Get Adobe Flash player

بسم الله الرّحمن الرّحيم

(حَقيقةُ الحَياةِ الدُّنيا)

الحمد لله الّذي خلق الدّارين؛ الأولى والأخرة، وأبدع الموت والحياة ليبلونا أيّنا أحسن عملا، القائل في كتابه ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ أحمده سبحانه وله الحمد في الأولى والأخرة. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لاشريك له، أعذر فأرسل الرسل وأنزل الكتب المتضمّنة لماهيّة الدّنيا لئلا ينخدع بها المنخدعون.  

وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله القائل: «كُنْ في الدنيا كأنك غَريبٌ، أو عابِرُ سَبيلٍ». اللهم صلّ على عبدك ورسولك محمّد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان..

أيّها النّاس: هَبّوا من هذه الرّقدةِ واعلمو أنّنا بعد قليل محاسبون: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. وأنّ آجالَنا محصورةٌ وأعمارَنا معدودة. ولا بدّ لنجاتنا من تصحيح المفاهيمِ والتصوّراتِ عن هذه الحياة الدّنيا الّتي نعيش فيها، وأن نَعرضها على بيان الكتاب والسنَّة، لنكون في منجى من الخسارة في الدّارين؛ ذلك هو الخسران المبين. إنَّ الدُّنيا دار عمل وسعي للآخرة، وليست بدار خلد ومقام، وكلُّ من عليها لا محالة فانٍ وإلى الله صائر.

قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن :26-27] . 

إنَّ الدُّنيا لهوٌ ولعبٌ، ومتاعٌ قليل، ودارٌ غَرور، ولا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل ذلك عند الله، ما سقى كافرا منها شَربة ماء. استمعُوا إلى ما قال الله عزّ وجلّ عن الدنيا التي تُلهينا عن ذكر ربِّنا الجليل، وعن ما أوجبهُ علينا:

= ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 32].

= ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64].

= ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].

= ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاّ مَتَاعٌ﴾ [الرعد: 26].

= ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: 77].

= ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38].

= ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الشورى: 36].

= ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: 60].

= ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ [الكهف: 45].

= ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس: 24].

وكذلك بيّن النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم زهادة الدّنيا وحقارتها:

ففي الصّحيح أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال:  " ما الدّنيا في الآخرة إلاّ مثلُ ما يجعل أحدُكم أصبعه في اليمّ فلينظر بم يرجع".

وعنه صلّى الله عليه وسلّم: "أنَّهُ مرّ بسخلة ميتة منبوذة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أترون هذه هانت على أهلها؟ فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلّم من هوانها ألقوها، قال: فوالذي نفس محمد بيده للدنيا أهون على الله عزَّ وجلَّ من هذه على أهلها" (أحمد والترمذي وابن ماجة).

وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: "إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرُ الله وَمَا وَالاَهُ وَعَالِمٌ أَو مُتَعَلِّمٌ"(التّرمذي وابن ماجة)

وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنّ الدّنيا دارُ من لا دارَ له، ومالُ من لا مالَ له، ولها يجمع من لا عقلَ له" (أحمد والبيهقي)

وقال صلّى الله عليه وسلّم:"من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ومن أحبّ ءاخرته أضرّ بدنياه فآثرو ما يبقى على ما يفنى" (أحمد)

وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: "ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب،  قال في ظل شجرة في يوم صائف، ثم راح وتركها" (أحمد والترمذي وابن ماجه)

هذه هي الدّنيا ألّتي شغلت بجمعها كثيرا من النّاس عن أداء ما أوجب الله عليهم من ذكره، والمحافظة على الصّلوات في الجماعة، والدّعوة إلى سبيله،والصّبر لإعلاء دين الله على الأديان الباطلة.ما أعجب أمر النّاس!! وما أسرعَ نسيانَهم بالّذي يُتلى عليهم من القرءان!!.

﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ[الإنفطار: 6-8].

واعلمو أنّ إرادة الدّنيا ومحبّتها والرّضاءَ بها أمرٌ خطير ومذموم عند الله، بل يُعدّ من أبرز صفات الكفّار والمنافقين.

قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً﴾ [الإنسان: 27].

وقال: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ[آل عمران: 196-197].

وقال: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: 130].

وقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7].

وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ. أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 7-8].

 وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآَخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [النحل: 107].

ومن ابتلاء الله لعباده، أنَّهُ جعل ما في هذه الحياة الدّنيا لذّةً وخضرةً، تطّلع إليها النّفوس، مع أمره بالزّهد فيها، والإعراض عن زخارفها، وعدم محبّتها. 

قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: 7].

وقال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46].

وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: 14].

ومن صحَّ إيمانه ويقينه، وعلم ما أعدَّهُ الله لأوليائه، من رزق طيّب وظلّ دائم وجنّات عدن في الآخرة، فإنَّهُ يُدركُ بالمقارنة بين الدنيا والآخرة، أنَّ أهل الدنيا من الكفرة والمنافقين، هم الخاسرُون المغبونون، وأنَّ أهل الإيمان هم السعداء المفلحون، وبأضدادها تُعرف الأشياءُ.

قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا. حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا. وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا. وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: 31-34].

وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: 35].

 وقال: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].

وبما أنّ سلعة الله غالية وهي الجنّة، وأنَّ الجنّة حفّت بالمكاره، و أنَّ جزاء الكافرين والمنافقين النّار، فلا محيدَ من السّعي واقتحامِ العقبات، والمجاهدةِ الدّائمة للفوز برضى الله والجنّة.

قال تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ[البلد: 11-18].

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت69]. 

وقال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: 22].

وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾  [الأنبياء: 94].

وإليك بعضُ الحِكم التي قالها السّلف -رضوان الله عليهم- عن الدّنيا :

كان عليّ ابن أبي طالب يقول: "إنّ الدّنيا قد ارتحلت مدبرةً وإنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلةً، ولكلّ منهما بنون، فكونو من أبناء الآخرة ولا تكونو من أبناء الدّنيا، فإنّ اليومَ عملٌ ولا حساب وغداً حسابٌ ولا عمل".

قال الحسن البصري رحمه الله: "لو لم يكن لنا ذنوب إلّا حبَّ الدّنيا لخشينا على أنفسنا منها، إنّ الله عزّ وجلّ يقول ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآَخِرَةَ﴾ فرحم الله إمرءاً أراد ما أراد الله عزّ وجلّ".

وقال الحسن: "من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره".

وقال بعضُ السّلف: "تبّا لطالب الدّنيا وهي دنيا. والله لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم للرّحمن وذلك بحبّهم للدّنيا".   وقال ابن القيّم: "مفتاح كلِّ شرّ حبُّ الدّنيا وطولُ الأمل، ومفتاح كلِّ خير الرّغبةُ في الله والدّارِ الآخرة".     وقال بشر بن الحارث: ما اتّقى الله من أحبّ الشّهرة.

ولله درُّ القائل:   إنَّ  لله عـبـادا فُـطـنـا               طـلّقوا الدّنيا وخافـو الفتنـا

                 نظـرو فيهـا فلمّا علمـوا            أنّـها ليست لحـيٍّ وطـنـا

                 جعـلوها لجّة واتّخـذوا               صـالح الأعمال فيها سفنـا

 

اللهم لا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا ...                    وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
26 رمضان 1433

26 رمضان 1433

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved