Get Adobe Flash player

بسم الله الرحمن الرحيم

شروط التوحيد

الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين .. أما بعد: فإني أودُّ في هذا الاجتماع المبارك في هذا اليوم الذي جعله الله لنا عيداً سنوياً نجتمع فيه على عبادته وشكره على نعمائه .. أودُّ في هذا الاجتماع أن أُذَكِّرَكُم وأُبيِّن لكم شروط التوحيد ونواقضه لكونه موضوعاً هامّاً لا يقدر المسلم -بدونه- على صيانة دينه من آفات الشرك والنفاق التي غلبت على أكثر الناس في هذا الزمن حتى جعلوا مُحقِّق التوحيد مُبتدعاً ضالاًّ والمشرك بالله مسلماً حنيفاً.

ولكونه كذلك موضوعاً يحاول أعداء الدِّين الذين يُحرِّفون الكلم عن مواضعه أن يطمسوه أو يكتموه عن عباد الله لإبقائهم على الذُلّ والعبودية لغير الله وتحريمهم عليهم الحرية والكرامة التي تحملها عقيدة التوحيد الخالصة.

(أولاً) شروط التوحيد :

(1)من المعلوم عقلاً وواقعاً أنّ الإنسان إذا بلغه خبرٌ فإنه يعتقد صدقَه أو كذبَه أو يشكّ فيه فلا يصدّقه ولا يكذبه، ولذلك قيل: "إنّ الاعتقاد فرعٌ عن المعرفة" فإن انتفت المعرفة والعلم انتفى الاعتقاد وهذه بديهية لا يجادل فيها إلاّ مكابر. ولما جاء النبي صلّى الله عليه وسلّم  بعقيدة التوحيد وبيّنها للناس كان الناس على ثلاثة أقسام .

(‌أ)  قومٌ علموا مراد الله فصدّقوه وآمنوا به وهم المؤمنون.

(‌ب) قومٌ علموا مراد الله فكذّبوه وأنكروه وهم الكافرون المكذِّبون .

(‌ج) قومٌ لم يعلموا مراد الله ولم تبلغهم الدعوةُ فكانوا على كفرهم السَّاذج.

ولما جعل الله أهل الإشراك الجهلاء الذين لم تبلغهم الدعوة "كافرين" علَّمنا أنّ "العلم" شرطٌ للتوحيد ولا يكون أحدٌ مسلماً موحّداً وهو يجهل معنى توحيد الله وما تتطلبه كلمة الشهادة منه. فجاء في القرآن تصديق ذلك .

فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾  [محمّد: 19].

وقال تعالى:﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86].

وقال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾  [النحل: 25].

وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ . فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ﴾  [الصافات: 69-70].

وقال تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾  [الفرقان: 42].

قال الإمام البخاري: "العلم قبل القول والعمل".

 

(2)وقد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنّه لو جاء أحد المشركين إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم  فقال: أنا أقول كلمة التوحيد لفظاً ولكن لا أترك عبادة غير الله أبداً، ما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم  ليقبل منه قوله المجرّد، لأنّ الأمر بقول كلمة التوحيد كان أمراً بترك عبادة غير الله. فمن لم يترك عبادة غير الله لم تنفعه الكلمة، ولذلك قيل إنّ "الإخلاص" شرطٌ للتوحيد، لا يصحّ التوحيد إلا بالإخلاص والبراءة من الشرك.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾  [البينة: 5]. وقال صلّى الله عليه وسلّم: "بُعثتُ بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يعبد الله وحده" [مسلم].

 

(3)ادّعى قومٌ الإسلام وشهدوا شهادة الحقّ كذباً ونفاقاً فأخبر الله في الكتاب أنّهم كفار في الدرك الأسفل من النار، ولذلك قيل: "إنَّ الصدق وعدم النفاق شرطٌ للتوحيد لا يصحّ التوحيد إلاّ بذلك".

قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾  [المنافقون: 1].  وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾  [النساء: 145].

 

(4)ولما جاء النبي صلّى الله عليه وسلّم  بالتوحيد وأخبر المشركين ما ينتظرهم من البعث والحساب لم يستيقن بعضهم وبقوا على الشكّ فدخلوا النار. قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾  [الدخان: 9].

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾  [الجاثية: 32].           يُقال لهم ذلك وهم في النار .

وفي الحديث: "أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنِّي رسول الله لا يلقى الله بِهما عبدٌ غير شاك فيحجب عن الجنة"  [مسلم].

وفي الحديث: "اذهب فمن لقيت وراء هذه الحائط يشهد أن لا إله إلاّ الله مستيقناً بِها قلبه فبشِّره بالجنة"  [مسلم].

ولأجل ذلك قيل: "إن اليقين وعدم الشكّ شرطٌ للتوحيد"، لا يصحّ التوحيد إلاّ بذلك.

 

(5)ولما جاء النبي صلّى الله عليه وسلّم  بالتوحيد والإخلاص والبراءة من الشرك تولّى عن الاستجابة قومٌ وكرهوا ما جاء به فأحبط الله أعمالهم، فصاروا من الخاسرين لبغضهم رسالة الله.

قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾  [محمّد: 9].

وأخبر تعالى أن توبتهم هي أن يحبُّوا الله ورسوله وما جاء به من الحقّ. وأخبر أن اتّباع شرع الله حقيقة المحبّة ودليلها، فمن ادّعى المحبّة وأعرض عن الاتّباع كان كاذباً في ادّعائه للمحبّة.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾  [آل عمران: 31-32].

ولهذه الأدلّة القرآنية الواضحة قيل: "إنّ المحبّة وعدم الكراهية والبغض شرطٌ للتوحيد ولا يصحّ التوحيد إلاّ به".

وفي الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به".

 

(6)ولما جاء النبي صلّى الله عليه وسلّم  بإخلاص العبادة لله والكفر بكلّ ما يُعبد من دون الله أنكرها قومٌ وعَدُّوا هذه الدعوة فتنة طارئة عليهم وتمسّكوا بما وجدوا عليه آباءهم فصاروا من الكافرين الخاسرين لإنكارهم الحقّ وردّهم لأمر الله. فمن أقوالهم التي حكاها القرآن عن مشركي العرب وغيرهم قولهم:

=﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾  [المؤمنون: 24].

=﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾  [هود: 62].

=﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾  [الأعراف: 70].

=﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ . مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾  [ص: 5-7].

=﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾  [غافر: 26].

فتبيّن هذه الآيات وأمثالها  مقالة الكفّار وأنّ أحداً لا يدخل في دين الله وهو يقول بهذه الأقوال وأمثالها يردّ بِها دعوة الحـقّ، وأنّ إسلامهم لا يصحّ حتى يظهر منهم الرضى والقَبُول كما هو حال المؤمنين الصادقين:

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾  [النور: 51].

وقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا﴾  [آل عمران: 193].

ولأجل هذه الأدلّة الواضحة قيل: "إنّ القَبُول وعدم الإنكار شرطٌ لقول لا إله إلاّ الله، ولا يصحّ إسلام وإيمان حتى يتحقّق ذلك".

 

(7)ولما جاء النبي صلّى الله عليه وسلّم  بالتوحيد أعرض عنه قومٌ وأهملوه لم يحبُّوه ولم يبغضوه وأقرّ بعضهم بصدق النبي صلّى الله عليه وسلّم  ولم ينقادوا للإسلام الذي جاء به كما فعل أبو طالب وهرقل وكثير من عُلماء أهل الكتاب فصاروا من الكافرين الخاسرين.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾  [الأحقاف: 3].

وقال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾  [الأنعام: 33].

وقال: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾  [البقرة: 146].

وقال تعالى: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾  [المائدة: 68].

ولهذه الأدلّة وغيرها قيل: "إن الانقياد وعدم الترك والإعراض شرطٌ للتوحيد، ولا يصحّ التوحيد إلاّ به".

ومن تدبّر هذه الشروط اعتقد صحّتها وموافقتها للأدلّة القطعية، وعرف ضلال من أنكرها من الملاحدة  القائلين بأنّ هذه الشروط ليست في كتاب الله وإنّما هي آراء لبعض العلماء .. فلعنة الله على الكاذبين.

كتبه: أبو عبد الرحمن الصومالي

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved