Get Adobe Flash player

قول ابن عباس: "كفر دون كفر"، وقوله أيضا: "ليس بالكفر الذي تذهبُون إليه"، أن ذلك من تحمله شهوتهُ وهواهُ على الحكم بالقضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أنّ حكم الله ورسُوله هو الحُكم، هذا القول معلُوم من قول علماء العصر، فهل هناك من سبقهم في ذلك من السلف؟

(الجواب) إنّ سلف الأمَّة قد بيّنُوا المسألتين بياناً شافيا، وفرَّقُوا بين مسألة استحلال الحكم بغير ما أنزل الله، ومسألة جور الحاكم المسلم.

(الأولى) مسألة استحلال الحكم بغير ما أنزل الله:

كانت اليهُود قد ابتدعُوا شرائع مخالفة لكتابهم، مثل جعل ديات بني قريظة علـى أنصاف ديات النضير. ومثل تحميم الزاني بدلا من الرجم. ولم يقل أحدٌ من العلماء والمفسرين، أنّ هذه الأعمال التي كفرت بها اليهُود، لا يكفرُ بها المسلمُون إذا فعلُوها.

عن ابن جريج، قال: لما رأت قُرَيظة النبيّ صلى الله عليه وسلّم قد حكم بالرجم وكانوا يخفونه في كتابهم، نهضت قريظة، فقالوا: يا محمد اقض بيننا وبين إخواننا بني النضير وكان بينهم دم قبل قدوم النبيّ صلى الله عليه وسلّم، وكانت النضير يتعزّزون على بني قريظة ودياتهم على أنصاف ديات النضير، وكانت الدية من وُسُوق التمر أربعين ومئة وسق لبني النضير وسبعين وسقا لبني قريظة. فقال: «دَمُ القُرَظِيِّ وَفَاءٌ مِنْ دَم النُّضِيريِّ». فغضب بنو النضير، وقالوا: لا نطيعك فـي الرجم، ولكن نأخذ بحدودنا التـي كنا علـيها فنزلت: أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغونَ، ونزل: وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ. الآية. (الطبري)

قال الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ]أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوْقِنُونَ[  [المائدة:50]

"يُنكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شرّ. وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله،كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم.

 وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم (جنكيز خان) الذي وضع لهم "الياسق" وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد أقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية، والنصرانية، والملّة الإسلامية وغيرها، وفيها كثيرٌ من الأحكام أخذها من مجّرد نظره وهواه.

 فصار في بنيه شرعاً متّبعاً، يُقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليلٍ ولا كثيرٍ" اهـ . 

والحاكم الذي يستحلُّ الحكم بغير ما أنزل الله هو الطاغوت الذي يتحدّث عنه القرآن ويأمر بالكفر به واجتنابه.

 قال ابن جرير الطبري: "والصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله، فعُبد من دونه. إما بقهرٍ منه لمن عبده، وإما بطاعةٍ ممن عبده له، إنساناً كان ذلك المعبود أو شيطاناً أو وثناً أو صنماً أو كان  ما كان من شيء"   

(الثانية) مسألة جور الحاكم المسلم:

كان بعضُ الصحابة وكثيرٌ من التابعين، قد أدركُوا أئمة يجورُون في الحكم، بل يتسرعون في سفك الدماء، كعبد الملك بن مروان، وابنه الوليد ونائبه الحجاج بن يوسف، وغيرهم، فلم يقوموا بدعوة إلى تكفيرهم، والبراءة منهم، بل أطلقوا عليهم اسم "أئمة الجور"، وتواصوا على عدم طاعتهم في المعاصي. وأجازُوا الصلاة خلفهم، وجهاد الكفار معهم. وقالُوا عن أفعالهم الجائرة: إنها كفرٌ دون كفر.

وكانُوا يردُّون على الخوارج الذين كانُوا يُنْزلُون مسألة جور الحاكم منْزلة استحلال الحكم بغير ما أنزل الله، ويُكفِّرُون الحكام المسلمين لذلك.

جاء في المناظرة التي دارت بين عمر بن عبد العزيز ورجلين من الخوارج:

"فقالا: بيننا وبينك أمر واحد قال: ما هو؟ قالا: رأيناك خالفت أعمال أهل بيتك وسميتها مظالم فإن كنت على هدى وهم على الضلالة فالعنهم وابرأ منهم، فقال عمر: قد علمت أنكم لم تخرجوا طلباً للدنيا ولكنكم أردتم الآخرة فأخطأتم طريقها. إن الله عزَّ وجلَّ لم يبعث رسوله صلى الله عليه وسلم لعاناً.

وقال ابراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36].

وقال الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام 90].

وقد سميت أعمالهم ظلماً وكفى بذلك ذماً ونقصاً، وليس لعن أهل الذنوب فريضة لا بد منها فان قلتم: إنها فريضة فأخبرني متى لعنت فرعون؟ قال: ما أذكر متى لعنته قال أفيسعك أن لا تلعن فرعون وهو أخبث الخلق وشرهم ولا يسعني أن لا ألعن أهل بيتي وهم مصلون صائمون؟ قال: أما هم كفار بظلمهم؟ قال: لا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى الإيمان فكان من أقر به وبشرائعه قبل منه فإن أحدث حدثاً أقيم عليه الحد.

فقال الخارجي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الناس إلى توحيد الله والإِقرار بما نزل من عنده، قال عمر: فليس أحد منهم يقول: لا أعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن القوم أسرفوا على أنفسهم على علم منهم أنه محرمٌ  عليهم ولكن غلب عليهم الشقاء، قال عاصم: فابرأ مما خالف عملك ورد أحكامهم.

قال عمر: أخبرني عن أبي بكر وعمر أليسا على حق؟ قالا: بلى قال: أتعلمان أن أبا بكر حين قاتل أهل الردة سفك دماءهم وسبى الذراري وأخذ الأموال؟ قالا: بلى قال: أتعلمون أن عمر رد السبايا بعده إلى عشائرهم بفدية؟ قالا: نعم قال: فهل برىء عمر من أبي بكر؟ قالا: لا قال: أفتبرؤن أنتم من واحد منهما؟ قالا: لا قال: فأخبراني عن أهل النهروان وهم أسلافكم هل تعلمان أن أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دماً ولم يأخذوا مالاً وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد الله بن خباب وجاريته وهي حامل؟ قالا: نعم قال: فهل بريء من لم يقتل ممن قتل واستعرض؟ قالا: لا قال: أفتبرؤن أنتم من أحد من الطائفتين؟ قالا: لا. قال: أفيسعكم أن تتولوا أبا بكر وعمر وأهل البصرة وأهل الكوفة وقد علمتم اختلاف أعمالهم ولا يسعني إلا البراءة من أهل بيتي والدين واحد؟ فاتقوا الله فإنكم جهّال تقبلون من الناس ما رد عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتردُّون عليهم ما قبل، ويأمن عندكم من خاف عنده، ويخاف عندكم من أمن عنده، فإنكم يخاف عندكم من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وكان من فعل ذلك عند رسول الله آمناً وحقن دمه وماله وأنتم تقتلونه، ويأمن عندكم سائر أهل الأديان فتحرمون دماءهم وأموالهم. (تاريخ ابن الأثير)

فترى أنَّ أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز قد فرق بين من ترك الشريعة إلى غيرها، وبين من جار في الأحكام، ولم يأت بتشريع، وهو عالم أنهُ قد أثم وظلم في جوره.

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved