Get Adobe Flash player

هل يدخل بعض المسلمين النار بسبب الذنوب التي فعلوها في الدنيا

نقول: "تضافرت الأدلة الصحيحة على أنّ من المسلمين من يدخل النار بكبائر الذنوب وإنّ منهم من يخرج من النار برحمة الله.

وقد دلّت الأدلّة على أنّ " الشرك بالله " أعظم ما عصي به الله وأكبر الكبائر كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ. وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ - ( الأنعام )

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ - ( الأعراف )

وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾.. – الآية ) .

ثم ذكر تعالى بض المحرّمات والكبائر كقوله تعالى :

﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾  ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾  ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾

وفي الحديث: ((اجتنبوا السبع الموبقات)) ثم ذكر الشرك والسحر وقتل النفس بغير الحقّ وأكل مال اليتيم واكل الربا والتولّي يوم الزحف وقذف المحصنات" ( وهو متفق عليه ) .

وتدلّ هذه النصوص على أنّ الذنوب كثيرة وأنّ بعضها أكبر من بعض وأنّ الشرك بالله أكبر الكبائر كما صرح بذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث ابن مسعود رضي الله عنه وفيه: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) قلنا بلى يا رسول الله قال: ((الإشراك بالله وعقوق الوالدين)) (متفق عليه)

وليس للرأي مجال في تقرير ذلك الذي ثبت بالنصوص الصحيحة .

وفي مجازاة الذنوب دلّت آية النساء ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .. على أنّ الله لا يغفر لمن أشرك به شيئاً وانّ ما دون ذلك يمكن أن يغفره الله لمن شاء من عباده .

فواضحٌ إذاً أنّ مرتكب الكبيرة تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له .

وهذا الذي يعذبه الله بذنبه ليس هناك ما يوجب الاعتقاد بمماثلته لأهل الشرك في شدّة العذاب أو في زمن المكث في العذاب ليس هناك ما يوجب ذلك من حيث النقل والعقل .

فمن حيث النقل: قد عرفنا أنّ المشرك قد ارتكب إثماً لم يرتكبه صاحب الكبيرة .. فليسا متساويين في نوع الجريمة. ثمّ أنّه قد ثبتت أحاديث كثيرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم .. في وجود مسلمين يخرجون من النار بعد مدّة لا يعلمها إلاّ الله كحديث شفاعة الذي فيه: ((حتى إذا فرغ الله بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهدون أن لا إله إلا الله فيعرفون في النار بأثر السجود)) ( متفق عليه ).

ومن حيث العقل: فإنّ الناس متفقون على أنّه يجب التفريق في الجزاء بين من خرج عن طاعة الملك البشري ودخل في طاعة غيره .. وبين من لم يخرج عن طاعته بل أطاعه في كلّ شيء ولكن وقعت منه مخالفة واحدة في يوم من الأيام وهو يطيعه في كثير من الأمور في نفس ذلك اليوم.

فعقول الناس متفقة على أنّ هذا لا يمكن أن يكون مثل هذا في الجزاء ..

والنصوص العامة القاضية بأنّ أهل النار هم الأشقياء الذين خفت موازينهم كالآيات الآتية :

= ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾

= ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾  وغير ذلك من الآيات تدلّ على أنّ للنّار أهلاً وأصحاباً لا يفارقونها وهم أشقياء لا يخرجون من النار لأنّهم كانوا في الدنيا كفّاراً .. لم يوحدوا الله ولم يستجيبوا لدعوة الإسلام وكفروا بالنبيّ والقرآن والبعث .. وسياق القرآن يعلّمك أنّهم لم يكونوا مسلمين وقعت منهم ذنوب .. يقول تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ .أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ. قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ. إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ. فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى. لا يَصْلاهَا إِلاّ الأَشْقَى. الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى. وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ وهذه الآيات وأمثالها في القرآن تدلّ على شقاء الكفّار وأنّهم أهل النّار الذين لا يفارقونها.

والنصوص الدالّة على دخول العصاة من أهل الإسلام النار بسبب ذنوبهم لا نعارض هذه الآيات التي تتحدّث عن الكفّار أهل النار الحقيقيين. وإنّما هي جاءت بزيادة علمية يجب قبولها والتسليم لها وعدم معارضتها بالآراء التي تخطئ وتصيب .

ومما يدلّ على صحة ما نقول أنّ الله قال في القرآن:  ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾

وقال: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ - ( التوبة )

فهل يجوز أن نستنبط من الآية أنّ القتل عذاب وأنّه جزاء الكافرين وأنّ كلّ مقتول فى هذه الدنيا فهو كافرٌ بالله وانّ المؤمنين لا يصيبهم قتلٌ أبداً.

من المعلوم أنّ هذا لا يصحّ وأنّ المؤمنين ينالهم القتل في الدنيا بل ينالهم الأنبياء والصدّيقين .. وإنّما يجب أن نفهم أنّ ما يصيب الكفّار من قتل في هذه الدنيا هو عذاب عجّل لهم وأنّ العذاب الأكبر ينتظرهم. وأنّ ما يصيب المؤمنين في هذه الدنيا من قتل إنّما هو تكفير لهم ورفعٌ لدرجاتهم وينتظرهم جزاءهم الأوفى الذي هو الجنّة .

والله تعالى له الآخرة والأولى .. فإذا كان القتل عذاباً وكان قد أصاب الفريقين في الدنيا مع الفارق الكبير بينهما .. فما المانع إذاً حرّق الله الكفّار بالنّار وخلّدهم فيها .. وحرّق العصاة بالنار تكفيراً لهم ثمّ أخرجهم من النار لعدم بلوغهم مبلغ المشركين في العصيان والضلال .

استدلّ " نافع بن الأزرق " هذه الآية ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾  فقال ابن عباس رضي الله عنه اقرأ الآية التي قبلها .. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فبيّن له أنّ السياق هو عن الكفّار المنكرين للتوحيد والرسالة والبعث فلا يجوز الاستدلال به في غير موضعه ..   ( ذكّر الطبري في تفسيره )

لم يكن السلف الصالح يشكون في توحيدهم لله وبراءتهم من الشرك وأهله بل كانوا يقاتلون المشركين ويخرجونهم من الظلمات إلى النور ولم يكونوا يشكون كذلك في إيمانهم باليوم الآخر وبرسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم وبالقرآن الكريم وبرسل الله جميعاً وملائكته ..

وكانوا كما هو معروف من سيرتهم وأخبارهم المدونة كثيري الخوف من الله ويخافون الآخرة .. لأنّهم كانوا يعلمون أنّ الذنوب تكتب :

= ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾

وكانوا يعلمون أنّ الكتاب سينشر أمامهم وقد حفظ كلّ صغيرة وكبيرة

= ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾

= ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾

وكانوا يؤمنون "بالميزان" وإنّ الحسنات والسيئات توزن فكانوا لذلك يخافون من ذنوبهم. كما قال علي بن أبى طالب رضي الله عنه: " لا يخافنّ أحدكم إلاّ ذنبه ولا يرجون إلاّ ربّه".

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved