفه وأن الكافر الصادق في كفره يتّبع شريعة طاغوته اتّباعاً كاملاً حرفياً على قدر استطاعته ويرفض ما يخالفه. ويوجد بين هذين مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء مرّة يبحثون حكم المسألة في كتاب الله كأنهم مؤمنون صادقون. فإذا جاء الأمر من الطاغوت انقادوا له كأنهم كافرون صادقون في كفرهم.

ولما جاءتهم "قضية اليوم" وهي: وجود رجالٍ يكفّرون أهل الشرك الأكبر ومن والاهم وأحبّهم ويقولون بقول فقهاء الإسلام المتّفق عليه في أحكام الديار ..

لما جاءتّهم هذه القضية رأوا: أن شريعة الله لا تكفّرهم ولا تأمر بقتلهم بل تأمر بالاقتداء بهم لأنهم على الصراط المستقيم.

ورأوا كذلك أن شريعة الطاغوت لا تفرّق بين الناس على أساس الدِّين وأن الملحد واليهوديّ والنصرانيّ والمسلم عندها سواء في الحقوق فحاروا .. ولم يجدوا طريقاً يسمح لهم بالاعتداء .. فاحتالوا للأمر فكذبوا على الشريعة وأفتوا أنهم خوارج وأن دماءهم مباحة في شريعة الإسلام ..

ثم يطلبون من الطاغوت أن يعمل بكتاب الله في هذه القضية الوحيدة للقضاء على الموحّدين !!! وهل تعرف شريعة الطاغوت أهل التوحيد من أهل الشرك وهل تعرف الخوارج من المرجئة ... فهلاّ صدقتم في اتّباع إحدى الشريعتين وخرجتم من هذا التذبذب الذميم ! !

(6)    إن القضايا العلمية التي كتموها أو حرّفوها أو لبسوها بالباطل كثيرةٌ وسأقولُ شيئاً موجزاً في الصفحات القادمة (إن شاء الله) بعنوان {التحذير من فتنة الإرجاء} وذلك نصيحة لطلاّب الحقّ الذين وقعوا في حيرةٍ من كثرة الأقوال المتضاربة في قضية الإيمان والتوحيد ولإقامة الحجة على الذين راجت فيهم أكاذيب علماء السوء فأدخلتهم في معاداة أهل التوحيد وموالاة أهل الإشراك وعبّاد الطواغيت.

(7)    والله الذي لا إله إلا هو إن دعوتنا لدعوةُ حقٍّ وعلمٍ وتوحيد .. ومن حاربها ووقف في وجهها فقد حارب الله ورسوله وحالف الشيطان وأولياءه فاتّقوا الله ولا يستهوينكم الشيطان فتندموا حين لا ينفعُ الندمُ، وإياكم أن تكونوا من الذين يقال لهم يوم القيامة: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فادرسوا دراسةً واعيةً أصول هذه الدعوة واتركوا التعصب والتقليد فإني لكم ناصحٌ وعلى نجاتكم حريصٌ. ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾  [الزمر: 18].

إن الذي يؤمن بالله ويدعوا إلى توحيده لا تثبطه كثرة الإشاعات والافتراءات والتهديدات عن المضيّ في طريقه. وكل ما يلقاه من أذىً سيكون في ميزان حسناته يوم القيامة، فاتّقوا الله وانظروا لأنفسكم قبل الندم فإن الأجل قريبٌ والعذاب شديد.

نعوذ بالله من الخـذلان
والحمد لله رب العالمين

23/جمادى الثاني/1426ﻫ

 


بسم الله الرحمن الرحيم

{ التحذير من فتنة الإرجاء }

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واتّبع سنته إلى يوم الدِّين: أما بعد:

1)   طروء البدع: إن مما هو معلوم من تاريخ الإسلام ومتدوال في كتب شروح السنة وتفاسير القرآن ظهور البدع المستحدثة والانحرافات الفكرية الخطيرة على ساحة الفكر الإسلامي في أفضل قرونه التي ذكرها النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ومعلوم كذلك أن أئمة الإسلام قاوموها وبيّنوا كل ما تقوم عليها من أصول مخالفة لما كان عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم وصحابته الكرام .

2)   الخوارج والمرجئة: ومن هذه البدع المستحدثة "بدعة الخوارج" "وبدعة المرجئة" وكانتا على طرفي نقيض: فمذهب الخوارج كان يقوم على الأصول الآتية:

(‌أ)                    الإيمان جزء واحد لا يتجزّأ إذا ذهب بعضه ذهب كله، فمن وقع في كبيرة من الكبائر فقد ذهب بعض إيمانه وإذا ذهب البعض ذهب الكلّ وصار مرتداً كافراً مخلّداً في النار.

(‌ب)               تكفير الصحابة رضوان الله عليهم كعثمان وعليّ وكل من قاتل في يوم الجمل وصفين ومن والاهم.

(‌ج)                عدم متابعة سنة النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا خالفت مذهبهم المنحرف.

وقد افترقت الخوارج إلى فرق كان أشدّها على المسلمين "الأزارقة" أتباع "نافع بن الأزرق" و "قطريّ بن فجاءة" ثم "النجدات" و "الصفرية" وغيرها.

ومن الحقائق المسلّمة التي لا تنكر أن من اعتقد كاعتقادهم القائم على الأصول المذكورة يكن حكمه كحكمهم.

أما "المرجئة" فمنشؤها كان أولاً عن خطأ لفظيّ أتى به بعض فقهاء الكوفة من أهل السنة حيث قالوا: أن الإيمان شيء والأعمال الصالحة شيء آخر لأن الله فرّق بينهما في القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ولكن أولئك الفقهاء كانوا يرون وجوب السعي في تحقيق الأعمال الصالحة وخطورة الوقوع في الكبائر، إلا أنه قد تفرّع من تعريفهم للإيمان قولان منحرفان، ولكل منهما قد قال به قوم من غلاة المرجئة.

(الأول) قول الكرامية: وهو أن الإيمان قول باللسان وأن المنافقين مؤمنون في الدنيا ومخلّدون في النار.

(الثاني) قول مرجئة الجهمية: وهو أن الإيمان هو العلمُ والمعرفة القلبية فأخرجوا الأعمال والأقوال عن مسمّى الإيمان.

وقد أزعجت هذه البدعة الضالة العلماء ونفروا منها وحذّروا المسلمين من أعتناقها، فمن أقوالهم: قول سعيد بن جبير: "المرجئة يهود القبلة". وقول سفيان الثوري لما سئل: "أصلّي خلف من يقول الإيمان قول بلا عمل؟" فقال: "لا، ولا كرامة". وقال إبراهيم النخعي: "لفتنهم أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة". وقال أيضاً: "تركتْ المرجئة الإسلام أرقّ من ثوب سابري".

وقال الزهري: "ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء".

وكانوا يقولون -أي المرجئة- لا يضرّ مع الإيمان ذنبٌ ونفوا تفاضل الإيمان وقالوا: "إيماني كإيمان جبريل" أو "إيماني كإيمان أبي بكر" إلى غير ذلك من الضلالات.

[ ومن أراد أن يعرف فكرة الخوارج والمرجئة فليراجع كتاب الإيمان من الفتاوى لابن تيمية ].

وفكرة المرجئة لم تمت بل ازدادت مع الأيام سعة وشمولاً، فبينما كان الأولون يجعلون صاحب الكبيرة الموحّد كامل الإيمان، فإن الآخرين يجعلون صاحب الشرك الأكبر موحّداً مسلماً وقالوا: "لا يكفر الإنسان بالشرك الأكبر إذا كان من الناطقين بالشهادتين"

3)    التكفير الشرعي والبدعيّ : إن هناك لفرقاً بين "تكفير الأنبياء للناس" و "تكفير الخوارج للناس" فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يكّفرون من كفّروهم من الناس بالشرك الأكبر أي عدم إخلاصهم العبادة لله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾  [الكافرون: 1-2].

وفي الحديث: "إنها براءة من الشرك"

وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...﴾  [النساء: 48].

وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾  [الزمر: 65].

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾  [الأنعام: 88].

وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾  [المائدة: 72].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾  [النساء: 116].

وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.....﴾  [الممتحنة: 4].

قال الطبريّ: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ يقول: "حتى تصدّقوا بالله وحده وتوحّدوه وتفردوه بالعبادة".

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾  [المائدة: 51].

أما الخوارج فقد علمت الأصول التي قام عليها مذهبهم وأنهم كانوا يكفِّرون الموحّدين المسلمين بما وقع منهم من الذنوب التي هي دون الشرك بالله.

4)    أعـداء التـوحيد: إن من سنة الله أن يكون للتوحيد أعداءٌ يحاولون إطفاء نوره وقتله في مهده لأنهم يعلمون أنه يردّ الأمر كلّه إلى الله ويجعل الناس كلهم عبيداً سواسية أمامه وهذا مما يغضب أصحاب الجاه والسلطان الذين تقوم حياتهم على الظلم واستعباد العباد دون خالقهم تعالى .. وكان أولئك الجبابرة والمستكبرون يحاربون الحقّ عن علمٍ .. ويشيعون الإشاعات الكاذبة لصرف العامة عن الاستماع إلى الحقّ وقد قالوا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أنه ساحرٌ وكاهنٌ ومجنونٌ وشاعرٌ وأنه يأتيه شيطانٌ وأنه يتعلّم القرآن من أعجميّ .. وأنه يفرّق بين الأقرباء وبين الأحبّة. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: 32].

ولكل عصر ثقافته وظروفه الخاصة .. ففي عصور الإسلام عندما ينحرف بعض الناس عن التوحيد نرى أنه كلما قام أحد الدعاة لإحياء عقيدة التوحيد ولوازمها تكتّل ضدّه أصحاب الأهواء والمطامع وسلكوا مسالك إخوانهم في الكفر والظلم فأشاعوا عن الداعية ودعوته الأكاذيب اقتداء بالنضر بن الحارث وأبي جهل بن هشام وأمثالهم .. على اختلاف يسير في نوع الإشاعة فلا يقولون: "كهانة" و "شعر" و "سحر" و "أساطير الأولين" ولكن يقولون: "إنّ هذا عين مذهب الخوارج" للتنفير لأن الأمة المسلمة متّفقة على ذم الخوارج وإن اختلفت في تكفيرهم.

جاء في رسالة (الردّ على العراقي من الجامع الفريد) ما يأتي:

"والفرق بينهم وبين الخوارج أن الخوارج يكفّرون بكبائر الذنوب كالزنا والسرقة وشرب المسكر كما ذكر أرباب المقالات وهؤلاء إنما يكفّرون بالشرك بالله".

قال: أما الذنوب كالزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها فحاشاهم من التكفير بها فسبحان من طبع على قلوب من شاء من خلقه بعدله.

قال: وهذا وأمثاله عادوا أهل التوحيد لما أنكروا عليهم الشرك بالله ودعوهم إلى إخلاص العبادة لله، أيهما أشبه بالخوارج، فالأشبه بالخوارج على الحقيقة من يكفّر أهل التوحيد.

قال: والخوارج إنما كفّروا بالذنب وهؤلاء كفّروا بمحض الإيمان.

قال ابن القيم:  من لي  بشبه خوارج قد كفّروا   بالذنب  تأويلاً  بلا إحسان

ولهم نصوص قصروا في فهمها           فأُتوا من التقصير في العرفان

وخصومنا قد كفّرونا بالذي              هو غاية التوحيد والإيمان

وقيل عن الإمام محمّد بن عبد الوهّاب -ولا يزال يُقال عنه- إنه يحمل مذهب الخوارج فأجاب عن ذلك في رسالة إلى سليمان بن سحيم: " وأما المسألة الثالثة : وهي من أكبر تلبيسك الذي تلبس به على العوام أن أهل العلم قالوا : لا يجوز تكفير المسلم بالذنب وهذا حق ولكن ليس هذا ما نحن فيه، وذلك أن الخوارج يكفرون من زنى أو سرق أو سفك الدم بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر. وأما أهل السنة فمذهبهم : أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك، ونحن ما كفرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك وأنت رجل من أجهل الناس تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر" (ثم أخذ يسرد له الأدلّة الدالة على أن الكفر قد يثبت في حقّ إنسان وهو يزعم أنه مسلم) .. ومن تلك الأدلّة التي ذكرها: (المنافقون والسبئية والخوارج ومانعي الزكاة..) [راجع كتاب سيرة الإمام الشيخ محمّد بن عبد الوهّاب. لأمين سعيد].

فترى أن رمي المسلم الموحّد بالخروج قديم وأنه سلاح يستخدمه أعداء التوحيد لقتل التوحيد.

5)    أصول الإيمان: جاء في الحديث الصحيح في بيان أصول الإيمان: "أن تؤمن بالله ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه". كقوله تعالى:﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾  [النساء: 136].

وهذه الأصول يعلمها كل مسلم علماً ضرورياً لأن تحقّق الإسلام متوقّف عليها فالإسلام الظاهر يصحّ عند ما لا يبدوا ما ينقض الإيمان الباطن، فمن عرف أنه لا يعتقد نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم لا ينفعه النطق بالشهادتين. ومن عُرف كفره بالقرآن أو الملائكة أو الرسل السابقة أو اليوم الآخر لا ينفعه النطق بالشهادتين، فالنطق بالشهادتين يعبّر عن الإجابة إلى الإيمان كما قال القاضي عياض (انظر شرح صحيح مسلم للنووي- كتاب الإيمان ص: 206).

فإذا علم كفر الإنسان الباطن لم ينفعه إسلامه الظاهر ونطقه بالشهادتين، ومن أخفى كفره الباطن نفعه إسلامه  الظاهر في الدنيا دون الآخرة.

وهذه من بديهيات العقيدة  التي يعلمها الخاصة والعامة وكذا يعلمون بضدّها إذ أن من لم يعرف الكفر لم يعرف الإيمان.

إلى هنا يقلّ الخلاف فيه .. ولكن الذي لا يتنبّه له كثيرون فهو أن الإيمان بالله من ذلك بل إنه يذكر أولاً في القرآن والحديث: أن تؤمن بالله و .. و .. و. وأن الإيمان بالله معناه حتى: تصدّقوا بالله فتوحّدوه وتفردوه بالعبادة كما قاله الطبريّ. ولذا فإن من أشرك بالله في العبادة لا ينفعه إسلامه الظاهر ونطقه بالشهادتين وإقامته للصلاة والزكاة وغير ذلك فحكمه كحكم الذي  يظهر الإسلام ثم عُلم أنه يكفر بالنبي صلّى الله عليه وسلّم أوالقرآن أو البعث والحساب أو الملائكة أو كتب الله.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في حديث جبريل: "ففسّر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأصول الخمسة. فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي صلّى الله عليه وسلّم أما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام وإذا أفرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمناً"  [كتاب الإيمان – الفتاوى].

6)    تكفير المعيّن: وفي القرآن أدلّة واضحة تبيّن أن المسلم لا يجوز له أن يشك في كفر فاقد هذه الأصول الخمسة مثل من أشرك أو أنكر البعث والحساب والوحي والقرآن. كقوله تعالى:

= ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾  [الكهف: 37].

= ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾  [الكهف: 15].

= ﴿وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: 17].

= ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾  [التوبة: 23].

= ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾  [التحريم: 11].

فيكفّر منكر هذه الأصول على التعيين و يعاملُ كمعاملة المشركين.

أما إذا أنكر المسلم شيئاً من الدّين دون هذه الأصول المجملة فإنه لا يكفّر على الفور بل يجب التثبُّت في أمره وإقامة الحجة عليه فيكون بعد قيامها عليه كافراً أو فاسقاً إذا لم يتب من ذلك أو مخطئاً معذوراً.

وهذا هو الذي قال عنه العلماء:

= "نكفّر الأعمال ولا نكفّر الأعيان".

= "يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين".

= "من ثبت إيمانه بيقين لم يزل إيمانه بالشكّ".

وقد كتب إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن رسالة باسم (تكفير المعيّن والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة) وسبب كتابتها أنه بلغه من يقول: أن من أشرك بالله وعبد الأوثان لا يطلق عليه الكفر والشرك بعينه .. ويقول: لا تطلق الكفر على من دعا غير الله حتى تعرّفه".

فبيّن في رسالته بطلان هذه المقالة. فراجع إليها فإنها مفيدة جداً.

وخلاصة ما حوته هذه الرسالة هي :

(1)                 أن أهل الشرك الأكبر كعباد القبور ليسوا من المسلمين بلغتهم الحجة أو لم تبلغهم .

(2)                 أن الحجة تقوم بالرسول وبالقرآن .

(3)                 هناك فرقاً بين بلوغ الحجة وفهمها .. فإن الذين قال الله عنهم ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كانت الحجة قائمة عليهم .

(4)                 يكفّر أهل الشرك الأكبر بأعيانهم بدون تعريف .. والتعريف للمسلم في المسائل الخفية.

(5)                 أن الإمام ابن تيمية ومحمّد بن عبد الوهّاب كانا يكفّران المشركين بأعيانهم.

7)    العذر بالجهل: دلّ الكتاب والسنة على أن من أشرك بالله جاهلاً يطلق عليه الكفر والشرك كقوله تعالى:

=﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾  [التوبة: 6].

=﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾  [الزمر: 3].

=﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾  [البينة: 1].

=﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾  [النازعات: 17].

=﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾  [طه: 39].

=﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾  [القصص: 4].

وفي الحديث: "يا رسول الله إنا كنّا في جاهلية وشرّ". [البخاري].

وقال الإمام ابن تيمية في الفتاوى (المجلّد 11 ص:676).

"ولهذا كان للناس في الشرك والظلم والكذب والفواحش ونحو ذلك ثلاثة أقوال.

(1)                 قيل: إن قبحها معلوم بالعقل وأنهم يستحقّون العذاب على ذلك في الآخرة وإن لم يأتهم الرسول كما يقوله المعتزلة وكثير من أصحاب أبي حنيفة وحكوه عن أبي حنيفة نفسه وهو قول أبي الخطاب وغيره.

(2)                 لا قبح ولا حسن ولا شرّ فيها قبل الخطاب وإنما القبيح ما قيل فيه لا تفعل، وإنما الحسن ما قيل فيه افعل أو ما أذن في فعله كما تقول الأشعرية ومن وافقهم من الطوائف الثلاثة. (ونسبه إلى جهم كذلك).

(3)                 وقيل إن ذلك سيء وقبيح قبل مجيء الرسول لكن العقوبة إنما تستحقّ بمجيء الرسول، وعلى هذا عامة السلف وأكثر المسلمين وعليه يدلّ الكتاب والسنة"  (ا ﻫ).

وقال الإمام ابن تيمية: "فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة فإنه يشرك بربّه ويعدل به، ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أنداداً قبل الرسول ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها وكذلك اسم الجهل والجاهلية يقال جاهلية وجاهلاً قبل مجيء الرسول وأما التعذيب فلا"  [مجموع الفتاوى: م 20/ص: 38].

وقال الإمام ابن القيم: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاءَ به، فما لم يأْت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عناداً وإما جهلاً وتقليداً لأهل العناد"

قال: "بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول. هذا في الجملة والتعيين موكول إلى علم الله عز وجل وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب. وأما في أحكام الدنيا فهي جارية مع ظاهر الأمر".   [طريق الهجرتين].

وقال سـيد قطب في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾: "إن الاعتقاد بحقيقةٍ فرعٌ عن معرفتها .. فإذا جهل الناس حقيقة عقيدة فكيف يكونون معتنقين لها؟ وكيف يحسبون من أهلها وهم لا يعرفون ابتداءً مدلولها؟".

راجع في الجواب عن هذه الشبهات  الآتية كتاب "العذر بالجهل تحت المجهر الشرعي"

شبـهة (1) قول الصحابة (اجعل لنا ذاب أنواط).

        (جواب ابن تيمية - وجواب محمد بن عبد الوهّاب).

شـبهة (2) سجود معاد (جواب قتادة وابن زيد).

شـبهة (3) الرجل الذي قال (إذا أنا متُّ فحرّقوني).

        (جواب ابي بطين – الانتصار لحزب الله الموحّدين).

قالت طائفة: (لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله فإن الشاك في قدرة الله -تعالى- كافرٌ)

وقالت طائفة: (كان غير ضابط لكلامه كالذي قال (اللهم أنت عبدي وأنا ربك).

وقالت طائفة: (هذا من مجاز كلام العرب مزج الشكّ باليقين).

وقالت طائفة: (جهل صفة وقد اختلف في حكم جاهل الصفة).

وقالت طائفة: (كان في زمن فترة حين ينفع مجرّد التوحيد).

(8) هل تنفع كلمة الشهادة مع الشرك ؟

القرآن يجيب عن ذلك ويفسر بعضه بعضاً وكذلك السنة :

قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾  [النحل: 36].

وقال تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾  [آل عمران: 64].

وقال تعالى:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]

وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11].

وفي الحديث: (بني الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمّداً رسول الله ...)  وفي لفظ: (بني الإسلام على خمسٍ: على أن يُعبد الله ويكفر بما دونه  .)

وفي الحديث: (من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل).

انظر ماذا قال الشيخ في تفسير هذا الحديث من فتح المجيد

قال ابن تيمية: "ومن قال أن كل من تكلّم بالشهادتين ولم يؤد الفرائض ولم يجتنب المحارم يدخل الجنة ولا يعذّب أحد منهم بالنار: فهو كافر مرتدٌّ يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل"  [الفتاوى: م 35/ص:106].

فمن خرج عن الإخلاص إلى الشرك بالله لا ينفعه النطق بكلمة التوحيد إذا كان يقولها في كفره.

قال البغوي: الكافر إذا كان وثنيا أو ثنويا لا يقرّ بالوحدانية فإذا قال: "لا إله إلا الله" حكم بإسلامه ثم يجبر على قبول جميع أحكام الإسلام ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام.

وأما من كان مقرا بالوحدانية منكرا للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله. وإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة، فلابد أن يقول :" إلى جميع الخلق".

فإن كان كفره بجحود واجب أو استباحة محرم فيحتاج أن يرجع عما اعتقده.ا هـ  [فتح الباري: م12/ص:279]. وكذا قال الشافعي في الأم.

وقال الحافظ في الفتح عند حديث أبي هريرة:

"وفيه منع قتل من قال "لا إله إلا الله" ولم يزد عليها وهو كذلك، ولكن هل يصير بمجرد ذلك مسلما؟. الراجح لا، بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر. فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام،  حكم بإسلامه. وإلى ذلك الإشارة بقوله "إلا بحق الإسلام" ".

وقال أبو سليما الخطابي في قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا ...)

"معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف"  [شرح مسلم: 1/206].

وقال القاضي عياض: "فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد فلا يكتفي في عصمه بقول لا إله إلاّ الله إذا كان يقولها في كفره"  [شرح مسلم: 1/206].

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في "فتح المجيد" عند الحديث (من شهد أن لا إله إلاّ الله)

"أي من تكلّم بها عافاً لمعناها، عاملاً بمقتضاها باطناً وظاهراً، فلا بدّ في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه من البراءة من الشرك وإخلاص القول والعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح فغير نافع بالإجماع".

(9) الاعتقاد والاتّباع

قال الشيخ محمد بن عبد الوهّاب رحمه الله في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ قال: فيها عشر درجات:

(الأولى) تصديق القلب أنّ دعوة غير الله باطلة. وقد خالف فيها من خالف.

(الثانية) أنها منكر يجب فيها البغض. وقد خالف فيها من خالف.

(الثالثة) أنها من الكبائر العظام المستحقّة للمقت والمفارقة. وقد خالف فيها من خالف.

(الرابعة) أن هذا هو الشرك بالله الذي لا يغفره الله. وقد خالف فيها من خالف.

(الخامسة) أن المسلم إذا اعتقده أو دان به كفر. وقد خالف فيه من خالف.

(السادسة) أن المسلم الصادق إذا تكلّم به هازلاً أو خائفاً أو طامعاً كفر بذلك لعلمه، وأين ينْزل القلب هذه الدرجة ويصدقه بها؟ وقد خالف من خالف.

(السابعة) إنك تعمل معه عملك مع الكفار من عداوة الأب والابن وغير ذلك. وقد خالف فيها من خالف.

(الثامنة) أن هذا معنى لا إله إلاّ الله والإله هو المألوه. والتأله عمل من الأعمال وكونه منفيا ترك من التروك.

(التاسعة) القتال على ذلك حتى لا تكون فتنة ويكون الدِّين كله لله.

(العاشرة) أن الداعي لغير الله لا تقبل من الجزية كما تقبل من اليهود ولا تنكح نساؤهم كما تنكح نساء اليهود لأنه أغلظ كفراً.

وكل درجة من هذه الدرجات إذا عملت بها تخلّف عنك بعض من كان معك.  (والله أعلم)  [مجموع رسائل في التوحيد والإيمان].

وقال أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فأما صفة الكفر بالطاغوت فهو أن يعتقد بطلان عبادته وتتركها وتبغضها وتكفّر أهلها وتعاديهم.

وأما معنى الإيمان بالله فهو أن يعتقد أن الله هو الإله المعبود وحده دون ما سواه وتخلص جميع أنواع العبادة كلّها لله وتنفيها عن كل معبود سواه وتحبّ أهل الإخلاص وتواليهم وتبغض أهل الشرك وتعاديهم. وهذه ملّة إبراهيم التي سفه نفسه من رغب عنها وهذه هي الأسوة التي أخبر الله بها في قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾  [الممتحنة: 4].

والطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله" [مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان].

ثم ذكر رؤوسه الخمسة التي منها: الحاكم الجائر المغيِّر لأحكام الله تعالى والذي يحكم بغير ما أنزل الله]

(10)حكم الدّيار

إن فقهاء المسلمين قسموا الديار إلي دارين أصليتين وإلي دور تبعية: [أنظر بحث (الإسلام والوضع الدولي) ففيه تفصيل واف، مع ذكر المصادر الفقهية التي ذكرت فيها التحديدات وأصحابها الفقهاء حالة الاتفاق أو الاختلاف: الباب الأول منه].

فالداران الأصليتان هما دار الإسلام،  ودار الحرب.

والدور التبيعة هي : دار الردة،  ودار العهد،  ودار البغي.

فدار الإسلام هي الأرض التي تحكم بالإسلام،  با جماع الفقهاء.

ودار الحرب هي الأرض التي لا تحكم بالإسلام،  بإجماع الفقهاء أيضاً .

ودار الردة هي الأرض التي ارتد أهلها عن الإسلام،  وقد اختلف الفقهاء في تكييفها،  فمنهم (الحنفية والحنبلية) من اعتبرها جزء من دار الحرب،  ومنهم من اعتبرها مستقلّة عن دار الحرب (وهم الشافعية) ولكن رتب عليها أحكاماً أقسي وأشد من أحكام دار الحرب .

1.  فإن المر تدين لا يجوز أن يهادنوا،  بينما يجوز أن يهادن أهل دار لحرب (وهذا رأي الحنبلية ايضاً)

2.  لا يصالحون على مال يقرون به ردتهم،  ويجوز أن يصالح الحربيون (وهذا رأي الحنبلية كذلك).

3.  لا يجوز استرقاقهم ولا سبي نسائهم،  بل إن كل مرتد ومرتدة إما أن يسلم أو يقتل. بينما يجوز استرقاق أهل الحرب وسبي نسائهم .

4.  لا يمكن (ولعلّها لا يملك) الفاتحون أموال المرتدين سواء حصلو عليها قبل القتال أوبسببه،  بل أموال من قتل من المرتدين تكون لبيت مال المسلمين - دون المقا تلين - بينما يملك الفاتحون اموال الحربيين يالحرب. [الإسلام والوضع الدولي ص:22].

5.  أما دار العهد فهي جزء من دار الإسلام، أوهي محمية إسلامية عند من يقول بها من الفقهاء (هم الشافعية) لأنها تدفع ضريبة للدولة الإسلاميه .

6.  وأما دار البغي. وهي التي خرج فيها ناس مسلمون على الخليفة بقصد عزله، دون أن يكون من غرضهم تغيير النطام الإسلامي (الإسلام والوضع  الدولي ص26-27).

فهي جزء من دار الاسلام بِاتفاق الفقهاء. [المصادر السا بق ص23].

·                  في حالة تحول دار الحرب إلى دار الإسلام لم يشترط شئ سوى تنفيذ أحكام الشريعة

·                  وفي حالة تحول دار الإِسلام إلي دار حرب خلاف يسير [الإسلام والوضع الدولي ص91-92].

(أ) فقد ذهب جمهور العلماء من الشافعية والحنبلية والمالكية - ومعهم صاحبا ابي حنيفة محمد ابو يوسف - الي ان دار الا سلام تصبح دار حرب بمجرد سريان احكام الكفر عليها.

(ب) وذهب الامام  أبو حنيفة -رحمه الله- إلي أنه لا بدّ من تحقيق شرطين آخرين، بالضافة الي سريان احكام الكفر علي دار الاسلام،  لتصبح دارحرب

(جـ) أن لاتكون متصلة بدار الا سلام. رجح ابن عابدين ان يكون البحر فاصلاً،  بحيث لوكان بين دار الاسلام والبلد المستولي عليه بحر فان الانفصال يتم ويتحقق احد الشروط : الحاشية م3ص391

(د) وذكر ابن العابدين رحمه الله ان قول الصاحبين المساند لقول الجمهور هو الدي يقتضيه القيا س[الحاشية  م3 ص393]

دار الإسلام

"جمهور الحنفية لتعريف دار الإسلام بأنّها كل ما دخل من البلاد تحت سلطان الإسلام بحيث تكون المنعة والقوة فيها للمسلمين وتنفّذ فيها أحكامه، وتقام فيها شعائره" [العلاقات الدولية لأبي زهرة: 53].

وحجة هذه الاتجاه أن الأصل في تسمية الدار أن تكون مشتقة من الحقيقة المقرّرة لمعنى الإسلام، فتسمى دار إسلام إذا ظهر فيها الإسلام بأحكامه ونظمه، وإلا أخذت تعريفاً آخر". [بدائع الصنائع 7/130- الجريمة لأي زهرة: 371].

قال ابن القيم: "قال الجمهور دار الإسلام التي نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام، ولو كان جمهور أهلها كفاراً" [فتاوى السعدي: 1/92].

وما لم تجر عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام -وإن لاصقها- [أحكام أهل الذمة: 1/366 - الأذب الشرعية والمنح المرعية لإبن المفلح:1/213]

والشافعية: "هي الدار التي يستطيع ساكنها المسلمون أن يظهروا فيها أحكام الإسلام".[شرح روضة الطالب:4/204].

ويقول الإمام الرافعي من كبار علماء الشافعية: "وليس من تشريط دار الإسلام أن يكون فيها المسلمون، بل يكفي كونها في يد الإمام وإسلامه" [فتح العزيز بهامش المجموع للنووي:8/14]

قول الجمهور في تعريف الدار وهو قول يتفق مع الحقيقة لمعنى الإسلام، ويتناسق مع القواعد العقلية، والوقائع التاريخ، فإن مقومات دار الإسلام وعناصرها تحقق وصفين اثنين فيها:

الأول: أن تكون الغلبة فيها، والسلطة للمسلمين.

الثاني: أن تجري فيها أحكام الإسلام، وقواعدها المختلفة. ويقصد الأخير تطبيق الأحكام الشرعية دقّها وجلّها، وفي شتى مناحي الحياة بلا تجزئة ولا إنحراف. [فقه الأقليات المسلمة- لخالد عبد القادر:53].

دار الكفر

"تكاد كلمات الفقهاء تكون متفقة حول تعريف دار الحرب.

فعند الشافعي، وأبي يوسف ولد سنة 113 -182 الأنصاري الكوفي: "هي الدار التي تظهر فيها أحكام الكفر، ولا يحكم فيها بشريعة الإسلام". [بدائع الصنائع:7/130].

وعند القاضي أبي يعلى: "هي كل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام". [المعتقد لأصول الدين:276].

وعند المحدثين هي الدار التي لا يكون فيها السلطان والمنعة للحاكم المسلم، ولا تظهر فيها أحكام الإسلام". [العلاقات الدولية لأبي زهرة:53].

قصة بني عبيد القداح :

فإنهم ظهروا علي رأ س المائة الثالثة، فادعى عبيدالله أنه من آل عليّ بن أبي طالب، من ذريّة فا طمة، وتزيّى بزيّ أهل الطاعة والجهاد في سبيل الله، فتبعه أقوام من البربر من أهل المغرب، وصار له دولة كبيرة في المغرب ولأولاده من بعده،  ثم ملكوا مصر والشام،  وأظهروا شرا ئع الإسلام،  وإقامة الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة والمفتين،  لكن أظهروا الشرك ومخالفة الشريعة، وظهر منهم ما يدلّ علي نفاقهم وشدّة كفرهم، فأجمع أهل العلم : أنهم كفار وأن دارهم دار حرب، مع إظهارهم شعائر الإسلام .

وفي مصر من العلماء والعباد أنا س كثير، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوا من الكفر. ومع ذلك: أجمع العلماء علي ما ذكرنا، حتي إن بعض أكا بر أهل العلم المعروفين بالصلاح، قال: لو أن معي عشرة أسهم لر ميت بواحد منهم النصارى المحا ربين، ورميت بالتسعة بني عبيد.

ولما كان زمان السلطان محمود بن زنكي أرسل إليهم جيشاً عظيماً بقيادة صلاح الدّين، فأخذوا مصر من أيديهم، ولم يتركوا جهادهم بمصر لأجل من فيها من الصالحين. فلما فتحها السلطان محمود فرح المسلمون بذلك أشدّ الفرح، وصنف ابن الجوزي في ذلك كتاباً سمّاه ((النصر علي مصر)).

وأكثر العلماء التصنيف والكلام في كفرهم، مع ما ذكرنا من إظها رهم شرا ئع الإسلام الظاهرة .

فانظر ما بين هذا وبين ديننا الأول أن البدو إسلام،  مع معرفتنا بماهم عليه من البراءة من الإسلام كلّه، إلاّ قول (لا إله إلاّ الله) ولا تظنّ أن أحداً منهم يكفر إلا أن انتقل يهودياً أو نصرا نياً. فإن آمنت بما ذكر الله ورسوله، وبما أجمع عليه العلماء،  وتبرّأت من دين آبائك في هذه المسألة، وقلت : آمنت بالله وبما أنزل الله، وتبرّأت ممّا خالفه با طناً وظاهراً،  مخلصاً لله الدين في ذلك،  وعلم الله ذلك من قلبك،  فأبشر، ولكن أ سأل الله التثبيت، واعرف أنه مقلّب القلوب [مختصر السيرة لشيخ محمد بن عبد الوهاب: ص34 - 35  .]

يقول بعض المنحرفين إن تقسيم الديار إلى دار إسلام ودار كفر لم يرد في الكتاب والسنة :

والجواب: إن هذا التقسيم وإن لم يرد في الكتاب والسنة فمعناه صحيح لأن الله تعالي قسم الناس الي قسمين وهما مؤمنون وكافرون ثم أوجب علي المؤمنين الهجرة من القرية الظالمة التي يسيطر عليها الكفار الي قرية المسلمة التي يحكمها المسلمون بكتاب الله .

وقد ذكرالإمام ابن تيمية أن معرفة حكم القوم ترجع الي أمرين :

أولاً: معرفة أحوال القوم.

ثانياً: معرفة حكم الله في أمثالهم.

ولما عَرف أحوال التتار الّذين احتلوا مشرق الإسلامي كله [العراق-  إيران-  أفغانستان-  الهند-  ما وراء النهر]. أفتى بأنهم كفار وإن ديارهم ديار حرب.

قال الإمام ابن تيمية: "ومن يتدبر أحوال العالم في هذا الوقت، يعلم أن هذه الطائفة هى أقوم الطوائف بدين الإسلام، علمًا، وعملاً، وجهادًا عن شرق الأرض وغربها؛ فإنهم هم الذين يقاتلون أهل الشوكة العظيمة من المشركين وأهل الكتاب، ومغازيهم مع النصارى، ومع المشركين من الترك، ومع الزنادقة المنافقين من الداخلين فى الرافضة وغيرهم، كالإسماعيلية ونحوهم من القرامطة معروفة، معلومة قديمًا وحديثًا‏. والعز الذي للمسلمين بمشارق الأرض ومغاربها هو بعزهم؛ ولهذا لما هزموا سنة تسع وتسعين وستمائة دخل على أهل الإسلام من الذل والمصيبة بمشارق الأرض ومغاربها ما لا يعلمه إلا الله‏. والحكايات فى ذلك كثيرة ليس هذا موضعها‏.

وذلك أن سكان اليمن فى هذا الوقت ضعاف، عاجزون عن الجهاد أو مضيعون له، وهم مطيعون لمن ملك هذه البلاد، حتى ذكروا أنهم أرسلوا بالسمع والطاعة لهؤلاء، وملك المشركين لما جاء إلى حلب جرى بها من القتل ما جرى‏. وأما سكان الحجاز فأكثرهم أو كثير منهم خارجون عن الشريعة، وفيهم من البدع والضلال والفجور ما لا يعلمه إلا الله، وأهل الإيمان والدين فيهم مستضعفون عاجزون، وإنما تكون القوة والعزة فى هذا الوقت لغير أهل الإسلام بهذه البلاد، فلو ذلت هذه الطائفة ـ والعياذ بالله تعالى ـ لكان المؤمنون بالحجاز من أذل الناس، لاسيما وقد غلب فيهم الرفض، وملك هؤلاء التتار المحاربون لله ورسوله الآن مرفوض، فلو غلبوا لفسد الحجاز بالكلية‏. وأما بلاد إفريقية فأعرابها غالبون عليها، وهم من شر الخلق، بل هم مستحقون للجهاد والغزو‏. وأما المغرب الأقصى فمع استيلاء الإفرنجة على أكثر بلادهم، لا يقومون بجهاد النصارى هناك، بل فى عسكرهم من النصارى الذين يحملون الصلبان خلق عظيم‏. لو استولى التتار على هذه البلاد لكان أهل المغرب معهم من أذل الناس، لاسيما والنصارى تدخل مع التتار فيصيرون حزبًا على أهل المغرب‏.

فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التى بالشام ومصر فى هذا الوقت هم كتيبة الإسلام، وعزهم عز الإسلام، وذلهم ذل الإسلام‏. فلو استولى عليهم التتار لم يبق للإسلام عز، ولا كلمة عالية، ولا طائفة ظاهرة عالية يخافها أهل الأرض تقاتل عنه. [مجموع الفتاوي:م28/ ص532 - 534 ].

(11) نصيحة :

أدعوا العلماء عامة ومن اشترك منهم في الندوة الجائرة خاصة إلى التوبة إلى الله وعدم الخوض في مسائل التوحيد قبل معرفتها بأدلتها .. فإن زلاّة الشيوخ خطيرة كما قيل: إذا زلّ العالم زلَّ بزلّته عالَمٌ" وأن يهدبوا أنفسهم ويدربوها على الاستقامة قبل مباشرة الدعوة والتربية والتعليم فإن العاقل كلما ازداد علماً ازداد خضوعاً وتذللاً لله وإنكساراً وانقياداً للأدلّة ومن ازداد استكباراً بعد الازدياد من علوم الإسلام فعلمه غير نافع وسيكون وبالا عليه.

قال مالك بن دينار: "كم من داعٍ إلى الله فارٍّ من الله"

وقال ابن المبارك: "وهل أفسد الدِّينَ إلا الملوك   وأحبار سوء ورهبانها".

قال ذلك في أفضل القرون القرن الثاني الهجريّ حينما كان الملوك لا يعرفون ولا يتصوّرون اتّخاذ شريعة غير شريعة الله ثم الانتساب بعد ذلك إلى الإسلام.

قال سـيد قطب: "آفة الدِّين رجال الدِّين".

وأدعو أصحاب الندوة مرّةً أخرى إلى أن تكون توبتهم جهرةً لأن من أذنب جهرةً تاب جهرةً حتى لا يستمرّ في الضلال الذين اقتدوا به وشهدوا ذنبه ولم يشهدوا توبته.

وأدعوا طلبة العلم والمشتغلين في الدّعوة إلى الله إلى التثبت في الأمور ونبذ التقليد والتعصب التي هي من مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم  أهل الجاهلية. وأدعوهم إلى أن لا تكون عقيدتهم بيد غيرهم حتى إذا سئلوا عن معتقدهم قالوا نحن على اعتقاد الشيخ الفلاني فإن وافقك وافقناك وإن خالفك خالفناك لا تكونوا هكذا ولكن تعلّموا العقيدة بأدلّتها وبيّنوها للناس صافية كيوم جاءتها.

والله الهادي إلى الصراط المستقيم، والحمد لله رب العالمين.

 

õ   õ   õ

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved