Get Adobe Flash player
بسم الله الرحمن الرحيم

سورة الجمعة

الحمدُ لله ربّ العالمين......        اما بعد:

فقد ثبت في صحيح مسلم  وغيره من كتب السنّة عن ابن عباس رضي الله عنهما :انّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة  والمنا فقين,وسرّ اختيار النبي صلّي الله عليه وسلّم لهاتين السورتين  للقراءة والتّذكير بهما في الجماعات يظهر بوضوح إذا تأمّلنا القضايا  والمسا ئل التي تعالجها كلّ من السورتين, حيث انها قضايا هامّة اساسية تدخل في صميم الإعتقاد وتُفيد في تحديد المنهج  العمليّ  الواقعيّ الذي يتطلّبه الإسلام  من أنصاره ومعتنقيه. والغفلة عن تذكّر  تلك القضايا لها خطورة بالغة تهدّد وجود التجمّع المسلم بل تهدّد وجود الإسلام  ذاته.

فمن القضايا  التي يتذكّرها  المسلم  عند تلاوته او استماعه لسورة  الجمعة  :

(اولاً ) تسبيح الكون لله واسلامه وانقياده لربّ العالمين : ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

كقوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾-الإسراء.

وبما انّ حياة الإنسان  مرتبطة بهذا الكون المسلم المسبّح لربّ العالمين, فإنّ الكفر بالله  من الإنسان يبدوا جريمة عظيمة وشذوذا غريبا عن النّاموس الفطريّ  الكونيّ الذي ينسق بين وحدات هذا الكون.

(ثانياً ) قوله تعالي : ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ يتذكّر المسلم انّ الله هو :"الملك الحقّ" في الدّنيا والآخرة المستحقّ للطّاعة والإنقياد المطلق وأنّه لا شريك له في ذلك, وبما انّ منهج أيّ جماعة مرتبط  بإعتقادها, فإنّ المسلم المعتقد بأنّ الله وحده هو الملك الحقّ المستحقّ للتّشريع والتّوجيه لا يُطيع ملوك الأرض  وجبابرتها  ولا يستبيح العمل بالقوانين الأرضيّة الصّادرة من الطّواغيت البشريّة, كيف وهو يتلوا الآيات التالية : ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾-الأعراف. ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾-آل عمران. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾-الشورى.﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ . الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾- الأعراف

ويتذكّر كذلك انّ من صفات الملك الحقّ صفة" القدّوس " اي المتّصف بصفات الكمال المنزّه عن النقائص والعيوب. فيعلم من ذلك انّ شريعته منزّهة كذلك عن العيوب  التي  تلا زم شرائع البشر  المتّصف  بالجهل والهوى  والنّقص. ويتذكّر كذلك انّه "عزيز " فالعزّة تكون لله ولحزبه المؤمن :﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾- المنافقون. ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾- المجادلة. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾-المائدة.

وانّه  "حكيم" في قضائه واحكامه ، وانّ كل ماقدّر الله وراءه حكمة بالغة فيرضى  بقضاء الله وقدره كما يرضى بشرائعه واحكامه .
(ثالثاً ) انّ الله تعالي بعث في الأميّين رسولا منهم واستبدلهم بالأمم السابقة التي ضعفت عن إبلاغ الرسالة وحمل الأمانة, وأنّ هذه الأمّة المسلمة بلغت مركز القيادة البشرية بتلاوة الكتاب وتزكية النفس  اي بالعلم والعمل ، لأنّ تزكية النّفس غاية لا تُدرك  بغير العمل  بالعلم  الإلهى وتعبيد النفس لإتباع الحق. لذا فإنّ تعلّم الكتاب والعمل بمافيه هو الضّمان الوحيد للجماعة المسلمة الذي يحفظها من الإخلال  والفساد الذي يعقبه الذلّ والمسكنة والبعد عن رحمة الله  في الدنيا والآخرة.

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

(رابعاً ) وانّ تذكر الضلال السابق والحياة الجاهلية التي كان يحياها المسلم قبل اسلامه مما يزيده شدّة وقوّة في استمساكه بالحقّ المنزّل من عندالله وفي خوفه من الرّدّة الى الجاهليّة , وكل مسلم حسُن اسلامه يكره ان يعود في  الكفر كما يكره ان يقذف في النار  كما جاء في الحديث الصحيح .

والله سبحانه وتعالى يذكر المؤمنين  في مواضعَ من كتابه بما كانوا عليه من الجهل والظّلم  والكفر كي يشكروا الله على نعمة  الإيمان التي اعطاها ايّاه: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾  ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾-البقرة. ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾-البقرة ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾[ آل عمران].

(خامساً ) قوله تعالى ﴿وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

فيه تذكير  للمؤمن بانّ رسالة محمد صلى الله عليه وسلم  عامّة للناس وانّه مبعوث  الى الثّقلين ولا نبيّ بعده. قال مجاهد في قوله تعالى : ﴿ وَآَخَرِينَ مِنْهُمْ..: هم الأعاجم وكل من صدّق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من غير العرب  وإذا كانت رسالته صلّى الله عليه وسلم رسالة عامّة .. وكان المؤمنون حملة رسالته بعده الى يوم القيامة .. فكيف يهنأ المؤمن  بالرّاحة والنّوم وهو يرى الضلال المطبّق علي حياة البشر وسيطرة الكفار علي رقاب العباد.

إّنه لا بدّ ان تكون للمؤمن  همّة عالية وسعي لا يفتر ولا يزول, وان يترفّع عن الأشغال بسفاسف الأمور والإنهماك في إشباع شهوات النّفس  وجمع حُطام الدّنيا الزائل عن قريب .

قال عمر بن خطاب رضي الله عنه : " كيف لي بالنوم .. إذا نمتُ الليل ضاعت نفسي واذا نمتُ النهار ضاع العباد "   

إن نظام الإسلام ودولته القويّة التي ملكت المعمورة  وبلغت مشارق الارض ومغاربها, وبدّدت ظلام الجهل والجاهليّة عن ربوعها وأعادت العباد الى بارئها, وساقتهم طوعاً وكرهاً الى حظيرة الإسلام والإيمان ... إنّ هذه الدّولة ذات النّظام  الربّاني والطّابع القرآنيّ  لم تقم على أكتاف الضعفاء المستذلين  للشّهوات والمطامع القريبة الذين يمنحون أثمن أوقاتهم لمعالجة الدّنيا ثم يقولون بعد العصر: " كيف حال الإسلام والمسلمين " ولم تقم على أكتاف الثّرثارين المتشدّقين الذين يُحسنون الكلام ويُسيئون  الأعمال .. والذين يغيبون عند المكارم  المعالى .. ويشهدون عند المعايب  والمثالب والمخازي  وإنّـما قامت علي اكتاف اقوام  كانوا رهبان اللّيل  وفرسان النّهار, ترى صفاتهم وسلوكهم  مُسجّلة في كتاب الله الكريم: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ – التوبة.

(سادساً ) إنّ الإهتداء  الى الحقّ هو الفضل المبين الذي لا يُقاس علي شيء أصلاً :﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾    ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾

(سابعاً )  قوله تعالى  ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾

يدلّ على امور يجب  أن يتذّكرها المسلم  دائماً: (الأول)  إن الله نزع عن اليهود الإمامة والقيادة  الدّينية لسبب واحد هو: أنّـهم  ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾  أي أوجب الله عليهم العمل بالتّوراة  فنكلوا عن العمل وخالفوا الشّريعة  في مواضع كثيرة  ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كما امر الله .

كما أنّ الله تعالي اختار الأمّة المسلمة  للإمامة والقيادة الدّينية بعلمها وعملها بالكتاب المنزّل من عند الله ..  وهذا يدّلك على ضرورة  العمل بعلم الكتاب وأنّه وحده  الضّمان من الإنحطاط والهلاك .

 (الثاني) إنّ اليهود كانوا  في مبدإ أمرهم  أمّة مؤمنة بالله ،  وحّدت الله وصدّقت بنبيّه  وكليمه موسى عليه السّلام ، وإن كان فيهم عناد وتعنّت وخلاف للحقّ إلا أنّه كان فيهم مؤمنون صادقون, كما قال تعالى  ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾-الأعراف.

ثم آل أمرهم الى الكفر  الأكبر لتركهم العمل بكتاب الله في كلّ الشئون  وتقديمهم لآراء الأحبار  على أحكام الله  فصاروا عند الله كفارا مشركين  كما قال تعالى ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾- التوبة.

كما بيّن الله تعالى  أنّهم  قد تد رّجوا من مرتبة الإنسان الى مرتبة الحيوان في قوله تعالى:﴿ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ مثل قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾- الأعراف.وقوله تعالي ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾

ومعرفة ذلك كافية للإعتبار والإتعاظ والاستيقان بأنّ الذين تركوا العمل بالقرآن  الكريم واختاروا  العمل بالقوانين  الوضعية الصادرة من الكفرة الفجرة لا يكونون أحسن حالاً من اليهود المغضوب عليهم .

( الثالث ) إنّ اليهود كانوا  جهلة مغرورين, فغالبيتهم  كانوا يعتقدون أنهم على صراط الله مهتدون وأنهم شعب الله المختار فمن أقوالهم  : ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾- البقرة ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾-البقرة ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾- البقرة ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.

 وهذا يدلّك على أنّ الإنتساب الى الملّة  مع الخروج عن العمل بالشّريعة لا يُجدى شيئاً ولا يُنقذ أحداّ من الضّلال الذي يعقبه العذاب كما أنّ الأمانيّ والظنون لا تُفيد الإنسان شيئاً ولا تضع عنه المسؤلية  والعقوبة اذا كانت تخالف الحقيقة  والواقع، فإعذار أهل الإشراك بالجهل بدعة ما أنزل الله بها من سلطان .

(الرابع ) دلّ قوله تعالى:﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ على أنهم لم يحملوا التوراة كما امر الله. ودلّ قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ على أنّهم كانوا يحملون التوراة حملاً لا يقبله الله  ولا ير ضاه .. وذلك هو إنتسابهم للتوراة  وإدعاؤهم أنهم مؤمنون بالله وبنبيَه وكتابه  التوراة  وكذلك تلاوتهم للتّوراة وتدريسها في مدارس الصّبيان ورجوعهم إليها في أحكام كثيرة كالنّكاح والطّلاق والميراث وأحكام الصّلاة والصّيام وغير ذلك.

وذلك كان حالهم يوم نزول هذه الآية  كانوا يدّعون أنهم عملوا بالتّوراة فابطل القرآن، زعمهم واخبر أنهم ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وهذا مثل كل من يخرج عن توحيد الله وإفراد الطاعة والإنقياد له ثم يجتهد  وهو علي شركه في العمل ببعض احكام  الكتاب وليست خاصّة  باليهود كما دلّ عليه قوله تعالى ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾

(الخامس ) إن سنّة اليهود هذه لم تُذكر في كتاب الله للتاريخ والثقافة وإنما ذُكرت لأنها لا تزال تتكرر في حياة الأمم ..

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ أمته ستتبع  سنن اليهود والنصارى  فقال :"لتتبعنّ  سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة  حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه. قالوا :  يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن " - متفق عليه.

وقد تحقّقت  هذه النبوّة  واتّبعت الأمّة لسنّة اليهود التي صاروا  بها  عند الله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. بل إنك إذا نظرت  بعين التدبّر والتعقّل،  وقارنت بين ما فعلته اليهود  وما تفعله الأمة التي تدّعى أنها مسلمة  تجد  أنّ الفارق  بينهما بعيد, فاليهود وإن خالفوا  ببعض الكتاب كانوا يرجعون إلى التوراة في كثير من أمورهم ولم يقولوا  قطّ: "إنّ كتابهم  لا ينبغي  العمل به  في زمن من الازمان" ...

أما المنتسبون إلى الإسلام  فيقولون: لا يجوز  أن يتدخل الدين في حياة المجتمع,  وأنّ أحكام القرآن لا تٌناسب هذا العصر , وأنّه ينبغي  العمل بالقوانين الوضعية... وما إلى ذلك من الكفر الصريح .

 وأيضاً عندما  ترك اليهود حكماً من احكام كتابهم  كانوا يأخذون بدلاً منه حكماً صادرا من آراء العلماء والفقهاء الذين هم  من أهل ملّتهم  أما المنتسبون  إلى الإسلام فيتركون الكتاب ويأخذون بدلاً منه  احكاماً  وضعية  صدرت من أقوام جهَال  ليسوا من اهل ملّتهم  ويستهزئون الاسلام  ويناصبونه العداء : ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾.

 ولذلك صاروا  أحقّ وأولى  من اليهود في هذا التشبيه  الوارد في الآية ﴿كمثل الحمار يحمل اسفارا

 (ثامناً ) قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يدلّ  على أّن المختار  للشّرك الذي هو عند الله من أعظم  الظلم لا يهديه الله بل يزيده ضلالًا : كما قال تعالى ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾-ابراهيم. وقوله تعالى:﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ كما أنّ المختار  للهدى لا يضلّه الله  بل يزيده هدىً, كما قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾- العنكبوت.

وقال ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾-مريم.  وقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾-محمد.

 (تاسعاً )  إنّ الايمان بالله واليوم الآخر, والثقة بوعد الله هي التي تدعوا أهل الايمان إلى أن يحبّوا لقاء الله , وأن يتمنّو الموت في سبيل الله .. فالمؤمن الحق يجمع امرين : 1-المسارعة إلى الخيرات  2-تمنّى الموت في سبيل الله.

وأنّ الكافر يجمع أمرين  1 - الإبطاء عن  الخيرات 2      -كراهية الموت في سبيل الله

ولما ادّعت اليهود  الإيمان وولاية الله بيّن الله أنّ أفعالهم  تُخالف اقوالهم, قال تعالى﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

والآية دالّة  على أنّ الإسلام لا يجعل للإدّعاءات  وزناً إذا كانت مخالفةً للحقائق الواقعة.. 

فاليهود لما زعموا  أنهم : اولياء "الله " أكذب الله زعمهم وبيّن كفرهم وفجورهم  في مواضع كثيرة من كتاب الله .. وكذلك لما زعم المنافقون  أنهم "مؤمنون بالله واليوم الآخر" أكذب الله زعمهم وبيّن كفرهم وفجورهم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم .

 بل إنّ القرآن  صرّح بعدم اعتبار ما يقوله المنافقون في قوله تعالى  ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾- التوبة.

ومن ذلك نستطيع  أن نقول إنّ الاسلام قد إهتمّ إهتماماً عظيماً بتعرية  الجاهليّة لتظهر على حقيقتها,وإن رفع الأقنعة  التي تتستّر  بها الجاهليّة  وإزالة الشعارات والعناوين البرّاقة الكاذبة عن سبيل المؤمنين  ضرورة عقدية ومنهجية.. وذلك ليستبين  سبيل المجرمين كما إستبان سبيل المؤمنين.

قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾- الأنعام

وليس إدّعاء الانسان  للإيمان والإستقامة من فضائله التي يُثاب  عليها  إذا كان الإدّعاء  لا يعدوا  عن كونه زعماً كاذباً, وإنما هو في ميزان سيئاته ..  قال تعالى عن اليهود : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا . انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾- لنساء

( عاشراً ) إنّ الانسان حريصٌ  على الحياة  والبقاء في الدّار الدّنيا مع أن الحقيقة الدّالة على استحالة ذلك ماثلة امام عينيه، فنظرة تدبّر  الى الحياة  والتاريخ  تُريك وتُخبرك  بأن البقاء  للحيّ القيّوم  وأنّ كل حيّ غيره  إلى زوال وفناء . ونظرة تدبّر الى كتاب الله تُريك وتُخبرك بنفس الحقيقة, فقد قال الله تعالى  ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾- القصص. ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾- الرحمن. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾- الأنبياء. إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾-مريم

وإن من سفاهة الإنسان  وجهله  أن يقوم الحرص على البقاء  والحياة حائلاً يحول بينه وبين الإستجابة لنداء الله الكريم ... فيبخل الإنسان  السفيه الجاهل بماله ونفسه لتمتدّ  حياته  ويطول عمره مع أن ذلك لا يزيد في عمره ساعة  كما أن الاستجابة  والمسارعة إلى الطاعة لا تنقص  من عمره ساعة  واحدة : قال تعالي ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ –آل عمران. قال تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾- الأعراف.

وعندما يقول الله تعالى  في سورة الجمعة ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾- الجمعة.

يقول ذلك ليكون موعظةً وتوجيهاً عاماً للخلق ليتذكروا أن احداً لا يقدر على الفرار من الموت الذي يأتى بأجل مرسوم. وإن من فرّ من الطاعة ليعيش لا يكون الا خاسراً للدنيا وللآخرة معاً .. فالدنيا تزول  منه لأجل الموت المحكوم عليه, والذي لا يقدر على الفرار منه وأن الآخرة تزول منه لهروبه من طاعة ربّه الكريم.

قال تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾-النساء.

وفي الحديث  "مثلُ الذي يفرّ من الموت كمثل الثعلب  تطلبه الأرض  بدين , فجاء يسعى حتى اذا أعيا  وانبهر  دخل جحره فقالت له الارض: يا ثعلب ديني  فخرج له جصاص  فلم يزل كذلك حتي تقطعت  عنقه فمات "   -الطبراني.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.  

 

 

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved