Get Adobe Flash player

الشبهة السادسة: استدلالهم بحديث الأَمّة السوداء التي سألها النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنتَ رسول الله. قال: اعتقها فإنّها مؤمنة؟.

فالجواب: أنّ هذا الحديث حجّة عليهم من جانبين، وفيه شبهة يضلّ بِها أهل الغفلة تحتاج إلى بيان. فهو حجّة عليهم:

(أولاً): لم يكتفِ النبيّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم من الأَمّة بما تدّعيه من الإسلام بل أمرها فأُحضرت لتمتحن هل صحّ إسلامها أم لم يصحّ، وقد وقع ذلك في دار الإسلام في مدينة النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. وهم ينكرون دعوة أهل الشرك المجاهرين بشركهم إلى التوحيد ونبذ الشرك، وتمييز من صحّ إسلامه ممن لم يصحّ. ويقولون: "هم أسلموا بالنطق مع شركهم ويدخلون الجنّة بما معهم من الإيمان" فتبيّن بُعدهم عن منهج النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم.

(ثانياً): ليس في الحديث -أو في أكثر رواياته- أنّه سأله عن التوحيد. فنقول لهم: "أين الحدّ الأدنى الذي قلتم أنّه لا أدنى منه؟؟".

فإن قالوا: يصحّ إسلام من لم يقل: "لا إله إلاّ الله" فقد أبطلوا الحدّ الأدنى الذي حدُّوه بقولهم: "إنّه النطق بكلمة التوحيد". وإن قالوا: توجد رواية تُفسّرها وفيها أنّها سُئلت: أتشهدين أن لا إله إلاّ الله. فقد تمّ المطلوب، وثبت أنّها قبلت كلمة التوحيد لفظاً ومعنىً، لأنّ أهل الشرك في ذلك الزمن لم يكونوا يقولون: "لا إله إلاّ الله" إلاّ عندما يريدون الانتقال من دين الشرك إلى دين التوحيد والإسـلام.

أما الشبهة التي يقع بِها أهل الغفلة فهي قولهم: أنّ الحديث يدلّ على أنّ الكافر إذا علم أنّ الله في السماء وأنّ محمّداً رسول الله يكفيه ذلك في الدنيا والآخرة، وإن كان متلبساً بالكفر والشرك. وقد أوقعهم في هذا الضلال غفلتهم عن أمرين ظاهرين:

(الأول): أنّ فرعون كان يعلم أنّ الله في السماء كما دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: 36-37].

مع قوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ[الإسراء: 102].

وقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].

فقد بلغته دعوة موسى عليه السلام وأنّه رسول أرسله الله الذي في السماء، فعلم أنّ ذلك حقّ ولكنّه عاند واستكبر.

ففرعون عرف أنّ الله في السماء وأنّ موسى رسول الله ولم يدخل في الإسلام بهذا القدر لاستكباره عن الخضوع لله وعدم براءته مما خالف دين الإسلام.

(الثاني): أنّ توحيد الله ونفي الشركاء عنه من أظهر شعائر الإسـلام، ومن المعلوم من الدِّين بالضرورة ولا يجهل ذلك أحدٌ في دار الإسلام، وهو كظهور الصلاة والصيام أو أعظم منه.

فالأَمّة السوداء إذاً كانت تعيش في مجتمع المدينة الذي يجاهد أهل الشرك لشركهم وكانت تعرف شخص رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم وتعلم أنّ الله أرسله فإنّ هذا القدر يكفي لمعرفة إسلامها، لإنّ إقرارها بأنّه رسول الله مع اشتهار ما جاء به من التوحيد وترك الشرك حتى علمه من كان في الشام واليمن أغنى عن الإكثار من الأسئلة، بل العادة أنّ مستور الحال في دار الإسلام يحمل على أنّه مسلمٌ إذا كانت أمارة الإسلام بادية منه.

قال الخطابي في المعالم: "قوله أعتقها فإنها مؤمنة ولم يكن ظهر له من إيمانها أكثر من قولها حين سألها:" أين الله". قالت: "في السماء"، وسألها: "من أنا". فقالت: "رسول الله" صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم ، فإن هذا سؤال عن أمارة ايمان وسمة أهله وليس بسؤال عن أصل الإيمان وحقيقته. ولو أن كافراً جاءنا يريد الانتقال من الكفر إلى دين الإسلام فوصف من الإيمان هذا القدر الذي تكلمت الجارية لم يصر به مسلماً حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويتبرأ من دينه الذي كان يعتقده، وإنما هذا كرجل وإمرأة يوجدان في بيت فيقال للرجل من هذه المرأة فيقول زوجتي فتصدقه المرأة فإنا نصدقهما ولا نكشف عن أمرهما ولا نطالبهما بشرائط عقد الزوجية حتى إذا جاءانا وهما أجنبيان يريدان ابتداء عقد النكاح بينهما فانا نطالبهما حينئذ بشرائط عقد الزوجية من إحضار الولي والشهود وتسمية المهر، كذلك الكافر إذا عرض عليه اسلام لم يقتصر منه على أن يقول إني مسلم حتى يصف الإيمان بكماله وشرائطه، فإذا جاءنا من نجهل حاله في الكفر والإيمان فقال إني مسلم قبلناه وكذلك إذا رأينا عليه أمارة المسلمين من هيئة وشارة ونحوهما حكمنا بإسلامه إلى أن يظهر لنا خلاف ذلك" انتهى.

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved