Get Adobe Flash player

هل يعذر أولئك العلماء المجادلون عن أهل الشرك بالتأويل ؟؟

نقول: إن الذي يُعذر بالتأويل هو الذي صحّ إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر إذا تعارضت عنده الأدلّة وعجز عن التوفيق بينهما فردّ بعض النصوص الثابتة جهلاً أو أوّلها تأويلاً أخطأ فيه. فمثل هذا يجب أن تقام عليه الحجة قبل تكفيره لأنه من أهل هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115].

وكذلك إذا انخدع المسلم بقوم زنادقة يظهرون الإسلام والإيمان ويبطنون الكفر والإلحاد، فعاملهم معاملة المسلمين فهو معذورٌ مادام يجهل حقيقة أمرهم .. فإن عرفهم ولم يباينهم صار منهم.

أما المجادلون عن أهل الإشراك المظهرين لشركهم فإنّ سبب جدالهم ما هو إلاّ الجهل بقدر التوحيد.

فإن الإنسان إذا ادّعى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ولكنه اعتقد نجاة من لم يؤمن به كاليهود أو النصارى أو أتباع مسيلمة فإن ادّعاءه عديم الوزن ولا يعدّ مؤمناً بالرسول صلى الله عليه وسلم .

وكذلك من آمن بالقرآن واعتقد أن من عمل بالتوراة دون القرآن ناجٍ من عذاب الله فإنه لا يكون مؤمنا بالقرآن.

وكذلك من ادّعى التوحيد ولكنه اعتقد نجاة المشركين من عذاب الله لم يكن هو مؤمناً بالتوحيد. لأن الإيمان لا يكون صحيحاً حتى تعتقد أنه الطريق الوحيد إلى الله وأنه لا ينجوا في الدنيا والآخرة إلاّ من حقَّقه. وهذه مسألتهم. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 32].

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].

فإن قيل: أليس تكفير المسلم مساوياً في الإثم إدخال كافر في الإسلام ؟

فالجواب: أنه قد يكون وقد لا يكون وذلك بحسب حال الفاعل.

· فمن كفّر مسلماً قائلاً "يا كافر" لا لسبب آخر إلاّ أنه يوحّد الله، فرماه بالكفر بُغضاً لتوحيده، وظنّاً منه أن التوحيد كفرٌ، فهذا لا شكّ في كفره لجهله للتوحيد وبُغضه له.

· ومن كفّر مسلماً من غير بُغضٍ لتوحيده ولكن بُغضاً لذنبه وظنّاً منه أن الذنوب تُخرج أصحابها من الملّة كما فعلت "الخوارج" فهذا قد يكفر وقد لا يكفر وذلك بحسب قيام الحجة عليه .. لأنه كان من أهل التوحيد ثم خالف الشريعة جهلاً وتأويلاً أخطأ فيه، فلا يكفّر قبل إقامة الحجة عليه. ولذا يُروى عن عليّ أنه لم يكفِّرهم ابتداءً .. ويُروى كذلك أنه كفّرهم أخيراً وأمر بنهب عسكرهم . ويروى عن مالك روايتان وأحمد روايتان كذلك .. والإمام ابن تيمية مرّةً قال: "إنّهم كانوا مسلمين". ومرّةً قال: "إنّهم كانوا خارجين عن الإسلام" وكلا القولين في "الفتاوى".

وسبب ذلك أن المبتدع مخالفٌ رادٌّ لنصوص قرآنية. فإن كانت الحجة قد أُقيمت عليه ولم يتب كان كافراً، وإلاّ كان مبتدعاً ضالاً لم تقم عليه الحجة.

والخوارج كان لهم تأويل ولكنه لم يكن سائغاً ولذا لم يُعذروا به وأجمعت الأمة على تضليلهم وقتلهم إذا خرجوا.

· ومن كفّر مسلماً بدر منه ما هو من علامات النفاق. فرماه بنفاق غيرةً لله ولدينه فهو مجتهدٌ. كما فعل عمر رضي الله عنه لما قال عن حاطب لما أفشى سرّ النبي صلى الله عليه وسلم "إنه قد نافق".

· ومن جعل "كافراً" يعبد غير الله مسلماً وهو عالم بشركه الأكبر فهو كافرٌ مثله لأنه ظهر أنه يجهل الإيمان بالله فإن عادى مع ذلك الموحّدين زاد اليقين بكفره.

· ومن جعل مبتدعاً قد أقيمت عليه الحجة وكفّره العلماء مسلماً بسبب جهله لمسألته، فهذا لا يكفّر حتى تبيّن له الحقيقة.

· ومن جعل كافراً مسلماً بسبب إظهار الكافر للإسلام والصلاح وإخفائه لكفره لم يكن كافراً بل ولا آثماً.  (والله أعلم).

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved