Get Adobe Flash player

س: ما هو ضابط إقامة الحجّة ؟

جـ: قُلنا أنّ الإنسان إذا بلغه كلام الله وخلا من شيء يُعذر به تكون الحجّة قد قامت عليه، ولكن هذه الحجّة على مرتبتين:

(الأولى) هي البلوغ العام: فمن بلغه البلوغ العام، وعلم أنّ الله أوجب على العباد التوحيد ونبذ الشرك، والإيمان بالرسول صلّى الله عليه وسلّم وبما جاء به، فقد قامت عليه الحجّة واستحقّ العقوبة في الدنيا والآخرة.

(الثانية) البُلوغ الخاص التفصيليّ: فمن بلغته التفاصيل الشرعية فقد قامت عليه الحجّة وصار مكلّفاً، فإن ردّ الله واستحلّ المخالفة صار مُرتدّاً، وإن آمن بِها ولكنّه أخلّ ببعضها وعصى ربَّه وهو يعلمُ استحقاقه للعقوبة بسبب المخالفة فهو عاصٍ وتحت مشيئة الله في الآخرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116].

وإليك بعض الأمور التي لها علاقة بموضوع إقامة الحجّة وهي:

(أولاً) أنّ المشرك الذي يعبد مع الله غيره حكمه في الدنيا أنّه كافرٌ مشركٌ، سواءً بلغته الرسالة أو لم تبلغه.

قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البيّنة: 1].

وقال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: 17].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:4]

وقال تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: 39].

قال الإمام ابن تيمية: "فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة؛ فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى، ويجعل له أنداداً قبل الرسول ويثبت أنّ هذه الأسماء مقدم عليها وكذلك اسم الجهل والجاهلية يقال‏:‏ جاهلية وجاهلا قبل مجيء الرسول وأما التعذيب فلا‏". [مجموع الفتاوى: 20/37-38].

(ثانياً) إنّ الله لا يُعذّب أحداً قبل بلوغ الحجّة إليه. فالكافر الذي لم تبلغه الرسالة لا يعاقبه الله، كما دلّت عليه الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15]. ولا يدخل الجنّة في الآخرة كما دلّ عليه الحديث: «ولا يدخل الجنّة إلاّ نفسٌ مسلمةٌ» [متّفق عليه].

وحكمه في الآخرة كحكم من لم تبلغه الرسالة كالشيخ الهرم والأصمّ والمجنون، الذين يمتحنون -كما جاء في الرواية- فيكون بعضهم إلى الجنّة وبعضهم إلى النار.

قال الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه "طريق الهجرتين – ص: 411": "بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعذّب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول.

هذا في الجملة والتعيين موكول إلى علم الله عزّ وجلّ وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب. وأما في أحكام الدنيا فهي جارية مع ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم".

(ثالثاً) إنّ المسائل الدِّينية ليست كلّها على مرتبة واحدة في تكفير الجاهل بِها أو عدم تكفيره، بل يُمكن تقسيمها إلى الأقسام الآتية :

المسألة التي هي أصل الإسلام: أي: عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بكلّ ما يُعبد من دون الله، والإيمان بالرسول صلّى الله عليه وسلّم وبكلّ ما جاء به من عند الله. فالجاهل بِهذه المسألة هو الكافر الجاهل، فمن سمّاه كافراً، فهو يقصد أحكام الدنيا الجارية على ظاهر الأمر. ومن قال: إنّه معذورٌ بجهله، أو قال: لا تكفير قبل ورود الشرع، فهو يقصد أحكام الثواب والعقاب التي يشترط لها قيام الحجّة .. ولم يقُل أحدٌ من السلف أنّ الكافر الجاهل بأصل الإسلام يُعامل في الدنيا كمعاملة المسلمين.

المسائل الظاهرة المعلومة من الدِّين بالضرورة:، كالصلاة والزكاة والصيام والحجّ وبرّ الوالدين والجهاد وتحريم الخمر والميسر والزنا والرِّبا وغير ذلك. هذه المسائل وأمثالها لا يُمكن أن يجهلها المسلم يعيش بين المسلمين، فمن أنكرها اُستُتِيبَ. ولم يعذر أحدٌ بالجهل إلاّ من كان حديث عهدٍ بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن مظان العلم.

المسائل النظرية: التي لا تُعلم بالضرورة، والتي لها دليلٌ قطعيٌّ مجمعٌ عليه لا يكفر مُنكرها قبل إقامة الحجّة عليه لجهله وخفائها. ويجب إزالة الشبهة والإشكال عنه قبل معاقبته.

المسائل الخفية: التي تبيّن الحقّ فيها لأهل الحقّ، وخالفتْها الفِرقُ الضالّة التي تظنُّ أنّها على هدىً مُستقيم. فهذه لا يُكفَّرُ بإنكارها إلاّ العالم المعاند بعد ظهور الحجّة وقيامها عليه.

المسائل الاجتهادية: التي ليس لها دليلٌ قطعيٌّ، واختلف فيها الفقهاءُ، فهذه لا يُعاقبُ أحدٌ عليها، ويُعذر فيها كلّ مجتهدٍ باجتهاده، كما اختلف الصحابة في مسائل كثيرة دون أن يكفّر بعضهم بعضاً.

وأخيراً أختم الحديث بكلام نفيس للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في هذا الموضوع: إن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها .. إلخ

يشمل كلامه من لم تبلغه الدعوة وقد صرح بذلك في موضع آخر. ونقل عقيل عن الأصحاب أنه لا يعاقب. وقال إن عفو الله عن الذي كان يعامل لأنه لم تبلغه الدعوة وعمل بخصلة من الخير، واستدل لذلك بما في صحيح مسلم مرفوعا: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) قال في شرح مسلم: خص اليهود والنصارى لأن لهم كتابا، قال: وفي مفهومه أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور.  قال: وهذا جار على ما تقرر في الأصول (لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح). انتهى

وقال القاضي أبو يعلى في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. في هذا دليل على أن معرفة الله تعالى لا تجب عقلا، وإنما تجب بالشرع وهو بعثة الرسل وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار. انتهى

وفي من لم تبلغه الدعوة قول آخر أنه يعاقب اختاره ابن حامد واحتج بقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]. والله أعلم.

فمن بلغته رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم وبلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، فلا يعذر بعدم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فلا عذر له بعد ذلك بالجهل، وقد أخبر الله سبحانه بجهل كثير من الكفار مع تصريحه بكفرهم ووصف النصارى بالجهل مع أنه لا يشك مسلم في كفرهم، ونقطع أن أكثر اليهود والنصارى اليوم جُهال مقلدون، ونعتقد كفرهم وكفر من شك في كفرهم.

وقد دل القرآن على أن الشك في أصول الدين كفر، والشك هو التردد بين شيئين كالذي لا يجزم بصدق الرسول ولا كذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه ونحو ذلك كالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوبها، أو لا يعتقد تحريم الزنا أوعدم تحريمه، وهذا كفر بإجماع العلماء، ولا عذر لمن كان حاله هكذا بكونه لم يفهم حجج الله وبيناته لأنه لا عذر له بعد بلوغها له وإن لم يفهمها، وقد أخبر الله عن الكفار أنّهم لم يفهموا فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: 25]. وقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 30].

فبين سبحانه أنهم لم يفقهوا فلم يعذرهم لكونهم لم يفهموا بل صرح القرآن بكفر هذا الجنس من الكفار كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 103-105].

قال الشيخ أبو محمد موفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى لما أنجز كلامه في مسألة: هل كل مجتهد مصيب أم لا؟ ورجح أنه ليس كل مجتهد مصيب بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين، قال: "وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم. إلى أن قال ... وأما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينا وكفر بالله تعالى وردّ عليه وعلى رسوله، فإنّا نعلم قطعا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم وقاتل جميعهم، يقتل البالغ منهم ونعلم أن المعاند العارف ممن يقل، وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليدا ولم يعرفوا معجزة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وصدقه.

والآيات الدالة في القرآن على هذا كثيرة كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: 27].

﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: 23].

﴿إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: 24]. وقوله: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: 18]. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 30].

﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: 103-105].

وفي الجملة ذم المكذبين لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا ينحصر في الكتاب والسنة. انتهى

فبيَّن رحمه الله تعالى أنا لو لم نكفر إلا المعاند العارف لزمنا الحكم بإسلام أكثر اليهود والنصارى، وهذا من أظهر الباطل .

فقول الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى: "إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة". يدلُّ كلامه على أن هذين الأمرين وهما التكفير والقتل  ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقا بل على بلوغها، ففهمها شيء وبلوغها شيء آخر، فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة، وهذا بين البطلان بل آخر كلامه رحمه الله يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس، وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة، كالجهل ببعض الصفات.

وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة، ولم يعذرهم بالجهل مع أنا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها فلو علموا أنها كفر تخرج عن الإسلام لم يفعلوها، وهذا في كلام الشيخ رحمه الله تعالى كثير كقوله في بعض كتبه: "فكل من غلا بنبي أو رجلٍ صالح وجعل فيه نوع من الإلهية مثل أن يدعوه من دون الله، نحو أن يقول: يا فلان أغثني أو اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو أجبرني أو توكلت عليك وأنا في حسبك وأنت حسبي، ونحو هذه الأقوال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل".

وقال أيضا: فمن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم، كفر إجماعا .

وقال: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة في كنائسهم قربةٌ إلى الله فهو مرتدٌّ، وإن جهل أن ذلك محرم، عرف ذلك، فإن أصرَّ صار مرتداً.

وقال: من سب الصحابة أو واحدا منهم أو اقترن بسبه دعوى أن عليا إله أو نبي أو أن جبريل غلط فلا شك في كفر هذا بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره

وقال أيضا: من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا نفر قليلا لا يبلغون بضعة عشر أو أنهم فسقوا فلا ريب في كفر قائل ذلك بل من شك في كفره فهو كافر. انتهى

فانظر كيف كفر الشاك، والشاك جاهلٌ، فلم ير الجهل عذراً في مثل هذه الأمور.

وقال رحمه الله في أثناء كلام له: "ولهذا قالوا من عصى مستكبرا كإبليس كفر بالاتفاق ومن عصى مشتبها لم يكفر عند أهل السنة، ومن فعل المحارم مستحلا فهو كافر بالاتفاق، قال: والاستحلال اعتقاد أنها حلال وذلك يكون تارة باعتقاد أن الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية أو الرسالة ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها ثم يمتنع من التزام هذا التحريم ويعاند فهذا أشد كفرا ممن قبله". انتهى

وكلامه رحمه الله في مثل هذا كثير. فلم يخص التكفير بالمعاند مع القطع بأن أكثر هؤلاء جهال لم يعلموا أن ما قالوه أو فعلوه كفر، فلم يعذروا بالجهل في مثل هذه الأشياء لأن منها ماهو مناقض للتوحيد الذي هو أعظم الواجبات، ومنها ما هو متضمن معارضة الرسالة ورد نصوص الكتاب والسنة الظاهرة المجمع عليها بين علماء السلف .

وقد نص السلف والأئمة على تكفير أناس بأقوال صدرت منهم مع العلم أنهم غير معاندين .

ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله تعالى: من جحد وجوب عبادة من العبادات الخمس أو جحد حل الخبز ونحوه أو جحد تحريم الخمر ونحوه أو شك في ذلك، ومثله لا يجهله كفر، وإن كان مثله يجهله عرف ذلك، فإن أصر بعد التعريف كفر وقتل ولم يخصوا الحكم بالمعاند. وذكروا في باب حكم المرتد أشياء كثيرة أقوالا وأفعالا يكون صاحبها بها مرتدا ولم يقيدوا الحكم بالمعاند .

وقال الشيخ أيضا: لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمر كقدامة وأصحابه وظنوا أنها تباح لمن آمن وعمل صالحا على ما فهموه من آية المائدة قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: 93]. اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جلدوا، فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة حتى يبين لهم الحق فإن أصروا كفروا .

وقال أيضا: "ونحن نعلم بالضرورة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأحياء والأموات -لا الأنبياء ولا غيرهم- لا بلفظ الاستغاثة ولا بلفظ الاستعانة ولا بغيرهما، كما أنه لم يشرع لهم السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول". انتهى

فانظر إلى قوله لم يمكن تكفيرهم حتى يبين لهم ما جاء به الرسول، ولم يقل حتى يتبين لهم وتتحقق منهم المعاندة بعد المعرفة.

وقال أيضا لما أنجز كلامه في ذكر ما عليه كثير من الناس من الكفر والخروج عن الإسلام قال: "وهذا كثير غالب لا سيما في الأعصار والأمصار التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق، فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال مالا يتسع لذكره المقال .

وإذا كان في المقالات الخفية فقد يقال أنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين الإسلام بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم بعث بها وكفر من خالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيين أو غيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك، ثم تجد كثيرا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك أو يعودون، إلى أن قال: وبلغ من ذلك أن منهم يصنفون في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين وإن كان قد تاب عنه وعاد إلى الإسلام". انتهى

فانظر إلى تفريقه بين المقالات الخفية والأمور الظاهرة فقال في المقالات الخفية التي هي كفر: قد يقال أنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها ولم يقل ذلك في الأمور الظاهرة .

فكلامه ظاهر في الفرق بين الأمور الظاهرة والخفية. فيكفر بالأمور الظاهر حكمها مطلقا، وبما يصدر منها من مسلم جهلا، كاستحلال محرم أو فعل أو قول شركي بعد تعريف، ولا يكفر بالأمور الخفية جهلا كالجهل في بعض الصفات فلا يكفر الجاهل بها مطلقا وإن كان داعية، كقوله للجهمية: أنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال.

وقوله ( عندي ) يبين أن عدم تكفيرهم ليس أمرا مجمعا عليه لكنه اختياره .

وقوله في هذه المسألة خلاف المشهور في المذهب. فإن الصحيح من المذهب تكفير المجتهد الداعي إلى القول بخلق القرآن أو نفي الرؤيا أو الرفض و نحو ذلك وتفسيق المقلد .

قال المجد ابن تيمية رحمه الله: "الصحيح أن كل بدعة كفرنا فيها الداعية فإنا نفسق المقلد فيها، كمن يقول بخلق القرآن أو أن علم الله مخلوق، أو أن أسماءه مخلوقة أو أنه لا يرى في الآخرة، أو يسب الصحابة تدينا، أو أن الإيمان مجرد الاعتقاد، وما أشبه ذلك، فمن كان عالما في شيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر عليه فهو محكوم بكفره. نص أحمد على ذلك في مواضع". انتهى.

فانظر كيف حكموا بكفرهم مع جهلهم، والشيخ رحمه الله يختار عدم كفرهم ويفسقون عنده .

ونحوه قول ابن القيم رحمه الله تعالى فإنه قال: وفسق الاعتقاد كفسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويحرمون ما حرم الله، ويوجبون ما أوجب الله ولكن ينفون كثيرا مما أثبت الله ورسوله جهلا وتأويلا وتقليدا للشيوخ، ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك، وهؤلاء كالخوارج المارقة وكثير من الروافض والقدرية والمعتزلة وكثير من الجهمية الذين ليسوا غلاة في التجهم.

وأما غلاة الجهمية فكغلاة الرافضة ليس للطائفتين في الإسلام نصيب، ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وقالوا: هم مباينون للملة. انتهى

وبالجملة فيجب على من نصح نفسه أن لا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام  بمجرد فهمه واستحسان عقله فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه أعظم أمور الدين، وقد كفينا بيان هذه المسألة كغيرها بل حكمها في الجملة أظهر أحكام الدين .

فالواجب علينا الاتباع وترك الابتداع كما قال ابن مسعود رضي الله عنه "اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم" وأيضا فما تنازع العلماء في كونه كفرا فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم صلّى الله عليه وسلّم

وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب و السنة مع الإجماع بأنه مسلم.

ومن العجب أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة أو البيع لم يفتي بمجرد فهمه واستحسان عقله، بل يبحث عن كلام العلماء ويفتي بما قالوه فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم الذي هو أعظم أمور الدين وأشد خطرا على مجرد فهمه واستحسانه ؟، فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين، ومحنته من تينك البليتين .

نسألك اللهم أن تهدينا الصراط المستقيم صراط الذين  أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. [الدرر السنية في الأجوبة النجدية: جـ10/364-375].

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved