Get Adobe Flash player

السؤال الأول: هل يكفَّر التابعون لأحكام الحكومات الكافرة عموما أم يفرّق بينهم على حسب عقائدهم، فيكفّر من وافق الحكومات في الاعتقاد خاصة دون من خالفهم في الاعتقاد وتابعهم في العمل ؟

الجواب: يجب على كل مسلم أن يؤمن بكل الحقائق التي ثبتت بالأدلة الصحيحة  من الكتاب والسنة وأن يتجنّب مجاراة الهوى والشيطان  الذي يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، ومن أهمّ الحقائق التي إذا عرفها طالب الحقّ زالت عنه الشكوك والوساوس الشيطانية حول عقيدة الولاء والبراء ما يأتي:

(الأولى) إن أول ما دعت إليه رسل الله هو "عبادة الله وحده والكفر بالطاغوت واجتنابه" ومن استجاب لذلك فقد استجاب للإسلام ولشهادة أن لا إله إلا الله.

قال تعالى:﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النجل: 36].

وقال تعالى:﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: 256].

ومن أنكر هذه الدعوة ولم يستجب لها واسترسل في طاعة الطاغوت بدلاً من طاعة الله واتّباع كتابه فقد بيّنت الآيات أن لم يدخل في الإسلام الذي دعت إليه الرسل. ومن ادّعى أنّ إسلام المرء يتمّ قبل أن يجتنب طاعة الطاغوت والعمل بشرائعهم فعليه الدليل من الكتاب والسنة. ولا يمكن له ذلك لأن اتّباع الطاغوت وإشراكه بالله -المستحقّ لإخلاص الطاعة والإتّباع- شرك بالله وفاحشة عظيمة، والله لا يأمر بالفحشاء، بل إن كتاب الله صريح في كفر المعرض المتولي عن الاستجابة لهذه الدعوة كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾  [آل عمران: 64].

فمن ذلك تعلم أن الرضى بالشرائع البشرية المخالفة لكتاب الله والعمل بها كفرٌ مستقل، فلا يكون فاعل ذلك أبداً صحيح الاعتقاد: هذا في الإنسان الذي بلغته دعوة الإسلام أما الذي لم تبلغه هذه الدعوة ولم يعرف التوحيد الذي دعت إليه الرسل ولم يعرف أن الله أنزل كتاباً بيَّن فيه كل شيء .. فهذا كافرٌ جاهلٌ يجب تعليمه وإقامة الحجة عليه قبل قتله بكفره.

(الثانية) قد اتّفق السلف على أن الإيمان المطلوب من العباد: "قولٌ وعملٌ ونيةٌ" كما هو معلوم، فعند ما يؤمر العبد بأن يؤمن بالله فقد أمر بتوحيد الله ونفيه عن الشركاء والأنداد. ولا يصحّ هذا "التوحيد" حتى يكون "قولاً وعملاً ونيةً". فلا يكون أحدٌ موحّداً وقلبه خال من معرفة التوحيد أو يشك فيه أو يستيقنه ولكنه يبغضه ويستكبر عنه لهوى في نفسه كما دلّت عليه الأدلة من الكتاب والسنة.

· فقد دلّ كتاب الله على أن أهل الشرك كان منهم جهالٌ يتعجّبون من "التوحيد" وليس لهم علم به كقوله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاّ اخْتِلاقٌ﴾  [ص: 5-7].

والمسلم هو الذي اعتقد التوحيد بعد علمه به:

قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ اللهُ﴾ [محمد: 19]. وقال: ﴿إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾  [الزخرف: 86].  قال الإمام البخاري: "باب العلم قبل القول والعمل".

· ودل كذلك على أنه كان منهم من يشك في التوحيد: كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ...﴾ [يونس: 104].  ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾  [الدخان: 9]. ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾  [إبراهيم: 9].

والعجب من يقول بكفر "الشاك" في التوحيد ولا يقول بكفر الجاهل، مع أن الشكّ مرتبة أعلى من الجهل المحض، فإذا كان الشاكّ يكفر فالجاهل أولى بذلك منه.

وجاء في الصحيح: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاك فيحجب عن الجنة". وجاء كذلك: "اذهب فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشّره بالجنة".

· ودلّ كذلك على أنه كان منهم مستكبرون استيقنت قلوبهم الحقّ ولكنهم عاندوا وأنكروا  استكباراً، كقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: 102]. كقوله تعالى:﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].

· ومن صحّت نيّته وسلم اعتقاده فإن ذلك يقتضي منه القول والعمل بما دلّت عليه كلمة التوحيد. ومن ادّعى أنه يعتقد التوحيد وقال الكلمة ولكنه عمل بخلافها وعبد مع الله غيره فإن عمله ذلك دليلٌ على فساد النية والسريرة ولا يكون مسلماً حتى ينخلع عن ذلك العمل الذي هو عبادة غير الله معه. كما جاء في الحديث: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله عزّ وجلّ". [مسلم]. أما من قال الكلمة وعمل بما دلّت عليه في الظاهر مع إنكار قلبه لها فإنه يكون منافقاً في الدرك الأسفل من النار.

· وكما لا يصح "الإيمان بالله" إلا أن يكون قولاً وعملاً ونيةً فكذلك لا يصحّ الإيمان بالكتاب حتى يكون "قولاً وعملاً ونية". فمن قال أنا أؤمن بالقرآن أنه كتاب الله ولكني أُحب أن أعمل "بالتوراة". أو بما هو أحطّ منْزلة من التوراة من شرائع البشر، فإن هذا القائل لا يعدّ مؤمنا بالقرآن حتى يحبّ العمل به دون غيره وهذا بيِّنٌ إن شاء الله لا يحتاج إلى دليل.

ومن أراد دليلاً يكفيه أن يعرف أن أهل الكتاب كانوا يدّعون الإيمان بالله واليوم الآخر وأنّ الله نفى ذلك عنهم وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآَخِرِ...﴾  [التوبة: 29].

فدلّ ذلك على أنه قد توجد حالات يظن الإنسان فيها أنه على طريق النجاة والإيمان وهو على عكس ذلك على الخسران المبين.

(الثالثة) بيَّن كتاب الله أن المجتمع الكافر كان دائماً يتمثّل في قيادة مطاعة مستكبرة عن أمر الله وجماهير من الناس تنفذ إرشاداتها وأوامرها وبيّن تعالى أنهم سواء في أحكام الدنيا والآخرة.

قال تعالى:﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾[القصص: 8].

وقال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾[الذاريات: 40]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ...﴾ [غافر: 47].

وأخبر تعالى أنهم يقولون وهم في النار: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾  [الأحزاب: 67].

وأخبر كذلك أن أغلبية من اتّبع الجبابرة يشبهون الأنعام في قلّة التفكير. كقوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44].

وعندما يأتي كل رسول بالإسلام لم يكن مأموراً بأن ينظر في حالة كل فرد بمفرده ويعطيه حكما خاصاً، كأن يقول: "هذا جاهل وهذا سفيه وهذا خائف وهذا مكره وهذا لم تقم عليه الحجة وهذا صغير .. الخ". وإنما كان مأموراً بأن يصدع بالحق فمن استجاب فهو المؤمن الناجي ومن أعرض وتولى فهو الكافر الخاسر، وهذه هي طريقة مواجهة كل قوة بشرية اجتمعت على غير التوحيد، وهي طريقة رسل الله الكرام على مدار التاريخ. وسيرة النبي صلّى الله عليه وسلّم وخلفائه الراشدين ومن بعدهم من الأمراء والقادة لا تدلّ إلا على هذا الذي قرّرناه، فقد كانوا يكاتبون الملوك القادة ويدعونهم إلى الإسلام فإن أبو عرضوا عليهم الجزية فإن أبو قاتلوهم واستحلُّوا دماء وأموال كل من يعيش في ظلّ حكومة هذا الملك .. وسبوا من قدروا عليه من النساء والذراري. والمسلم مأمور بأن يتأسى برسل الله فلا ينبغي أن يتكلّف في بحث طريقة جديدة لمواجهة الجاهلية وإنما عليه أن يصدع بالحق ليتميّز الصالح من الطالح. كما قال الإمام مالك رحمه الله: "السنة كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها عطب.

ونحن اليوم أمامنا مجتمعات بشرية اجتمعت على الضلال، وكل مجتمع منها يتكوّن من قادة أمراء وعامة مأمورين. والعامة ترى أن مصلحتها في طاعة أمرائها وكلهم يعادون الحقّ وأهله ويتطيّرون بدعاة الإسلام الخالص من شوائب الشرك. وهذا الواقع الثقيل الذي أمامنا وقع بقدر الله وهو من البلاء المبين الذي يمحص به المؤمنين ويميّزهم من الخبثاء الراضين بالدنيا الفانية. وعلى المؤمن أن يعلم أنه مأمور باجتناب الطاغوت بشرياً كان أو حجريا. ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر:17].

وأنه مأمور باتّباع سبيل المنيبين إلى الله: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾  [لقمان: 15].

ومأمور كذلك بمخالفة سبيل المفسدين:﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾  [الأعراف: 142].

(الرابعة) إذا عرفت هذه الحقائق الثلاث وعرفتَ أن الراضي بشرائع الجاهلية ليس مستجيباً لدعوة الرسول إلى توحيد الله واجتناب الطاغوت -أيا كان نوعه- وليس كذلك مؤمنا بالقرآن، فاعرف كذلك أن الله نفى عن المتحاكمين إلى الطاغوت "الإيمان" فقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]. وهم كانوا يزعمون الإيمان كما تدل عليه الآيات التي قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 60].

فإرادة التحاكم وحدها ممن يزعم الإيمان بالله وبالقرآن دلّت على كذب زعمه ودعواه. فكيف بمن نفذ إرادته وعمل بشرائع الطاغوت وعقد العزم على التزامها مدى الحياة. وكيف يكون حال من أثبت لهم الإيمان الذي نفاه العليم الخبير عنه، أليس يكون معارضا لله ولكتابه.

ومن ظنّ أن المتحاكمين إلى الطاغوت الراضين بشرعه يجب التفريق بينهم على حسب الاعتقاد فقد ضلّ سواء السبيل، لأنّهم لا يكونون إلا على إحدى حالتين:

الأولى: كونهم يقولون: "لا نعتقد أن القرآن حقٌّ أو أنه عادل أو صالحٌ للحكم بين الناس" وهؤلاء أمرهم بيِّنٌ وردّتهم ظاهرةٌ إذا كانوا قبل ذلك مسلمين.

الثانية: كونهم يزعمون أنهم مؤمنون بالقرآن مع احتكامهم إلى غيره، وهؤلاء لا يجوز أن نُصدِّق زعمهم لأن القرآن نفى الإيمان عن المريد فكيف نُثبت الإيمان للمريد الفاعل المصرّ على ذلك.

إن الإنسان المسلم البالغ العاقل يكفر إذا تكلّم بكلمة الكفر ما لم يكن مكرها كما دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآَخِرَةِ﴾ [النحل: 106-107].

فإذا كان الإنسان المسلم يكفر بقوله: "الصنم يستحقّ العبادة مع الله" فهل تراه يكفر بعبادته للصنم كسجوده له وطوافه به إذا لم ينطق بكلمة الكفر؟ كل عاقل فضلاً عن العالم يعلم أنه يكفر بذلك. لأن الكلمة إنما تقال للتطبيق العملي فمن طبقها فقد حقّق المقصود من الكلمة وإن سكت عن النطق. وإذاً فلا ينتظر من عابد الصنم أن يقول بلسانه "الصنم يستحقّ العبادة" ليُكفَّر لأنه قد كفر بهذه العبادة، وكذلك العامل بشرائع الجاهلية الذي يطبقها في شئون الحياة أو الذي يتحاكم إليها لا ينتظر منه أن يقول: "شريعة الطاغوت تستحقّ الاتّباع دون القرآن" كي يصير كافراً، وإنما يكفر برضاه بها واتّخاذه إياها شريعة تنافس شريعة الله.

وهذه الحقائق الأربعة كافية إذا تدبّرها الإنسانُ لأن يعلم حكم الرّاضين بشرائع الجاهلية وأن حكمهم حكم الطواغيت التي يعبدونها  بالطاعة من دون الله، وأن يعلم كذلك أن عقائد الجميع فاسدة وزعمهم غير مقبول إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان.

فوائــد :

(1) من عقيدة المرجئة الجهمية أن الإنسان الجاهل الذي لم تبلغه الرسالة الإلهية لا وزن لأفعاله القبيحة كالشرك بالله والفواحش المحرّمة وهي كفعل الأطفال والمجانين وإنما صارت سيئات وقبائح بعد النهي ومجيء الرسول، وهذه العقيدة ردّها الإمام ابن تيمية في الفتاوى م 11 ص: 676 وما بعدها وقرّر أن ما يفعله الجاهل المشرك سيئات وقبائح ولكن لا يعاقبه الله على ذلك إلا بعد مجيء الرسول. وقد استدلّ الإمام بأدلّة كثيرة منها أن الله وصف فرعون مصر بأفعاله السيئة كقوله: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: 17]. ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4]. ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾  [طه: 39]. ولكن الله عذّبه بكفره بعد مجيء الرسول. واستدلّ كذلك بالحديث: "إنا كنا في جاهلية وشرّ".

(2) ومن عقيدة المرجئة الجهمية كذلك أن الإيمان هو المعرفة والتصديق القلبي وأن الكفر هو الجحود وانتفاء التصديق القلبي. ويقولون إن الإنسان إذا بلغه العلم وصدقه بقلبه فهو مؤمن كامل الإيمان، ولو حارب الرسول وقتل أولياء الله المؤمنين وترك الصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من أعمال البرّ واستباح كل محرّمات الله. وهذه العقيدة الفاسدة ردّها الإمام ابن تيمية ردّاً شافياً في كتاب الإيمان من مجموع الفتاوى (مجلد 7).

وعندما تكون هذه العقيدة أو بقية من رواسبها في ضمير الإنسان فإنه يخطئ -لا محالة- في فهم مراد العلماء من أهل السنة عند ما يقولون عن إنسان إنه كفر اعتقاداً أو يقولون: إن اعتقاده ثابت ولكنه وقع في كفر عمليّ. أن ذلك الاعتقاد الذي يذكره علماء السنة أوسع وأشمل من المعرفة المجرّدة والتصديق القلبي، خذ لذلك بعض الأمثلة:

(‌أ) إن الإنسان إذا بلغه الحقّ وعرف من قلبه أن هذا "صدقٌ" ولكنه استكبر عن الإذعان والخضوع فهو كافرٌ اعتقاداً عند أهل السنة وكفره كفرُ اعتقاد ودليلهم قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].

وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾  [الإسراء: 102].

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾  [البقرة: 34].

(‌ب) وإذا بلغه الحقّ وعرف من قلبه أنه صدقٌ ولكنه كرهه وأبغضه لهوىً في نفسه فهو كافرٌ اعتقاداً عند أهل السنة سواء عمل به أو لم يعمل به ودليلهم قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد :9].

(‌ج) وإذا بلغه الحقّ وعرف من قلبه أن هذا "صدقٌ" وعمل به ولكنه عابه واستهزأ به فهو كافرٌ بالله وكفره كفر اعتقاد عند أهل السنة ودليلهم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 66].

(‌د) وإذا بلغه "الحقّ" وعرف من قلبه أنه حقّ وصدق ولكن منعه من الانقياد له حبه وتعظيمه لمخلوق كسيد القبيلة أو الشيخ الذي يأمره بخلاف أمر الله فهذا كافرٌ وكفره كفر اعتقاد عند أهل السنة لحبّه وتعظيمه لغير الله حبا وتعظيما أكبر من حبه وتعظيمه لله، كما يدلّ عليه تقديمه لأمر غير الله على أمر الله وهذا هو الشرك بعينه، وهذا المثال هو الذي ذكره الإمام ابن تيمية في الفتاوى (كتاب الإيمان) عندما تحدث عن حكم الذين اتّخذوا الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله فقال: "وهؤلاء الذين اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرّم الله يكونون على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدّلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ الله اتّباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شركاً وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم –فكان من اتّبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء-"  (الفتاوى: م7 ص:70].

وهذا كقوله الإمام ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121]. "أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك".

وقول هذين الإمامين هو الحقّ والظاهر أنهم يقرّرون أن الإنسان إذا عرف الحقّ ولكنه عمل بخلافه بسبب تعظيمه لغير الله فإنه يكون  مشركاً بالله خارجاً عن الملّة اعتقاداً، وهذا كذلك هو الذي حملنا على البراءة من المشركين المعاصرين الذين تركوا القرآن وهم يعلمون بنُزوله ويعلمون بعدالة أحكامه مجاراة لهوى أكابرهم الذين لا يريدون القرآن فقدموا أقوال العبيد على أقوال رب العالمين، وحينئذ حقّ علينا أن نكفّرهم ونتبرّأ منهم حتى يؤمنوا بالله وحده.

وقال الإمام ابن تيمية في موضع آخر بعد أن تحدث عن إمكان خطأ الإمام:

قال: "ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول ثم اتّبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله لاسيما أن اتّبع في ذلك هواه ونصره باليد واللسان مع علمه أنّه مخالف للرسول فهذا شركٌ يستحقّ صاحبه العقوبة عليه".  [رفع الملام عن الأئمة الأعلام].

نقول: إذا كان المسلم يكفر إذا أطاع شيخه في مسألة واحدة قد خالف فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع علمه بالمخالفة. فكيف يكون حكم من خالف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المصدر والمرجع الذي يحكم كل مسائل الحياة، واتّبع الكفرة من الملحدين واليهود والنصارى وأطاع دساتيرهم  الوضعية ونبذ كتاب الله وراء ظهره .. فهل يشكّ في كفر هذا مسلم فضلاً عن عالم.

(3) إن المسلم إذا دعاه إنسان إلى فعل ذنب كشرب الخمر فاستجاب وشرب معه وهو معترف بجريمته وجريمة صاحبه ولكن غلبته شهوته مع كراهية قلبه لفعل الحرام ولم يزل من قلبه الخوف من الله ومن عذاب النار فهذا فعل الحرام باختياره "وهذا له حكم أمثاله من أهل الذنوب" كما قاله الإمام ابن تيمية بعد كلامه السابق في الذين اتّخذوا الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله.

(4) ودلّ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: 107]. على أن الذي يحمل الناس على الكفر بالله هو استحبابهم للحياة الدنيا على الآخرة. وهذا في الحقيقة هو الذي يجعل المنتسبين إلى الإسلام العالمين بوجود كتاب الله .. ينبذونه وراء ظهورهم كما فعلت اليهود، فما لنا وللدفاع عن قومٍ وصمهم  ربهم بالكفر بسبب استحبابهم للحياة الدنيا على الآخرة، ومن ذا الذي هو أعلم من الله بعباده وأرحم، وهذه الآية مع الآيات التي قبلها ترشدنا إلى أن نعلم أن الله أعذر المكره على الكفر ولم يعذر الذي يتكلّم بالكفر حرصا على المكاسب الدنيوية.

ومن قال أن الله وإن لم يعذر هذا المتكلم بالكفر الحريص على الدنيا فإنه أعذر العامل بالكفر الحريص على الحياة الدنيا .. من قال بهذا فليأتنا بدليل مقنع ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾  [البقرة: 24].

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved