Get Adobe Flash player

بسم الله الرحمن الرحيم

فِقهُ الدَّعوة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللّهم صلِّ وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.

الحمدُ لله الذي جعلنا مسلمين وجمعنا على الإيمان به والإذعان له واتّباع شرعه وأمره، وجعلنا متآخين فيه على غير أرحام بيننا ولا أموالٍ نتعاطاها .. اللّهم اجعلنا صادقين فيما نقول .. واجعل أعمالنا موافقةً لأقوالنا .. ولا تجعلنا من المنافقين الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِيقُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (آل عمران: 167).

أما بعد: فيا أيُّها الاخوة .. اذكروا أننا في يوم من أيام الله مباركٍ جعله الله عيداً للأمة المسلمة، عيداً سنوياً يعود بعود السنة، ليجتمع المسلمون فيها لذكر الله وشكره على ما أنعم عليهم من جلائل النِعم التي يعجزون عن حصرها وإحصائها. وكذلك ليتواصى بعضهم بعضاً على ما فيه خير الدنيا والآخرة، ولهذا الغرض شُرِّعت خطبة العيد بعد الصلاة لتذكير المسلمين وتنبيه الغافلين، ودعوة الجميع إلى الصدق في العمل والإحسان فيه، ومحاولةِ البلوغ إلى الأكمل في تطبيق أوامر الله والامتثال بها.

أيها الاخوة .. اعلمُوا أنَّ الدعوة إلى الله فريضةٌ عظيمةٌ مُلقاةٌ على عاتقِ من كان في قلبه إيمانٌ وإسلامٌ، من كان في قلبه رغبة في تحقيق العُبُودية لنيلِ رضى الله والجنّة.

أيها الاخوة .. اعلمُوا أنَّهُ يجبُ أنْ يسبقَ القيامَ بواجبِ الدعوةِ إلى اللّه، والتصدّي لمُواجهةِ الجاهليةِ العاتية فهمٌ عميقٌ لحقيقيةِ هذه الدعوة، إنَّها أمرٌ من اللهِ الملكِ الحقِّ والفردِ الصمدِ الَّذى لا إله الّا هو، أمرٌ موجَّهٌ الي صِنفٍ من عبادِه، وهم المؤمنون، فمنْ عرفَ الملكَ الحقَّ الآمِر بالدعوةِ، وعرَفَ العبادَ المأمورين بها، وعرَفَ تفاصيل الأوامر الصادرة من الملكِ الحقِّ، ووفَّقهُ الله الصِدقَ واليقين، والعملَ بما علمَهُ، فهُو المُؤتمَنُ على الدعوةِ، الفقيهُ بشأنِها.

إنَّ اللهَ الذي يأمرُ عبادَهُ بالقيام بالدعوة إليه هو الملكُ الغنيُ عن العالمين، فلو آمن كلُّ الناسِ به، وأطاعوهُ لايزيدُ ذلك في مُلكهِ وسلطانِه شيئاً، ولو كفرَ الجميعُ وعصَوهُ ما نقصَ ذلك من مُلكهِ شيئاً. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (النساء:131). وقال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ (الزمر:7)

وعَنْ أَبِي ذَرَ عَنْ النَّبِيِّ . فِيمَا رَوَى عَنِ اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:

"يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي. وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً. فَلاَ تَظَالَمُوا".

"يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ. فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ".

"يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ. فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ".

"يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ. فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ".

"يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً. فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرُ لَكُمْ".

"يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي. وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي".

"يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً".

"يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ. كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً".

"يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ. وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ".

"يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ" (مسلم).

إنَّ النَّاسَ عبيدٌ مخلوقون، وربُّهم الذى خلقهم هو الَّذي أعدَّ لهم الرِّزقَ الحسنَ والماء الطيِّب، وكلَّ ما يحتاجُون إليه في دنياهُم. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ. وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم:32-34)

وكما أنَّ الله تعالى قد أحسن خَلقَهم ورِزْقَهم، فإنّهُ قد أحسَنَ نظامَ حياتهم، حيثُ بيَّنَ لهم الاخلاقَ الزكية الفاضلة، ووضع لهم النظامَ الحيوي الّذي يضمَنُ لهم الاستقرار والعزَّة والكرامة، إن اتَّبعُوهُ كما وُصفَ لهُم.

قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحديد:9).   وقال: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء:10).

وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (النساء:66).

إنّ الله الملك الحقَّ هو الغالب علي أمور عباده، وأعداؤه هم الأذلون، فليس هو مُحتاجٌ الي النُّصرة والنَّجدة، ولكنَّهُ يريدُ أنْ يَمتحِنَ عبادَه، ويميِزَ التَّقيَّ المُطيعَ من المُجرمِ العاصي. فأنزل التكاليف، وأوجبَ الواجبات، لتَميِيزِ أهلِ الصِّدقِ والإيمانِ عن أهلِ  الشك والكفران.

إنَّ الله الملك الحقَّ هوالَّذى أحيَا النَّاسَ، ثم أمرهم بالتَضحِية بالنفوسِ، وهو الَّذى رزقهم الأولادَ ثم أمرَهُم بأنْ يُرسلوهم الي الجهاد ليستشهدُوا، وهو الّذى أعطاهم نعمة المالِ، ثمَّ استقرضَهُم، وطلبَ منهم الإنفاق في سبيله، ووعدَهُم - إذا فعلوا ذلك - الحياةَ الكريمةَ والخلودَ الأبدي.

قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التَّوبة:111)

فمِنْ مقاصدِ الأوامر الصَّادرة من الله الى عبادِهِ المُؤمنين - والتي منها الدعوة والجهاد - اختبارُ صدقِ العبادِ ويقينِهم. فمن أطاعَ الله، وصدقَ في النيةِ والعملِ، فهو الفائز الناجح. ومن أعرضَ عن ربِّهِ، وتغافلَ عن أوامرهِ، وركنَ إلي الدُنيا فهو الخاسر في الدُنيَا والآخرة.

إعلمُوا أنَّ اللهَ فضّلَ بعضَ عبَادِهِ على بعضِهم، ففضّلَ المُؤمنين على الكافِرين. فقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (القلم: 35-36).
وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
(الجاثية:21)

ثُمَّ فضَّلَ بعضَ المؤمنين على بعضِهم، ففضَّلَ أهلَ العَلمِ على غيرِهم. فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة:11)

ثُمَّ فضَّلَ بعضَ أهلَ العَلمِ على بعضِهم، ففضَّلَ الأنبياءَ على غيرِهم. قال الله تعالى لما ذكر بعضَ أنبيائه: ﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:86).

وقال: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النّمل:15)

ثُمَّ فضَّلَ بعضَ الأنبياءِ على بعضِهم، فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة:253).

وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (الإسراء:55)

فالبشرُ درجاتٌ، والدعوةُ إلى اللهِ واجبةٌ على صنفٍ منهم، قد أوجبها اللهُ على المُرسلين والمُؤمنين. والمُؤمنُون هم أتباعُ الرُّسُلِ الكرام، الّذين يحرصُون على مُوافقةِ إرادة الله الشرعيّة، وإذا تبيّنَ لهُمُ الحقُّ استمسكُوا به، ولم يعدِلُوا إلى قولِ أحدٍ من البشر.

قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: 43-44)

وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النُّور:51-52)

وإذا كان الّذين أمرهم اللهُ بأن يَقُومُوا بالدعوة إليه صنفًا من النَّاسِ، تميَّزُوا عن غيرهم بصفات وأعمال، فليعلم الدُعاة أنَّ عليهم أن يزِنُوا أنفُسهم بميزان الحقِّ، وأنّهم إن نزلُوا إلى ميدان الدعوة بقُلُوبِ الذئابِ، الحريصةِ على الصيدِ القريبِ، وجعلُوا أكبر همّهم جمعَ الدُنيا، وإن كان على حساب الدِّين، فلن يكُونَ التوفيقُ والتسديدُ حليفَهم، لأنَّهم قد أخرَجُوا أنفسَهم، وأبعدُوها من مجال التوفيقِ والتسديدِ والنّصر.

اعلمُوا أنّ الله تعالى يُريدُ من البشرِ أن يعبُدُوهُ بالإخلاص، ولا يُشرِكُوا به شيئًا. وأنّهُ لما أمر آدم بالهبُوط إلى الأرض قد أخبرهُ، أنّ فوز البشر لا يكُونُ إلا باتّباع أمرِه، وأنّ من كفر، ولم يتّبع أمرَ ربِّه يكُونُ من الخاسرين. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:25)

واعلمُوا أنّ الرسُل الّذين كان يُرسلُهم لهداية البشر إلى الحقِّ، كانُوا جميعا دُعاة إلى الله، يحملُون رسالة واحدة هي قبُول الإيمان والتّوحيد، وترك الكُفر والشرك. وأنّ الله تعالى كان يُنزِّلُ عليهم كُتُبا تُبيِّنُ لهم الحقَّ لرفع الخلافِ بين البشر، وأنّ الاختلاف كان يقعُ مع وجُود الكتابِ، وكانت طائفةٌ دائما مُهتدية على الحقِّ.

﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة:213)

واعلمُوا أنّ حُجّة الله قائمةٌ على البشرِ، بإرسال الرُّسلِ، وأنّ كُلَّ من بلغتهُ رسالة الرَّسُول، فقد قامت عليه حُجّةُ الله، ولا عُذر له عند الله.﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النّساء:165)

واعلمُوا أنّ المُؤمنين هم أتْبَاعُ الرُّسلِ، وهم مُكلّفُون، وهم شُهداء على النّاس وأنّ طريقَهم طريقُ الرُّسلِ وهدفهم إرضاءُ الله بالانقياد لأوامره، ونجاتهُم في التبليغ عنه وأنّهم تركُوا الشرك والكُفرَ خوفًا من الله،ولا يُريدُون العودة إليه، بل يُريدُون إنقاذ النّاس منه.

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة:143)

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:108)

وإذا كان الأمرُ كذلكَ، وكان طريقُ المُؤمنين هو طريقُ الرُّسلِ الكِرامِ، وغايتُهم هي غايتُهم، فإنَّ ذلك يقتضِي عدمَ التَّقدُّم بين يدي الله ورسُولِهِ في شأنِ الدعوةِ إلى اللهِ، وفي شأنِ القرارات الّتي يُرادُ أخذُها في المواقفِ الصعبَةِ الحرجةِ. وهذا يجعَلُ منهجَ المسلمين في الحركةِ والدعوةِ إلى اللهِ مُنحصرًا في فهمِ خُطوات منهجِ المُرسلين وتطبيقهِ في الواقعِ الحاضِر، ونبذِ الآراء والاصطلاحات المُخالفة لهُ، لأنّ كُلَّ الخيرِ في المُتابعةِ، وكُلَّ الشرِّ في المُخالفةِ.وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (الأعراف:158). ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (النُّور:54)

وليعلم دُعاةُ الحقِّ أنَّ الّذين يُستعملُ بهم في الدعوةِ والتربية، وإخراج الأمّة المسلمة، هم الّذين يرجُون الله، وأخذُوا على أنفسهم العهد والميثاقَ على اتِّباع الرُّسل في الدعوة إلى الله، والمساهمة في إخراج الأمّة المسلمة، لأنَّ هؤلاء هم الّذين لا يرتابُون ولا يتردّدُون، ولا يُلجئُهم الفقر والخوف إلى النُّكُول عن تكاليف الإسلام. الّذين يفزعُون إلى الله في الشدائد، ويثقُون بوعُوده، ولا يفزعُون إلى المادَّةِ وأماني الشيطان.

المنهجُ الصحيح هو تقديم أهلِ الإقبال على الله، وتأخيرُ من أخّرهُ الله من الّذين ألهمتهم الحياةُ الدنيا. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (الكهف:28).

ذو الحجة 1436هـ

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved