Get Adobe Flash player

السؤال الثاني: هل يجوز أن يطلق صفة الجاهلية على المجتمعات المعروفة بالعالم الإسلامي ؟

الجواب: يجب أن يكون إطلاق الأحكام على الأفراد أو على المجتمعات حاضعاً للأدلة الشرعية لا للهوى ورغبات الإنسان المتقلبة. وفي شريعة الله أوصاف وتعريفات كثير تتعلّق عليها أحكام معيّنة، ووظيفة الفقيه أن ينظر هل تحقّقت هذه الأوصاف في واقع الناس، فإن هي تحقّقت فعليه أن يبين للناس الأحكام التي تتعلّق بها وتترتب عليها، وليس هو مخيراً في ذلك وإنما هي مما أوجبه الله عليه:

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ[آل عمران: 187].

فالشريعة تبيّن الأوصاف والفقهاء يطبّقونها على الواقع. وليس منتظراً من الشريعة أن تُقدِّم لنا حكم كل إنسان مقروناً باسمه على اختلاف الأجيال والأماكن فتقول: فلان بن فلان الذي في زمن الفلاني في القطر الفلاني مسلمٌ أو فاسقٌ أو مشركٌ أو مرتدٌ. كما أنه ليس منتظراً من الفقهاء أن يقدِّموا لنا شريعة وأحكاماً من آرائهم وأفكارهم تتعلّق بأوصاف الناس. ولكن الشريعة تُعطينا الوصف فتقول مثلاً: "المسلم هو الإنسان الذي يعبد الله ولا يشرك به شيئاً ويعبده بشريعة النبي صلّى الله عليه وسلّم ". أو تقول: "المسلم هو الذي يقول الشهادتين ويعلم بمقتضاهما". وتُعطينا كذلك أحكاما تتعلّق بهذه الصفة فتقول مثلاً: "المسلم حرامٌ ماله ودمه وعرضه". فإذا وجدنا من اتّصف بصفة الإسلام ممن حولنا من الناس نعرف أن ماله ودمه وعرضه حرام علينا مادام على ذلك. ولا ننتظر من الشريعة أن تُعطينا "كشفاً" فيه أسماء المسلمين المعاصرين. وقل مثل ذلك في صفة "الفسق" و "الشرك" و "الردّة".

وأحكام الديار هي كأحكام الأفراد، يؤخذ الوصف والحكم من الشريعة والفقيه يُطبِّقها على الواقع الذي يشاهده. فتقول الشريعة مثلاً: "كل قرية أو دار يُعمل فيها بكتاب الله أو تقام فيها حدوده فهي قرية مسلمة أو دار إسلام". "وكل قرية أو دارٍ لا يُعمل فيها بكتاب الله ولا تقام فيها حدوده فهي قرية ظالمة أو دار كفر". ثم إن الشريعة تعلّق على هذه الأوصاف أحكاماً فتقول مثلاً: "يجب على كل مسلم قادرٍ أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام". ولا تقول لنا: في السنة كذا وكذا تجب الهجرة من القطر الفلاني إلى القطر الفلاني. وفي السنة كذا وكذا يجب الهجرة من القطر الفلاني إلى القطر الفلاني ولكنها تكتفي بالوصف والحكم وتترك لنا أن نعرف واقعنا ونصفه بالوصف الذي يليق به ثم نعامله بما يستحقّه من الأحكام التي تترتّب على ذلك الوصف.

ومن ذلك تعلم أن معرفة حكم كل دار على اختلاف الأزمان والأقطار على التفصيل أمرٌ موكولٌ إلى الناس علمائهم وفقهائهم لا ينتظر من النصوص الشرعية أن تعطينا في كل قرن أسماء الديار وأحكامها على التعيين. وغالباً تتغيّر أحكام الديار خذ "للقطر المصري" لذلك مثلاً لتعرف كيف تتغيّر حكم كل قطر من وقت إلى آخر. كان القطر المصري دار كفر في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم وفي خلافة أبي بكر رضي الله عنه ثم صارت دار إسلام في خلافة الفاروق رضي الله عنه ثم استمرّت على ذلك قروناً ثم تغلّب عليها "العبيديون" في منتصف القرن الرابع فصارت دار ردّة. قال الإمام ابن تيمية نقلا عن غيره من العلماء: "أنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب ثم أصبحت دار إسلام وسنة عندما سقطت دولة العبيديين واستولى عليها صلاح الدِّين الأيوبي ثم استمرّت كذلك أيام المماليك والعثمانيين ثم استولى عليها الفرنسيون ثم الإنجليز فصارت مرّة أخرى دار حرب وكفر و"فلسطين" كانت دار كفر في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر الصديق ثم صارت دار إسلام في خلافة الفاروق ولم تزل على ذلك حتى استولى عليها الصليبيون فصارت دار كفر. وبعد قرنين من الزمان تقريبا عادت إلى الإسلام بعد تطهيرها من الصليبيين أيام "صلاح الدِّين الأيوبيّ" ثم بعد قرون صارت مرّة أخرى دار كفر وذلك عند ما استولى عليها الإنجليز ثم اليهود. وكانت الأندلس دار كفر ثم صارت دار إسلام في أواخر القرن الأول الهجريّ وظلّت كذلك ثمانمائة سنة ثم صارت دار كفر عندما تغلّب عليها النصارى. وكان المسلمون دائماً يعرفون حكم دارهم بسريان الأحكام والقوّة المسيطرة. وقد قال الإمام ابن تيمية لما سئل عن التتار. وكانوا دولة واسعة تحكم المشرق الإسلامي من نهر السند إلى الفرات- وهل يجب قتالهم: نعم يجب قتال هؤلاء بكتاب الله، وسنة رسوله، واتفاق أئمة المسلمين‏.‏ وهذا مبنى على أصلين‏:‏ أحدهما‏:‏ المعرفة بحالهم‏.‏ والثاني:‏ معرفة حكم الله في مثلهم‏."‏   [مجموع الفتاوى: م 28/ص: 510].

وبهذين الأصلين الذين ذكرهما الإمام تُعرف أحكام الديار والطوائف البشرية فكل دار إذا عرف حالها وحال سكانها وعرف حكم الله في أمثالهم يتبيّن حينئذ هل هي دار إسلام أم دار كفر. وإنما يخطئ في معرفة حكم الدار من يجهل الحال الواقع أو يجهل الحكم الشرعي.

وإذا عرفت أن اتّباع شريعة غير الله والتحاكم إليها مع العلم بوجود كتاب الله كفر مخرج عن الملّة فانظر حينئذ أحوال العالم الإسلامي وموقف كل دولة من كتاب الله. فإنك ترى رضىً بأحكام الجاهلية سواء كانت عالمية أو محليّة وطاعة وموالاة للدول الكبرى الكافرة. وترى حربا وسحقا لحركات البعث الإسلامي واستهزاء بهم وبمنهجهم. وترى انسلاخاً عن أحكام الملة وإقصاء الدِّين عن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية والخلقية والتشريعية. فتعلم حينئذ إنها قد استحقّت وصف "الجاهلية" لأن "الجاهلية" ما هي إلا العمل بما يخالف ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم من كتاب وسنة. ولو عمل قطر واحد من أقطار العالم المعروف بالعالم الإسلامي أحكام الجاهلية وقدّمها على أحكام القرآن لوجب الحكم على ذلك القطر بوصف "الجاهلية" ولو لم يبق منهم قطر واحد برئ من الكفر والجاهلية لوجب أن يوصفوا جميعاً بوصف "الجاهلية"لقيام الأصلين الذين هما: معرفة أحوالهم ومعرفة حكم الله في مثلهم. وهذا لا يعارض أصولاً مقرّرة من الكتاب والسنة بل إنه يوجد ما يدلّ على أن أهل الحق سيكونون في بعض الأزمان قلة. كحديث: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء"  [مسلم]

وعندما يقول العلماء: لا توجد جاهلية مطلقة بعد مبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم فمرادهم أن الحقّ لا يزول كليةً وإنما سيكون دائماً أقوام مهتدين بهدي النبي صلّى الله عليه وسلّم كما جاء في الحديث: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم). فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقل "دولة" وإنما قال "طائفة" والطائفة قد تقلّ وقد تكثر، قد تكون دولة وقد لا تكون، وقد تكون طائفة من أهل العلم يتعاونون على البر والتقوى ونشر الإسلام كما روي عن أحمد بن حنبل أنه قال عن الطائفة المنصورة: "إن لم يكونوا أصحاب الحديث فما أدري منهم" أو كما قال رحمه الله.

والنبي صلّى الله عليه وسلّم عندما كان في مكة في قلّة من أصحابه لم تكن حينئذ توجد "جاهلية مطلقة" لأنه صلّى الله عليه وسلّم كان موجوداً وكان معه رجال مهتدون ومن أراد الهدى والنور كان يجده عند النبي صلّى الله عليه وسلّم ومع ذلك لم تكن توجد دولة إسلامية يخافها الكفار. فدلّ ذلك على أن قول العلماء: "لا توجد بعد مبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم جاهلية مطلقة" ليس معناه: "لا تنعدم الأرض من دولة إسلامية" وكثير من الأنبياء كانوا مبعوثين برسالة الإسلام وانتهى بمبعثهم  عصر الجاهلية المطلقة ومع ذلك لم تقم في أيامهم دولة إسلامية، مثل نوح وإبراهيم وهود وصالح وشعيب ولوط عليهم السلام وهذا يزيدك فهما في المراد من "الجاهلية المطلقة".

 

أما التفريق بين "الحكومات" و"المجتمعات" ووصف الحكومات بالجاهلية والمجتمعات بالإسلام فتفريق غير صحيح ويدلّك على ذلك أمور:

(الأول): إن لفظ "المجتمع" ليس لفظا مخصوصاً بالعامة المأمورين لا يتناول الخاصة الآمرة وإنما هو يتناول العامة والخاصة. ولا يطلق اسم المجتمع على كل من اجتمع في مكان ولو كظهر الباخرة أو الطائرة أو القطار وإنما المجتمع هو مجموعات من الناس تربط بينهم روابط القرابة والجوار واللغة والدِّين والمصالح المشتركة. وكل مجتمع إذا لم يتّخذ قيادة سياسية مطاعة لا يمكن أن يبقى كيانه ويعيش طويلاً بل يذوب في المجتمعات المنظمة التي ستغلبه حتما. ومن أراد التحقيق فليرجع إلى التاريخ البشري المدوّن وليبحث هل وجد في التاريخ الماضي مجتمعا بشرياً استقرّت حياته قام بدون قيادة مطاعة .. ثم لينظر إلى المجتمعات القائمة اليوم بما فيهم القبائل البدوية هل يمكن أن يوجد من بينهم مجتمع آمن قد استقرّت حياته بدون أن يكون له قيادة سياسية. إن القيادة المطاعة الموحّدة قد تفقد وتنعدم في بعض الظروف ولكن ينعدم معها الأمن والاستقرار ويكثر الهرج والظلم والفوضى الذي لا يمكن أن يحتملها البشر طويلاً. وليس شكل النظام ضروريا ولكن من الضروري أن يوجد نظام سياسي لكل مجتمع مهما كان دينه كي ينال الأمن والاستقرار بحياته ويكون قادراً على ردّ الاعتداءات التي تأتيه من خارجه.

ولكن عندما يغلب أحد المجتمعات مجتمعاً آخر يراه أجنبيا عنه ويستعبده بالقوّة بدون رضى المغلوب فحينئذ يمكن أن يصح التفريق بين الغالب والمغلوب في الأحكام كحال بني إسرائيل مع فرعون وقومه .. وحال المسلمين من أهل الأندلس والشام مع الصليبيين وحال المسلمين من أهل العراق وخراسان وغيرها مع التتار الوثنيين. وليس ممتنعاً كذلك في المجتمع الواحد أن تظلم القيادة الرعيّة أو تدعوها إلى الكفر بالله، فإن كفرت القيادة بالله فإن العامة ستكون على إحدى حالتين:

(أ‌) أن تتبرّأ منها ولا تطاوعها إلا ما كان في حدود الإكراه .. وحينئذ لا يكون حكمها حكم القيادة الكافرة.

(ب‌) أن تؤيدها وتعمل بكفرها مقتنعة به أو تطاوعها من غير اقتناع ولكن استحباب الحياة الدنيا على الآخرة فحينئذ يكون حكمها حكم القيادة الداعية إلى الكفر. كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: 107].

وهذا هو واقع كثير من الجماهير الضالة المنقادة للحكومات الكافرة يعلمون أنهم مجانبون لطريق الإسلام ومع ذلك لا يتبرؤن من حكّامهم استحباباً للحياة الدنيا على الآخرة.

(الثاني): أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يأذن للمسلم أن يتابع أميره المسلم إذا ارتكب محرّماً دون الكفر المخرج عن الملّة بل يوصيه أن لا يكون في قلبه إلا الكراهية والإنكار. كما جاء في حديث أم سلمة رضي الله عنها أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: "إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع"  [مسلم].

وقد دل الحديث أن الراضي المتابع لأمراء الجور آثم مثلهم، والمتابعة هي دليل الرضى كما أن العصيان دليل الكراهية والإنكار. كما إن متابعة أوامر الله دليل الرضى والمحبّة. كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾  [آل عمران: 31-32]. وهذا الحديث من فوائده: أن من تابع الأمير الكافر في كفره يكن مثله في الإثم، ودلّت الآية على أن التولِّي عن طاعة الله ورسوله كفرٌ.

وقد يروى عن الإمام الشافعيّ أنه أنشد :

        أتعصي الإله وأنت تزعم حبّه    هذا محال في القياس شنيع

        لو كان حبّك صادقاً لأطعته    إن المحبَّ لمن يُحبّ مطيع

والمسلم المنقاد لأوامر الله إذا تدبّر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية يعلم:

· أن الله سوى الأكابر والأتباع في أحكام الدنيا والآخرة.

· أن الله لم يعذر أحداً تكلم بالكفر إلا المكره الذي لا يملك أمره.

· أن الله بيّن أن الذي يجعل الناس يرضون بالكفر قولاً وعملاً هو استحبابهم للحياة الدنيا على الآخرة.

· أن الله شرع للمؤمن طريقا لمواجهة المجتمع الكافر على اختلاف عقائد أفراده ومشاعرهم وسلوكهم وظروفهم .. هذا الطريق هو الصدع بالحق والدعوة إلى اجتناب عبادة الطاغوت وإفراد الله سبحانه بالعبادة بالطاعة .. فيتميّزون حينئذ إلى مؤمنين تائبين وكافرين مجرمين.

· إن إرادة التحاكم إلى أحكام الطاغوت ممن يزعم الإيمان من أقوى دلائل النفاق والدي يحقّق إرادته ويصر على طاعة الطاغوت دون الله ورسوله فقد جاهر بكفره ولم يعد منافقاً. لأن المنافق إذا أظهر نفاقه وأصر عليه صار مرتداً عند العلماء.

وهذه الأصول وأمثالها التي تقرّرت بالأدلة الصحيحة إذا وجدت أقوالٌ لعلماء أجلاّء تبدو أنها تخالفها لا يكون المنهج الصحيح أن تجعل هذه الأقوال أدلة قائمة بنفسها ومساوية للأدلّة الشرعية، لأن العلماء بشرٌ يجوز عليهم الخطأ والغفلة كما أن علمهم في ازدياد ولذلك يقولون القول اليوم ويرجعون عنه غداً ولذا يأتي من أحدهم قولان أو أكثر في المسألة الواحدة.

وأحياناً كثيرة ليست الأقوال معارضة للأدلّة ولكن يظنّ بها كذلك لنقص في فهم مراد الغاؤا .. وليس تحقيراً للعالم إذا ردّت أقواله المعارضة للأدلّة الثابتة، فكم من قولٍ لعمر بن الخطاب أو لعبد الله بن العباس أو غيرهما من الصحابة الأجلاّء تركه فقهاء الإسلام لمعارضتها لما صحّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. أما إذا ورد في أقوال أحد الأئمة قولٌ يوافق الدليل والقائلين به فالأفضل اختيار قوله هذا على أقواله المخالفة للأدلّة إحساناً للظنّ به .. ولم يزل الفقهاء في مختلف العصور يوصون الطلبة بالتمسك بالدليل وإن خالف قول شيخه .. وقد قال أبو حنيفة النعمان ما معناه: "لا ينبغي لأحد أن يقول بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه فإنا نقول القول اليوم ونرجع عنه غداً".

وقال مالك: "ما منّا إلا رادّ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر" أو كما قال.

وقال الشافعي: "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي" وأمر أن يضرب بكلامه عرض الحائط إذا خالف الدليل الصحيح.

وقال أحمد: "لا تقلّد في دينك الرجال وخذ من حيث أخذوا" أو كما قال.

وقال: "عجبتُ ممن عرف الإسناد وصحته ويذهب إلى رأي سفيان".

وقبلهم قال ابن عباس: "توشك أن تنْزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال الله قال رسوله وتقولون: قال أبو بكر قال عمر".

 

وبعد هذه أعود إلى بعض الأقوال التي وجدتها في رسالة أُرسلت إليّ فظننتُ أنها مما يستدلّ بها المجادلون عن أهل الجاهلية الحديثة وهذه الأقوال هي:

(الأول): سئل أحد العلماء هذا السؤال: يفهم من كتابات "سيـد قطب" أنه يكفِّر المسلمين؟ فأجاب بأن "سـيد قطب" لم يكفِّر المسلمين .. وإنما قال:لا يعذر بالجهل.ثم قال: هذا وارد أي عدم العذر بالجهل وهذا واردٌ أي العذر بالجهل (ا ﻫ) ؟

والجواب: أما قوله: "سيـد قطب" لم يكفِّر المسلمين فقد صدق فيه لأن "سيـد قطب" يدعوا في كتاباته إلى الإسلام الحنيف والبراءة من أهل الجاهلية فكرياً وعملياً فكيف يكفِّر بعد ذلك المسلمين الحنفاء المتبرّئين من الجاهلية. وقديماً اتّهم الإمام "محمد بن عبد الوهاب" بتكفير المسلمين لما كفّر المشركين المنتسبين إلى الإسلام فقال في رسالته إلى الرياض ومنفوحة: "فقولكم إننا نكفِّر المسلمين كيف تفعلون كذا كيف تفعلون كذا فإنا لم نكفّر المسلمين بل ما كفّرنا إلا المشركين" [سيرة الإمام الشيخ – لأمين سعيد].

ونختار من أقوال "سيـد قطب" ما يناسب المقام مثل قوله في تفسير سورة هود: "إنها دورة جديدة من دورات الجاهلية التي تعقب الإسلام. فيجب أن تواجهها دورة من دورات الإسلام الذي يواجه الجاهلية, ليرد الناس إلى الله مرة أخرى, ويخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . . ولا بد أن يصل الأمر إلى ذلك المستوى من الحسم والوضوح في نفوس العصبة المسلمة التي تعاني مواجهة الجاهلية الشاملة في هذه الفترة النكدة من حياة البشرية . . فإنه بدون هذا الحسم وهذا الوضوح تعجز طلائع البعث الإسلامي عن أداء واجبها في هذه الفترة الحرجة من تاريخ البشرية; وتتأرجح أمام المجتمع الجاهلي -وهي تحسبه مجتمعا مسلما- وتفقد تحديد أهدافها الحقيقية, بفقدانها لتحديد نقطة البدء من حيث تقف البشرية فعلا, لا من حيث تزعم! والمسافة بعيدة بين الزعم والواقع . . بعيدة جدا "

وقال في سورة الأنعام عند قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:55].

"يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين . . ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مداهنة . وألا تأخذهم فيها خشية ولا خوف ; وألا تقعدهم عنها لومة لائم , ولا صيحة صائح:انظروا ! إنهم يكفرون المسلمين !" (ا ﻫ)

أما المقالة السابقة فيمكن أن يفهمه السامع فهما يوافق الأدلّة ويمكن أن يفهم فهما لا يوافق الأدلة .. أما الذي يوافق الأدلة فهو أن عدم العذر بالجهل واردٌ في حقّ المشركين الذين يعبدون غير الله لأن الله وصفهم بالجهل والعمي ومشابهة الأنعام مع وصفه إياهم بالشرك والكفر. والعذر بالجهل واردٌ في حقّ المسلم الموحّد الحنيف إذا جحد شيئاً من الشريعة جهلاً فإنه لا يكفّر ابتداء قبل البيّان وإقامة الحجة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾  [التوبة: 115].

﴿بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ أي إلى التوحيد والإسلام.  أما الفهم الذي لا يوافق الأدلة فهو الظن بأن المسلم مخيّر في الأمر إن شاء أعذر المشركين وإن شاء لم يعذرهم وفي كل حالة هو مصيب، وهذا فهم منحرف لا يقوله أحدٌ شمّ رائحة العلم .. وينشأ من ذلك أن يستحلّ المسلم دم امرئ وماله مرّة لشركه ويقول: "عدم العذر بالجهل" وارد في الشرع .. ويترك آخر يفعل فعل الأول ويقول: "العذر بالجهل" وارد في الشرع .. وليس هذا من شريعة العليم الخبير في شيء وإنما هو إذن للإنسان في أن يتّبع هواه في حكمه على الناس.

وقد قرّر سيـد قطب في تفسيره لسورة يوسف أن الاعتقاد فرعٌ عن العلم فمن نفى الله عنه العلم فقد نفى عنه الاعتقاد. (والله أعلم).

(الثاني) فهو قول "ابن تيمية" في المنتسبين إلى الشيخ يونس .. فمما قاله بعد أن بيّن كفرهم: "وأما من كان فيهم من عامتهم لا يعرف أسرارهم وحقائقهم فهذا يكون معه إسلام عامة المسلمين الذي استفاده من سائر المسلمين لا منهم".

(أقول): وأي أشكال في هذا القول .. وطوائف المسلمين كلها متفقة على أن من تظاهر بالإسلام وأخفى عقيدته الكفرية يعامل معاملة المسلمين وكم من زنديق ومنافق عاش بين المسلمين فإذا انخدع المسلم بجماعة من الزنادقة التي تتظاهر بالإسلام ولم يعلم أسرارهم وحقائقهم فهو معذور ولا يجوز تكفيره كما يقوله الإمام.

(الثالث): وهو قول "ابن تيمية" بأصحاب وحدة الوجود .. فهو لا يختلف عن قوله -الذي ذكرته آنفاً- فهو يقول: "فكل من أخبر بباطن هذا المذهب ووافقهم عليه كان أظهر كفراً وإلحاداً وأما الجهال الذين يحسنون الظنّ بقول هؤلاء ولا يفهمونه ويعتقدون أنه من أحسن كلام المشايخ العارفين الذين يتكلّمون بكلام صحيح ولا يفهمه كثير من الناس، فهؤلاء نجد فيهم إسلاماً وإيماناً ومتابعة للكتاب والسنة ونجد فيهم إقراراً لهؤلاء وإحساناً للظنّ بهم وتسليماً لهم بحسب جهلهم  أو ضلالهم" الخ..

وهذا كقوله السابق يبيِّن الشيخ فيه حكم عامة المسلمين الذين لا يعرفون من أسرار الفرق الباطنية والاتحادية ولا يعلمون منهم إلا كلاماً جميلاً مُنظماً يشبه كلام المشايخ العارفين بينما هو يحمل في طيّاته عقائدهم المنحرفة الكافرة .. وأولئك الذين يحسنون الظنّ بأولئك هم جمهور المسلمين التابعين للدول الإسلامية التي تحكم بحكم الله .. ومع ذلك فإن الإمام لا يقصد تركهم على ذلك الإحسان للظنون بالكفرة إنما هو يقرّر الواقع ..أما طريقة المواجهة فقد قال في موضع آخر: "ومن كان محسناً للظن بهم وادّعى أنه لم يعرف حالهم عُرّف حالهم فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلا أُلحق بهم وجُعل منهم"  [الفتاوى: م 2/ص:133].

وهذا هو موقف الإمام من المسلم الذي ينخدع  بقوم يخفون كفرهم ويتظاهرون بالعلم والزهد  ومشاهدة الحقيقة، لا يقول إنه معذور وهو أخوك فصلِّ خلفه وكل ذبيحته واتركه وشأنه .. وإنما هو يقول لا بدّ لهذا المسلم أن يباينهم ويظهر لهم الإنكار فإن أبى ذلك فهم منهم بلا مداهنة ولا مساومة.

أما موقفه من الطائفة الممتنعة الخارجة عن الشريعة التي لا تنقاد لدولة الإسلام فإنه يقول: "إنه ليس بينها وبين المسلمين إلا القتال وأنهم خارجون عن الإسلام." فراجع [الفتاوى: المجلد 28/ ص: 501].

يقول عندما تمتنع طائفة عن صيام شهر رمضان مثلاً أو الحجّ أو الجهاد أو تمتنع عن التزام تحريم الربا أو أكل مال اليتيم لا يقول: "اتركوهم فإنهم معذورون أو لأنهم يقولون لا إله إلا الله" فكيف يجادل مجادلٌ ويقول: إن الإمام يعذر أهل الإشراك الذين يعبدون غير الله. ويظهرون شركهم ويحاربون التوحيد ويستهزؤن بهم. إن الإمام رحمه الله لم يكن أبداً مجادلاً عن الكفرة والمنافقين وإنك إذا قارنت بين أقواله وأقوال المجادلين عن أهل الجاهلية تجد أنه يقول دائماً عن الخارجين عن الشريعة ولو عن أحد الواجبات إذا كانوا طائفة ممتنعة إنهم يقاتلون على ذلك وإنهم خارجون عن الإسلام بينما يقول المجادلون عن دولة ممتنعة خارجة عن الشريعة جملة وتفصيلاً إن الخاصة الحاكمة كافرةً والأتباع يُعذرون بالجهل وهم مسلمون .. ومتى كان المسلمون عابدين للطواغيت خارجين عن شريعة العليم الخبير وبم استحقّوا صفة الإسلام لله إذا كانوا مسلمين لغير الله.

(الرابع) هو قول ابن تيمية أيضاً. قال: "بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى كسوالف البادية وكأوامر المطاعين فيهم ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة وهذا هو الكفر فإن كثيرا من الناس أسلموا ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار وإلا كانوا جهالا"  [منهاج السنة: ص: 130].

وهذا القول للإمام له وجه صحيح يفهمه من تدبّر المقدّمات الآتية:

(1) إن الخروج عن شريعة الله تعالى من المنتسبين إلى الإسلام تأتي على صورتين:

الأولى: أن تخرج طائفة ممتنعة قوية عن الشريعة ولو عن واجب واحد من الواجبات المتواترة المعلومة من الدِّين بالضرورة، فهذه الطائفة قد بيّن الإمام حكمها في (الفتاوى: المجلد 28/ص:501-509) وقال إنهم خارجون عن الإسلام وقال أنه لا خلاف بين العلماء في ذلك. وبهذه الفتوى قاتل المسلمون -في عصره- التتار الذين كانوا طائفة ممتنعة بل دولة كبيرة تحكم المشرق الإسلامي من نهر السند إلى الفرات. وموقف المسلمين تجاه الطوائف الممتنعة الخارجة  عن الشريعة هو الجهاد والقتال عند القدرة أما عند الضعف فالواجب هو الدعوة إلى الله على طريفة رسل الله.

الثاني: أن تعمل طائفة تابعة للمجتمع الإسلامي بما يخالف الشريعة جهلاً منها بتفاصيل الشريعة، فمثلاً سمعوا أن طاعة الله ورسوله واجبة فرضوا بذلك مبدئياً وعزموا على الطاعة ثم سمعوا أن الله يأمر بالعدل فحرصوا عليه ولكن لم تبلغهم آية المائدة: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ مثلاً، ولذلك يُصلحون بين الناس بالعادات التي يظنون أنها تحقق العدل الذي أمره الله .. وغالباً ما يكون أولئك من أهل البادية الذين قال الله عنهم: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أو يكونون من حدثاء العهد بالإسلام –كما يظهر من قول الإمام (بل كثير من المنتسبين ...) وقوله: (كسواليف البادية) وقوله: (فإن كثير من الناس أسلموا ومع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم ...).

وفقهاء المسلمين متّفقون على أن الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام لا يعذر أحدٌ فيها بالجهل إلا الحديث العهد بالإسلام، والناشئ في البادية البعيدة عن الأمصار التي العلم فيها ظاهرٌ. والإمام لا يُعذر الذين يتحدّث عنهم إلا لهذه الأسباب. فتأمل ذلك.

وفي هذا القول للإمام فائدتان:

(أ‌)  إن الذي علم وجوب الحكم بين الناس بما أنزل الله إذا استحلّ الحكم بما يخالف ما أنزل الله أنه كافرٌ.

(ب‌) إن الجهلاء التابعين للمجتمع المسلم لا يقرّون على خلافهم لما أنزل الله وإنما هم يدعون إلى الحقّ فإن لم يلتزموا صاروا كفاراً لهم ما للكفار.

وليت المجادلين عن الجاهلية يوافقون في هذه النظرة الصحيحة إلى أحكام الناس في الظروف المختلفة. وإذاً لخرجوا من التخبطات والتناقضات التي تلازمهم دائماً.

(2) إن من الأصول الفقهية: أن العبادات مبناها على الأمر وأن العادات مبناها على النهي. ومنها كذلك أن أصل الشيء الحلّ ما لم يرد نص يحرّمه. ولذا يمكن أن يكون الإنسان مسلما صادقاً لقبوله الإيمان وهو يجهل كثيراً من فروع الشريعة ويعمل بخلافها. وقد كان الصحابة يشربون الخمور في العهد المكيّ وشطراً من العهد المدنيّ وكانوا يتعاملون بالربا حتى أواخر حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم وكانت عادة التبني سارية في مجتمعهم كما كانت عادة العرب ولكنهم كانوا مسلمين ينتظرون الأمر الإلهي، فإذا نزل التحريم انقادوا له على الفور، ولم يكونوا آثمين بأفعالهم قبل نزول التحريم. وكذا كل من أسلم ولم يبلغه أمرٌ من الأوامر الواجبة أو نهيٌ من النواهي المحرّمة لا يأثم بما فعل قبل أن يبلغه العلم. وإذاً فلا غرابة إذا أصلح المسلم الجاهل لأحكام الشريعة بين اثنين وقع بينهما شرٌّ واتّبع في هذا الإصلاح عادة من العادات التي يظنها عدلاً .. هذا هو الذي يتحدّث الإمام عن أمثالهم فلا يصحّ إذاً الاستدلال به في قوم يعلمون كتاب الله ويعلمون وجوب الحكم بما أنزل الله ولكن نبذوا الكتاب وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون، واستبدلوا به المبادئ والنظريات التي أتت إليهم من جانب الكفرة أعداء الله ورسوله.

(الخامس): هو قول لابن تيميةأيضاً قال: "من دعا غير الله وحجّ إلى غير بيت الله فهو مشرك والذي فعله كفر، لكن قد لا يكون عالماً بأن هذا شرك محرّم كما أن كثيراً من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم وعندهم أصنام لهم وهم يتقرّبون إليها ويعظمونها ولا يعلمون أن ذلك محرّم، فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شركٌ"  [الردّ على الأخنائي].

أقول: إن الذين ينتسبون إلى الإسلام وهم يشركون بالله في عبادته لا خلاف في عدم نفع ذلك الانتساب المجرّد وأنه لا ينجيهم من عذاب الله في الآخرة.

﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا﴾  [النساء: 116].

﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ[المائدة:72].

هذا هو حكم الله في الإنسان المشرك، ولا معقّب لحكم الله ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 41]

ولكن قد تختلف حالات أولئك المنتسبين إلى الإسلام المشركين بالله فتختلف تبعاً لذلك طريقة المواجهة:

الحالة الأولى: إذا كانوا طائفة ممتنعة لا تخضع لقوة إسلامية كالدولة المسلمة وهؤلاء يكونون أعظم كفراً من الطائفة الممتنعة التي امتنعت عن أحد الواجبات كمانعي الزكاة، والتي بيّنا حكمها وأنها كافرة بالله. وهذه الطائفة الممتنعة المشركة بالله تواجه بالقتال والجهاد إذا كان للإسلام قوة ودولة كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم بأصحاب مسيلمة الكذَّاب وطليحة ومانعي الزكاة. أما إذا لم يكن للإسلام قوة قادرة على الجهاد فتواجه بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة مع البراءة منهم وعدم موافقتهم في منكراتهم وعدم موالاتهم .

الحالة الثانية: إذا كانوا ضعفاء تحت سلطان الإسلام. وهؤلاء لهم حالات مختلفة:

1) قوم اعتنقوا الإسلام وفهموه وعملوا به مدّة ثم حصلت لهم شبهة فألّهوا أحداً من دون الله .. فهؤلاء تجري عليهم أحكام المرتدين فيستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا –وهذا ما فعله أمير المؤمنين "علي بن أبي طالب" مع أصحاب "عبد الله بن سبأ".

2) قومٌ كانوا مشركين محاربين للإسلام ثم ضعفوا عن قتال المسلمين وخافوا على أنفسهم فادّعوا الإسلام ووضعوا السلاح واستسلموا لدولة الإسلام وخير مثال لذلك قبيلة "ثقيف" التي حاربت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة حنين مع من حارب .. فلما انهزمت تحصّنت بالطائف وحاصرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مدّة ثم انصرف عنها .. ثم قتلوا "عروة بن مسعود" لما دعاهم إلى الإسلام .. ولكنهم لم يستطيعوا أن يستمرّوا في هذا العناد لأن جميع القبائل المجاورة لها كانت قد أسلمت فاضطروا إلى إعلان الإسلام إبقاءً لحياتهم .. وقد ورد في السيرة أن وفد ثقيف طلبوا من النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يترك لهم "اللات" لا يهدمها ثلاث سنين وأن يضع عنهم الصلاة فلم يجبهم النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى مرادهم. وورد في السيرة كذلك أن المغيرة بن شعبة عندما كان يضربها ويهدمها كان النساء يبكين عليه وينشدن أشعاراً يرثين به. وقد كان المسلمون يعلمون أن إسلام كثيرين منهم لم يكن صادقاً ومع ذلك كان إسلام هذه القبيلة العنيدة فتحاً وفرصة عظيمة لنشر حقيقة الإسلام فيما بينهم .. وكان وعي المسلمين عالياً لذلك كانوا أدركوا أن ادّعاء قبيلة للإسلام نفاقاً خوف السيف خيرٌ من إصرارها على قتال المسلمين. لأنه

في الحالة الأولى سيغلبها الإسلام أخيراً بحججه التي لا تقاوم فيكسب الإسلام المعركة ويكونون من جند الإسلام. أما في الحالة الثانية فسيكونون مصدر خطر دائم حتى يستأصلو عن آخرهم وهذا لا يكون إلا بعد تضحيات جسيمة .

فمن واقعية الإسلام وسياسته الحكيمة إدخال الناس في الإسلام بالحكمة والرفق ولذلك كانت القبيلة الكبيرة تضطرّ إلى إعلان الإسلام خوفاً من سطوة الإسلام، فيقبل المسلمون منهم ذلك فتكون من رعايا الدولة المسلمة وفيهم من النفاق وكراهية الإسلام ما لا يعلمه إلا الله. كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾  [التوبة: 98].

وكان هذا النفاق والكراهية يزول تدريجياً بفضل الجهود التي كانت تبذل دائما في التربية والتذكرة .. ولذا ترى قبيلة "ثقيف" بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم بقليل، وفي خلافة الفاروق وما بعدها وهي تقاتل الفرس والروم لإعلاء كلمة الله وتبلي في ذلك أحسن البلاء.

ولم تكن هذه السياسة الحكيمة تعمل في القرن الأول فقط وإنما كانت سنة متّبعة في جميع عصور القوة. وكان المسلمون يدركون أنه لا بدّ لحدثاء العهد أن يجدوا وقتا مناسباً ليتفقّهوا في دين الله، فالنفس البشرية لا تبلغ المستوى المطلوب بين عشية وضحاها. وكان أول ما يتعلّمه الحدثاء هو معنى الشهادتين وفضل التوحيد وخطورة الشرك وعقوبة المشرك في الدنيا والآخرة. وبعد البيان التام إذا عُلم أن أحدهم لا يزال يعبد صنماً في بيته كان الطريق الوحيد أن يستتاب فإن تاب وإلاّ قُتل. ولم يكن المسلمون في عصور قوّتهم يتركون أحداً يشرب الخمر علناً أو يسفك الدم الحرام .. فكيف يظنّ بهم أنّهم كانوا يتركون أقواماً ليشركوا بالله في عبادته وهم يعلمون أن الشرك بالله أعظم من شرب الخمور وسفك الدماء.

فإذا قال أحد العلماء أن القبيلة الفلانية دخلت في الإسلام سنة كذا وكذا لا يقصد بأن كل أفرادها شهدوا شهادة الحقّ عن علم ويقين وإخلاص، وكذلك إذا قال: قد وجد من أفراد القبيلة التي دخلت في الإسلام من يعبد صنماً لا يقصد بأن هذا العابد للصنم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، وإنما هو فقط يقرّر الواقع الذي يحدث .. أما طريقة المواجهة وكيفية الإصلاح فلها حديث آخر.

ويوجد أحياناً قومٌ وثنيون يعبدون الأوثان .. فيحتكّون بالمسلمين فتعجبهم أخلاقهم وصدقهم وأمانتهم وخشوعهم في الصلاة بين يدي الله فيقولون: هؤلاء دينهم خيرٌ من ديننا فتدخل جماعات منهم دار الإسلام وقد رضوا بأن يكونوا من رعايا المسلمين قبل أن يتبيّن لهم التوحيد وما يضاده من الشرك. وفي القرآن إشارة إلى ذلك. فقد قال صاحب يوسف في السجن: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36]. فقد علموا أو ظنُّوا أنه خيرٌ منهم وأقرب إلى الله منهم قبل أن يتلقوا التوحيد منه.

وقد كان "التتار" في ابتداء أمرهم قوماً مجرمين مفسدين في الأرض لا يعرف لهم مثيل في التاريخ المعروف وكانوا رعاة وثنيين ..وبعد أن غلبوا الممالك الإسلامية الشرقية واستولوا على بغداد بعد الإبادة الوحشية لسكانها، كوّنوا إمبراطورية واسعة تحكم الشعوب والأجناس المختلفة التي كان يحكمها الإسلام .. ولكن هذه الشعوب لم تندمج في الوثنيين الحاكمين ... ولكن التتار اندمجوا في هذه الشعوب تدريجيا .. وادّعى كثير من التتار الإسلام ودخلوا المساجد قبل أن يسلم ملوكهم، وذلك لما علموا أن هذا الدِّين خيرٌ من دينهم .. ثم بعد مدة ادّعى ملكهم "قازان" الإسلام خوفاً من زوال دولته .. وكان الإمام ابن "تيمية" معاصراً "لقازان" حينما كانت قبائل من التتار يدخلون في الإسلام بوعي أو بغير وعي. ويظهر من كلامه السابق أن بعضهم كان يزعم أنه رضي بالإسلام قبل أن يكفروا بعبادة الأصنام.

قال: "كما أن كثيراً من الناس دخلوا في الإسلام من التتار وغيرهم وعندهم أصنام لهم وهم يتقرّبون إليها ويعظمونها ولا يعلمون أن ذلك محرّم فكثير من أنواع الشرك قد يخفى على بعض من دخل في الإسلام ولا يعلم أنه شرك"  (ا ﻫ)

وليس معنى هذا الكلام أن الإمام لم يكن يعلم أن الإسلام لا يصحّ من إنسان حتى يترك عبادة الأصنام، لأنه ما كتبه في باب التوحيد يردّه .. وإنما كان يقرّر الواقع الذي يحدث وكيف يتأثر كثيرون بالإسلام قبل أن يعلموا ما تطلب منهم شهادة أن لا إله إلاّ الله ولذا ينضمون إلى المجتمع المسلم وهم يتقرّبون إلى أصنامهم التي يعبدونها، فدخولهم إذاً دخولٌ شكليٌّ وليس دخولا قلبياً عن علم ويقين ودليل ذلك هو "عبادتهم للأصنام".

وأيضا كان الإمام ينصح ولاة الأمور ويعلّمهم السياسة الشريعة فكان هذا البيان منه بياناً مهمّاً جدّاً. لأنه كان شائعاً في المجتمع الإسلاميّ في جميع العصور "أن عبادة الأصنام ردّةٌ عن الإسلام" .. فإذا وجد المسلمون من يقول: "إني مسلم" وهو يعبد صنما لحكموا عليه بالردّة عن الإسلام ولأقاموا عليه الحدّ.

فبيّن الإمام -رحمه الله- أنه قد توجد بعض الحالات التي لا يجوز فيها أن يقتل "عابد الصنم الذي يدّعي الإسلام" وذلك حينما يدّعون الإسلام جهلاً منهم بالإسلام الذي هو "ترك عبادة غير الله" فمن أحب أن يكون من المجتمع المسلم مع عبادته لغير الله، فيجب تعليمه للإسلام أولاً قبل قتله لأنه ليس مرتداً عن الإسلام وإنما هو مشرك على وشك أن يسلم كما كان المسلمون يعاملون به القبائل الوثنية عندما تسلم بعد ضعفها عن المقاومة فإنهم كانوا يعطونهم فرصة للتعليم ... ولم يكن الإسلام أبداً متعطشاً إلى سفك الدماء كما يقول أعداؤه .. ولم يكن يجرّد سيفه على أهل الضلال وهو يقدر على إنقاذهم من الضلال بالمواعظ والكلمات البليغة .. وإنما كان يجرد سيفه حين لا يجدي الكلام.

وقد بيّن الإمام "ابن تيمية" في فتاواه أن الإنسان إذا أشرك بالله وعبد معه غيره أنه يستحقّ اسم "المشرك" لشركه بالله ولكنه لا يستحقّ معاقبته على شركه قبل أن تبلغه الرسالة.

قال في الفتاوى (م 20 ص: 38): "فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة؛ فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أندادا قبل الرسول ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها وكذلك اسم الجهل والجاهلية يقال‏:‏ جاهلية وجاهلا قبل مجيء الرسول وأما التعذيب فلا‏". (ا ﻫ)

فإذا كان الإمام لا يرى معاقبة المشرك الجاهل الذي لم تبلغه الرسالة فإنه بناءً على ذلك لا يأمر بقتل المشرك العابد للصنم إذا جاء إلى دار الإسلام وهو يحمل صنمه ويقول "أنا مسلم" .. لا يأمر بقتله لأنه ليس مرتداً عن الإسلام وإنما هو يدّعي الإسلام جاهلاً بحقيقته فلا يستحقّ العقوبة. بل يجب تعليمه أولاً.

ومن ظن أن الإمام كان يرى أن الإنسان يكون مسلماً له ما للمسلمين وهو يظهر عبادته للأصنام فقد أخطأ الظنّ بالإمام واتّهمه بالجهل وضعف الاعتقاد الذي هو بريءٌ منه. فإنه كان من أشدّ العلماء على أهل الكفر والبدع المنتسبين إلى الإسلام. وقد استفاض ذلك عنه حتى علمه كثير من أعداء دين الله. والذين أساءوا الظن بالإمام يجهلون أمرين مهمّين:

الأول: انه لا بدّ من التفريق بين كلام الإمام في تقرير الواقع أي بيان ما يحدث وبين كلامه في بيان طريقة المواجهة .. فكلامه السابق هو بيان ما يحدث وليس هو طريقة المواجهة كما فهمها من شريعة الله. ومن أراد أن يعرف طريقته في مواجهة أهل الشرك والكفر المنتسبين إلى الإسلام فليرجع إلى فتاواه التي كتبها في هذا الباب مثل قوله في الطائفة الممتنعة (المجلد 28/ص: 501).

قال: " فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته -التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها- التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها‏.‏ وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء‏.‏

وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر، والأذان والإقامة -عند من لا يقول بوجوبها- ونحو ذلك من الشعائر‏.‏ هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا‏؟‏ فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها‏.‏

وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته،" قال: " وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام،"  (ا ﻫ)

هذا هو كلام الإمام، وظاهرٌ أنه يكفّر كل طائفة امتنعت عن أحد الواجبات ومن أراد أن يقف على أدلّته فليرجع إلى المصدر الذي ذكرته. فهل يقول عاقل بعد ذلك أن الإمام لا يكفّر الطائفة الممتنعة المصرّة على الشرك بالله وتقديم شرائع الكفرة على شريعته وموالاة الكفار ومحاربة الموحِّدين؟؟. أما كلامه في الذين يكونون تحت سلطان الإسلام والداخلين في تركيب المجتمع المسلم المنقاد لأمر الله وهم مع ذلك يشركون بالله ويلحدون فيه فنختار منه ما يأتي: قال في الرسالة السنية: "فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني أو أغثني أو ارزقني أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال فكل ذلك شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قُتل".

وقال في (اقتضاء الصراط المستقيم: ص:259): "فلو ذبح لغير الله متقربا به إليه لحرم وإن قال فيه بسم الله كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الأولياء والكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكن يجتمع في الذبيحة مانعان".

وقال في (المجلد 35/ص: 164) في حديثه عن إحدى الفرق الخارجة عن الإسلام: "... أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له، أو كان يفضله على النبي صلّى الله عليه وسلّم تفضيلا مطلقا، أو مقيدا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى اللّه تعالى،أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغن عن متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ذلك، ومنافقون إن لم يظهروه‏.‏"

الثاني: يجهلون ضرورة اعتبار الواقع الذي قال الإمام فيه ما قال، لأن كل فقيه يحكمه أمران عندما يفتي في دين الله أحدهما الحالة أو الواقع الذي أمامه ويحتاج إلى حكم، والآخر هو حكم الشريعة وما جاء في بيان حكم مثل ذلك الواقع ... فلا بدّ عند الاستدلال بأقوال الإمام أن نعرف الواقع الذي كان أمامه والظروف التي كانت محيطة به، وأن نجمع أقواله كلها ونفهمها فهماً لا يعارض آيات الله المحكمات، ومن ظنّ أن أحد أقواله يخالف نصّاً صحيحاً، فليس المنهج السليم  أن يؤخذ قوله ويترك النص الشرعي، ولكن بعكس ذلك يؤخذ النصّ ويترك قول الشيخ. وهذه من وصايا الإمام  "ابن تيمية" نفسه. فقد قال: "وكل من أمر بأمر كائنا من كان عرض على الكتاب والسنة، فإن وافق ذلك قبل، وإلا رد، كما جاء في الصحيحين عنه صلّى الله عليه وسلّم  أنه قال‏:‏‏(‏من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد‏)‏ أي‏:‏فهو مردود‏ ".  [الفتاوى: 28/ص: 24].

ومن لم يراع هذه الأمور فسيأتي بالأعاجيب والأخطاء القبيحة وهو يدّعي أنه على الكتاب والسنة .. كالذين يتمسّكون بعبارة الإمام في دخول كثيرين الإسلام وهم يحملون أصنامهم التي يتقرّبون إليها .. ويستخدمها في تضليل الناس وتعليمهم أن إسلام المرء يتحقّق وهو يعبد غير الله. أو يتمسّكون بقوله في الأعراب وحدثاء العهد بالإسلام الذين يحكمون بالعادات ويظنُّونها عدلاً فيستخدمون قوله في تضليل الناس وتعليمهم أن العمل بالقوانين الوضعية التي استبدلت بالقرآن لا يؤثر في إيمان المرء وإسلامه فصاروا ضالِّين مضلّين، يقولون على الله بغير علم ويفترون الكذب على علماء السنة ويصدون عباد الله عن صراطه المستقيم. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾  [السجدة: 22].

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved