Get Adobe Flash player

بسم الله الرحمن الرحيم

المعرفةُ والتعامُل مع الله

الحمدُ لله الّذي أكرمنا بالإسلام الحنيف وجعلنا من حماة دين الإخلاص والتّوحيد.

الحمدُ لله الّذي دعانا إلى المعرفة واليقين والتجرُّد عن التذبذُب والنفاق اللئيم.

 الحمدُ لله الذي جعل لنا أعياداً وسنّ لنا فيها الاجتماع لتعظيمه وتكبيره وذكره وشُكره على ما أنعم من النِّعم العظيمة الجليلة. وصلّى اللهُ وسلّم على نبيِّنا مُحمّدٍ إمام العارفين وخاتم الأنبياء والمُرسلين.

أمَّا بعدُ: فإنّهُ لما كانت الأعيادُ من مواسم الخيرات وإلقاء المواعظ للتذكير والتنبيه أحببتُ أن أقُولَ كلمة عن "معرفة الله" المطلُوبة منَّا والتي تُصحِّحُ لنا تعامُلنا مع الله وتضعُنا في مجال الرحمة واللُّطف والتأييد الإلهي مع التنبيه على النتائج والآثار السيِّئة "للمعرفة الزائفة" التي يكُونُ صاحبها في غُرُور وجهل عن حقيقة نفسه ودينه.


أولا) معرفة الله: إنَّ معرفة الله عزَّ وجلّ لا تتمُّ بمجرّد الإقرار بالتَّوحيد وصدق الرسالة والبعث بعد الموت فكم من مُقرٍّ بلسانه مُنكرٍ بقلبه وأفعاله. وقد يُخطئُ الإنسان ويظنُّ أنَّهُ من العارفين بالله بينما هو ضالٌّ عن فهمِ المعرفة الصحيحة المطلوبة منه بل لا تتميَّزُ معرفته بربِّه عن معرفة أهل النِّفاق. ولمثل هذا الخطأ نتائجهُ السيّئة المُضرّة للإنسان.

إنَّ "أهل الشرك" و"أهل النِّفاق" و"أهل الإيمان" كلُّهم يدَّعُون "معرفة الله" وهم ليسُوا على مستوى واحد فيها وبين معارفهم فرقٌ كبير.

ولكي أقرِّبَ "المعرفة المطلُوبة" إلى الأذهان أضربُ أمثلة للدرجات الثلاث "للمعرفة" التي عند أولئك الأصناف الثلاثة:

(المثل الأول):عرف قومٌ اسمَ رجلٍ ملكٍ، وعرفُوا نسبه ومسكنه وحدود دولته وسُلطانه وسمعُوا ببعض صفاته دون معرفة أخلاقه وأحكامه، ثُمّ مع هذه المعرفة النَّاقصة أخطأوا في تصوره فظنُّوهُ ضعيفا وأنَّ أقرباءهُ وأولادهُ يتصرّفُون في ملكه كيف يشاؤن، وأنّ بأيديهم السلطة والقدرة على القتل والإبقاء، والمنع والعطاء وأنَّهم أحقُّ بالرغبة والرهبة والطاعة والانقياد من الملك الأعلى.

فهم يقولُون: "نحنُ نعرفُ الملك الفلاني" و"نحنُ من رعايا الملك الفلاني". مع أنَّ هذه المعرفة التي يدَّعُونها معرفة نظرية ذهنية بعيدة عن واقع الحياة. وليست المعرفة الكاملة المُفيدة وهم في الواقع من رعايا ملوك آخرين وفي طاعتهم.

فصحَّ القولُ بأنَّهم لا يعرفُون "الملك الفلاني" وإن ادَّعوا معرفته. وهذا مثلُ "معرفة المشركين بربِّهم" فهم عرفُوا أنَّ الله خلق الكون وأنزل الأمطار والأرزاق، وأحيا وأمات مع تعظيمهم وتوجّههم إلى غيره بالخوف والرجاء والاستغاثة والتوكل والطاعة واستمداد التشريع.

فصحَّ القولُ بأنَّهم لا يعرفُون الله "الملك الحقّ" وإن ادَّعوا معرفته وأنَّهم يعبدون غيره وإن ادَّعوا عبادته.

قال اللهُ تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ. بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ. عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: 84-92)

(المثل الثاني): وعرف قومٌ آخرُون اسمَ هذا الرجلٍ الملك عرفُوا نسبه ومسكنه وحدود دولته وسُلطانه وعرفُوا صفاته ولم يظنُّوهُ ضعيفا قد ترك أقرباءهُ وأولادهُ يتصرّفُون في ملكه كيف يشاؤن كما ظنَّ الأولُون. بل أيقنُوا أنَّ بيده السلطة والقدرة على القتل والإبقاء، والمنع والعطاء، وأنَّهُ أحقُّ بالرغبة والرهبة، والطاعة والانقياد من كلِّ أحد.

ولكن مع هذه المعرفة التي تبدُوا كاملة، إذا قُورنت بمعرفة الأولين جهلُوا أخلاق الملك، وظنُّوا به الظنُون السيئة ظنُّوا أنَّهُ لا يفي بوعوده، وأنَّهُ غيرُ حكيم، وغيرُ رحيم وأنَّهُ يأمرُ بما لا مصلحة فيه وينهى عمَّا فيه مصلحتهم.

فصحَّ القولُ بأنَّهم لا يعرفُون "الملك الفلاني"، وإن ادَّعوا معرفته.

وهذا مثلُ "معرفة المنافقين" فهم عرفُوا أنَّ الله خلق الكون وأنزل الأمطار والأرزاق وأحيا وأمات ولم يتوجّهُوا إلى غيره بالخوف والرجاء والاستغاثة والتوكل والطاعة واستمداد التشريع. ولكنهم ظنُّوا به الظنُون السيئة ظنُّوا أنَّهُ لا يفي بوعوده وأنَّهُ غيرُ حكيم وغيرُ رحيم وأنَّهُ يأمرُ بما لا مصلحة فيه وينهى عمَّا فيه مصلحتهم.

فصحَّ القولُ بأنَّ المنافقين لا يعرفُون "الله" معرفة صحيحة، وإن ادَّعوا تلك المعرفه.

والنفاق درجات، وبعضُهُ أشدُّ من بعض، وهذا المثل للنوع الغالب لأهل النِّفاق. وتعامُلُ أولئك مع الله ومواقفهم من أوامره مُخالفٌ لما تقتضيه العقيدةُ التي يدَّعُونها. إذ أنَّ ما في جوانحهم من ظنُون سيِّئة بالله وبأوامره، تجعلُ سلوكهم مُلتويا يقُولون ما لا يفعلُون، ويفعلُون ما لا يُؤمرُون.

يدَّعُون الإيمان بالله ثمّ يشكُّون فيما وعده لعباده المؤمنين من النَّصر والتمكين فقالُوا:﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (الأحزاب:12).

يدَّعُون الإيمان بالله ثمّ يشكُّون في المصلحة التي في أمر الله إياهم بالنفير والخرُوج للجهاد في زمن الحرّ فقَالُوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾، فأجابهم اللهُ تعالى بقوله: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾. (التوبة:81)

يدَّعُون الإيمان بالله ثمّ يشكُّون في فضل الاستشهاد في سبيل الله.

 فيقولُ أحدهم عندما يستشهدُ المسلمُون في الجهاد: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾. (النساء:72)

ويقولُ عندما يغنمُون: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. (النساء:73)

ويقُولُ عن الشهداء: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾. (آل عمران:156) و﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾. (آل عمران:168)

يدَّعُون الإيمان بالقرآن الآمر بالخرُوج إلى الجهاد ثُمَّ يستأذنُون النّبيَّ صلى اللهُ عليه وسلّـم في التخلّف ويأتُون بمعاذير كاذبة.

قال تعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. (التوبة: 44-45)

وليس المُنافقُون صنفا ظهر في التاريخ في فترة مُعيَّنة ثمّ انقرض ولم يعُد لهُ وجُود اليوم بل يدخلُ في زمرتهم كُلُّ الّذين يظنُّون بربِّهم وبأوامره الظنّ السُّوء فيقولُون بألسنتهم ما ليس في قُلوبهم ويقُولون ما لا يفعلُون ويفعلُون ما لا يُؤمرُون وإن تباعدت فترات وجودهم. قال الله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (الفتح:6).

(المثل الثالث) عرف قومٌ اسمَ رجلٍ ملكٍ، وعرفُوا نسبه ومسكنه وحدود دولته وسُلطانه وعرفُوا صفاته ولم يظنُّوهُ ضعيفا قد ترك أقرباءهُ وأولادهُ يتصرّفُون في ملكه كيف يشاؤن كما ظنَّ الأولُون. بل أيقنُوا أنَّ بيده السلطة والقدرة على القتل والإبقاء والمنع والعطاء وأنَّهُ أحقُّ بالرغبة والرهبة والطاعة والانقياد من كلِّ أحد.

وعرفُوا كذلك أخلاق الملك وأنَّهُ يفي بوعوده وأنَّهُ برٌّ رحيمٌ حكيم يأمرُ بما فيه المصلحة وينهى عمَّا لا مصلحة فيه.

فصحَّ القولُ بأنَّهم يعرفُون "الملك الفلاني"، وأنَّهم أحرى بأن يُعاملُوه معاملة تُناسبُ معرفتهم الصحيحة.

 وهذا مثلُ معرفة المُؤمنين، الّذين لا يُشركُون بالله شيئا ولا يظنُّون به وبأوامره الظنّ السوء ولا يخافُون على الأهل والولد ما دامُوا في طاعة الرحمن الرحيم.

وهم يقولون مقالة إبراهيم عليه السلام المذكُورة في كتاب الله العزيز:﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: 79-82)

إنّ النّاس حينما يعلمُون أنّ الله أمرهم بالقيام بالدعوة إليه بتجرّد وإخلاص وأنّهُ أمرهم بإقامة الحجّة على النّاس وأنّهُ أمرهم بإقامة النظام الإلهي في الأرض وأنَّهُ أمرهم بالجهاد وبذل الأنفس والأموال في سبيله.. ويعلمُون المخاطر والشدائد والمخاوف المصاحبة للقيام بهذه الأعمال.. يقعُون بين مخافتين.

أمَّا صاحبُ "المعرفة الزائفة" فإنَّهُ يغلبهُ خوفهُ على نفسه وأهله وولده فيتركُ الانقياد للأوامر أو يُسوّفُ في ذلك ويقولُ في نفسه: "سوف أرجعُ إلى الطاعة بعد إبعاد الأهل والأولاد من دائرة المخاوف". فهو شاكّ في حكمة الله وشاكّ في وعُوده ويظنُّ بالله  الظنَّ السوء، وهو على طريقة المنافقين وإن عدَّ نفسهُ في المُؤمنين.

أمَّا صاحبُ "المعرفة الصحيحة" فإنَّهُ يغلبهُ خوفهُ من ربِّه وإيقانه بصدق وعُوده فيعلم أنّ الأمن والطمأنينة في الطاعة والانقياد لأوامره، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه وأنَّهُ نعم الخليفة في الأهل وأنّه معهُ ما دام هو في طاعته. ويستيقنُ بأنّ الله حكيم وأنّ الانقياد لهُ لا يأتي إلا بحسن العاقبة فيكُونُ على هدى من الله وعلى الصراط المستقيم.

ولكن ليعلم هؤلاء الذين يختارُون الصبر على الطاعات أنَّ الابتلاءات في طريقهم وقد تطُول مدتها حتى يُقال:﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾. فمن تراجع عن فعل الطاعات بعد البلاء ورام الأمن والاستقرار والدّعة من غير طريقها فقد نافق وخسر.

ومن لم يتراجع عن فعل الطاعات واستمرَّ فيها وكلّما اشتدّ عليه الأمرُ ازداد منها وفزع إليها فهو العارف الصادق ذُو "المعرفة الصحيحة" وستكُون معرفتهُ بالله ويقينهُ في ازدياد بإذن الله ما دام عزمُهُ على الصبر والثبات في ازدياد.

وإنَّ التأييدَ واللطفَ الإلهي لا يفارقُ رسل الله والمؤمنين العارفين بربّهم.  

فإنّ الله وعدهم بالنصر والغلبة في قوله تعالى:﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر:51).

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:103)

ووعدهم بالهداية والتّوفيق في قوله تعالى:﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة:213) وقوله:﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الحجّ:54)

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. (الأنفال:29)

ووعدهم بالتعليم في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:282)

ووعدهم بالتثبيت على الحقّ في قوله تعالى:﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. (إبراهيم:27)

ووعدهم بالُيُسر بعد العُسر وفتح بركات السماء والأرض في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾  (الشرح:5- 6)

وقوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. (الطلاق:7)

قال ابن كثير: وعدٌ منه تعالى ووعدُه حقٌّ لا يُخلفه. وهذه كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾

وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. (الأعراف:96).

وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. (المائدة:66)

ووعدهم بالأمن بعد الخوف في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النُّور:55)

ووعدهم اللهُ بإلقاء المودّة ووضع القبُول لهم في الأرض في قوله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. (مريم:96) قال مجاهد: يحبهم الله ويحبِّبُهم إلى عباده المؤمنين.

وكُلُّ هذه الوعُود التي لأولياء الله في الدنيا تتحقَّقُ بإذنه سواء تحقّقت بطريقة غيبية خارقة للعادة أو بطريقة مكشُوفة موافقة للسُنن الطبيعية. فإنَّك ترى أنَّ النصرَ قد تمّ لإبراهيم عليه السلام بطريقة غيبية خارقة للعادة لما جعل اللهُ النَّار بردا وسلاما عليه. قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء:69).

وأنَّهُ قد تمّ لمُوسى عليه السلام بطريقة غيبية خارقة للعادة لما جعل الله البحر ينفلق إلى فرقين فأنجى مُوسى ومن معه وأغرق فرعون ومن معه. قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.(الشعراء:63)

وتمّ النّصرُ لمُحمّد عليه الصلاة والسلام ومن معه بطريقة مكشُوفة موافقة للسُنن الطبيعية لما قاتل أهل الكُفر وغلب عليهم في المعارك، بالجنُود والسلاح، كالذي كان لأهل الكُفر بدون ظهُور قُوّة غيبية بادية للعيان تتدخّلُ في المواقف.

قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (التّوبة:14)

ثانيا) الاعتمادُ على أهل المعرفة الصحيحة

إنّ القيام بالدعوة إلى الله يعقبهُ ميلادُ الجماعة وإنَّ تحرُّك الجماعة وبذلها للنَّفس والمال يعقبُهُ قيامُ الجهاد في سبيل الله، وإنَّ قيام الجهاد في سبيل الله يعقبهُ قيامُ المجتمع الإسلامي ودار الإسلام فلا تخفى على المُؤمن البصير بدينه المُشفق عليه أهميةُ "الدعوة إلى الله" وأهمية "الجهاد في سبيل الله".

غير أنّ "الدعوة إلى الله" لا تقُومُ على أكتاف أهلِ "المعرفة الزائفة":

الّذين ينتظرُون إبعاد الأهل والأولاد من دائرة الخوف من الفقر، وتحصيل النّفقة الكافية لهم ويتمنّون العودة إلى الطاعة بعد وقُوعهم في فخّ الشيطان.

والذين يقُولُون: "نحنُ على استعداد ولكن من يتكفّلُ لنا بالعيال" وقد نسُوا الله القائل:﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾،

والقائل: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ ، والقائل:﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ، والقائل:﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.

وكأنّ وعُود البشر أوثقُ عندهم من عُود الله مع كونهم يتلُون كثيراً قوله تعالى:﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ والذين يطلبُون الدُنيا بعمل الآخرة فيقُولُون: لا أذهبُ إلى الدعوة أو إلى التدريس حتى يُعيَّن لي ما يكفيني وأهلى مع كونهم يقرؤن كثيرا قوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ﴾ لقد جهلُوا بأنَّ للهُ يطاعُ بشرُوطه، ولا يُطاعُ بشرُوط العبيد.

إنَّ بعض الطيبين يقُولُون كثيرا: "إنّ بني فلان كثيرُون فلم لا يدعُون قومهم إلى الإسلام" وقد فات أولئك الطيبين أنّ الدعوة إلى الله لا تقُومُ على أكتاف كلِّ من يقُولُ: "أسلمتُ لله" وإنّما تقُومُ على أكتاف أهل المعرفة والقيم والموازين الصحيحة الثابتة.

وقل مثل ذلك في الجهاد فإنّهُ لا يقُومُ على أكتاف أهلِ "المعرفة الزائفة":

الذين يميتُون الهمم العالية ويُثبطُون غيرهم ويُطفئُون شُعلة الحمّاسة غير المتهوّرة خلفاء المنافقين الذين كانُوا يقُولُون قبيل غزوة تبُوك: "أتظنّون جهاد بني الأصفر كجهاد العرب".

والذين يُعرضُون عن العمل بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ثُمّ يقُولُون: "سوف نُجاهدُ إذا جاهد المسلمُون" مع علمهم بأنّ أمام الجهاد عقبات لا بُدّ من اجتيازها وتحتاج إلى بذل الأنفس والأموال.

والذين هم من أبناء الدنيا واستنكفُوا أن يكُونُوا من أبناء الآخرة. فأدركُوا أنّ الدُنيا تَطلبُ منهم سعيا وجهادا ولم يُدركُوا بعدُ أنّ الآخرة تطلبُ منهم سعيا وجهادا وأدركُوا أنّ لهم مالا ولم يُدركُوا أنّ المالَ مالُ الله.

إنّ الجهاد في سبيل الله لا يقُومُ على مال كلِّ من يقُولُ: "أسلمتُ لله" وإنّما يقُومُ على أموال أهل المعرفة والقيم والموازين الصحيحة الثابتة. قام على مال "أبي بكر" و"عثمان" و"عبد الرحمن" وأمثالهم من الذين لا ينتظرُون من يُقولُ لهم: "أنفقُوا في سبيل الله" لعلمهم بأنّهم مُتعبّدُون بـ"الإنفاق في سبيل الله"، فيُؤدُّونه كما يُؤدُّون صلاتهم وصيامهم وحجّهم.

وإنّ الله تعالى لا يقبلُ "الانفاق في سبيله" من الذين لا يُؤدُّونهُ بهذه الرُّوح فقد قال لأهل النّفاق أصحاب المعرفة الزائفة من أدعياء الإيمان والمعرفة:﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ. وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ (التوبة: 53-54)

(اللهم ارزقنا المعرفة واليقين ولا تجعلنا من الذين يقُولُون ما لا يفعلُون ويفعلُون ما لا يُؤمرُون. وآخر دعوانا ان الحمدُ لله ربّ العالمين).

كتبه أبو عبد الرحمن الصومالي                                 27 رمضان 1434 هــ

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved