Get Adobe Flash player

س: ما الفرق بين الإسلام الحقيقيّ والحُكميّ ؟

جـ:  هناك فرقٌ بين الإسلام الحقيقيّ والحُكميّ، يتبيّن لك واضحاً من البيان الآتي:

(أولاً) الإسـلام الحقيقيّ:

هو مجموع الأمور التي تجعل العبد مؤمناً بالله ظاهراً وباطناً، وتُخرجه من الحزب الكافر في الدنيا والآخرة. وهذه الأُمور تتمّ بتحقيق "أصل الإيمان" الذي هو: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشرّه». وتحقيقه هو: "اعتقاد وعمل بالقلب، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالجوارح".

والمراد بـ"أن تؤمن بالله": أن تستيقن بأنّ الله تعالى هو وحده فاطر السماوات والأرض، ومالك الملك، ومدبّر الأمر الذي يُحيي ويُميتُ، والذي إذا قضى أمراً فإنّما يقول له: كُن فيكون، والذي قد أحاط بعباده علماً. وهذا القدر من الإيمان قد أقرّ به المشركون، ولم يكونوا بذلك مؤمنين ولا مسلمين، لأنّهم كانوا يشركون بالله مع هذه المعرفة.

قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]

وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 9].

وقال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ . فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 31-32].

وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ .سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 84-89].

ولذلك فإن "الإيمان" الذي أنكره المشركون والذي عوقبوا لأجله هو: إفراد الله سبحانه بالعبادة، أي: بالدعاء والخوف والرجاء والذبح والنذر والتوكّل والطاعة في التحليل والتحريم:

قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾      [يونس: 18].

وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم: 81].

وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121].

وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].

فوجب اعتبار من تلبّس بِهذا الشرك كافراً بالله، والبراءة منه، سواءً كان منتسباً إلى كتاب سماويّ كأهل الكتاب ومن سلك مسلكهم، أو لم يكن منتسباً إلى كتاب كمشركي العرب ومن شاكلهم من الوثنيين.

قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4].

قال الطبريُّ ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾: "حتى تصدِّقوا بالله فتوحِّدوه وتُفردوه بالعبادة".

فأوجبت هذه الآية على المؤمنين البراءة من كلّ من لم يُفرد الله تعالى بالعبادة، ولو كان أقرب قريبٍ .. والويلُ لمن جحد هذا الواجب وسمّاه بِدعةً في الدِّين، وهو يتلو الآيات المحكمات بُكرةً وأصيلاً.

ودين المشركين هو: "عبادة غير الله معه أو من دونه". ودين الرسل هو: "عبادة الله وحده لا شريك له". وقد أمرنا بأن نقول لأهل الشرك: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.

قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: 104-105]. فالتوحيد والبراءة من أهل الشرك متلازمان.

والتوحيد هو الإيمان بالله، فيجب أن يكون ذلك بالقلب، أي: أن يكون بالقلب العلمُ بالتوحيد، وأن يكون فيه اليقين والإخلاص والمحبّة والخوف والرّجاء. وهذه الأمور من عمل القلب.

والتوحيد يجب أن يكون باللسان، فينطق بالشهادتين، ويجب أن يكون بالعمل، وهو ترك الشِّرك والبراءة منه ومن أهله. فمن حقّق التوحيد صار به مؤمناً مُفارقاً لأهل الشرك في الدنيا والآخرة، وإن كانت له ذنوبٌ كثيرةٌ من دون الشرك.

 

(ثانياً) الإسـلام الحُكميّ:

وهو ما يجعل العبد معصوم الدم والمال، سواءً كان في الباطن من المؤمنين أو من المنافقين. والشروط التي من أتى بها عُصم مالُه ودمه وكُفّ عن قتله هي:

{الشرط الأول}: شهادة أن لا إله إلاّ الله مع الكفر بما يُعبد من دون الله:

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].

وقال تعالى: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].

وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: 256].

وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 64].

وفي الحديث: «الإسـلامُ أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً» [متّفق عليه].

وفي الحديث: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ. عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ. وَإِقامِ الصّلاَةِ. وَإِيتَاءِ الزّكَاةِ. وَحَجّ الْبيْتِ. وَصَوْمِ رَمَضَانَ». [مسلم].

وفي الحديث: «من قال لا إله إلاّ الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرُم ماله ودمه وحسابه على الله  عزّ وجلّ» [مسلم].

فدلّت هذه النصوص من الكتاب والسنّة على أنّ من أظهر شهادة أن لا إله إلاّ الله ولم يُظهر الشرك بالله فقد أظهر الإسلام مع بقية الشروط. ومن أظهر شهادة أن لا إله إلاّ الله وأظهر الشرك بالله فقد أظهر الكُفر وبطل إسلامه وحبط عمله وكان من الخاسرين.

قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[الزمر:65]

وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 88]

فالرسل إذا أشركوا -والعياذ بالله- لم يكن ينفعهم تلفظهم بالشهادتين كما دلّت آية الأنعام وآية الزمر عليه. والصحابة لو أشركوا -والعياذ بالله- لم يكن ينفعهم تلفظهم بالشهادتين كما دلّت عليه آية الأنعام: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121]. ودلّت عليه آية المائدة: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].

ومن أقرّ لأهل الإشراك بالإسلام لأجل نطقهم بالشهادتين كان مردوداً بِهذه الأدلّة وما شاكلها في الكتاب والسُّنّة.

{الشرط الثاني} شهادة أنّ محمّداً رسول الله، والإيمان بكلّ ما جاء به مُجملاً، كما جاء في الحديث الصحيح: «ويؤمنوا بي وبما جئتُ به». فمن أقرّ بالتوحيد ورسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم صار تائباً من الشرك والكُفر، ولكن لا تنفعه هذه التوبة إذا لم ينقد بالشرط الثالث.

{الشرط الثالث} إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصوم رمضان.

قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11].

وفي الحديث: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله. وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ. فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاّ بِحَقّهَا. وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله». [متّفق عليه].

فـائدة: إنّ الكفّار أصنافٌ مختلفة في العقائد والشعائر ولكن يجمعهم أنّهم أشركوا بالله، وفارقوا دين الرُّسل الذي هو: "أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً". فمنهم وثنيون يُنكرون النطق بكلمة التوحيد، ويُنكرون رسالة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ويعبدون الصالحين ويتحاكمون إلى الطاغوت. ومنهم أهل كتابٍ ينطقون بكلمة التوحيد، ويُنكرون رسالة الرسول صلّى الله عليه وسلّم ويعبدون الصالحين ويتحاكمون إلى الطاغوت. ومنهم منتسبون إلى الإسلام وإلى الإيمان برسالة الرسول ويعبدون الصالحين ويتحاكمون إلى الطاغوت. أو ارتدّوا عن الإسلام بغير ذلك. فمع كون الجميع كفّاراً لاتّفاقهم في استحلال الشرك بالله، فإنّ سلف الأمّة فرّقوا بينهم في عصمة الدم والمال، فأمروا بالكفّ عن الوثنيّ إذا قال "لا إله إلاّ الله"، وأمروا بقتال أهل الكتاب وإن قالوا لا إله إلاّ الله حتى يقولوا محمّد رسول الله، وأمروا بقتال بعض أهل الكتاب وإن نطقوا بالشهادتين حتى يقولوا "رسول الله إلى جميع الخلق". وأمروا بقتال المرتدين المنتسبين إلى الإسلام مع نطقهم بالشهادتين حتى يرجعوا عما كان سببا لردّتهم.

فيتحتّم على من أحبّ اتّباع منهج السلف أن يُفرِّق بين من يقول لا إله إلاّ الله وهو تائب من الشرك ويريد تحقيق الإسلام أي: عبادة الله وحده لا شريك له، وبين من يقول الكلمة في كفره.

وإليك من أقوال السلف ما يدلُّ على أنّهم كانوا أهل صدقٍ ونظرٍ إلى الحقائق، ولم يكونوا سطحيين ككثير من الدعاة السذج في هذا العصر.

قال الإمام الشافعيّ في "الأُمّ": والإقرار بالإيمان وجهان: "فمن كان من أهل الأوثان ومن لا دين له يدّعى أنّه دين النُّبوة ولا كتاب، فإذا شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله فقد أقرّ بالإيمان ومتى رجع عنه قُتل.

قال: ومن كان على دين اليهودية والنصرانية فهؤلاء يدّعون دين موسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهما وقد بدّلوا منه، وقد أُخذ عليهم فيهما الإيمان بمحمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكفروا بترك الإيمان به واتّباع دينه مع ما كفروا به من الكذب على الله قبله. فقد قيل لي: إنّ فيهم من هو مُقيمٌ على دينه يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، ويقول: "لم يبعث إلينا". فإن كان فيهم أحدٌ هكذا فقال أحدٌ منهم: "أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله" لم يكن هذا مستكمل الإقرار بالإيمان حتى يقول: "وأنّ دين محمّدٍ حقٌّ أو فرضٌ وأبرأ مما خالف دين محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم أو دين الإسلام"، فإذا قال هذا فقد استكمل الإقرار بالإيمان، فإذا رجع عنه أُستُتِيبَ، فإن تاب وإلاّ قُتل.

فإن كان منهم طائفةٌ تُعرَف بأن لا تُقرّ بنبوة محمّد صلّى الله عليه وسلّم إلاّ عند الإسلام، أو تزعم أنّ من أقرّ بنبوته لزمه الإسلام، فشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله فقد استكملوا الإقرار بالإيمان. فإن رجعوا عنه اُستُتِيبوا، فإن تابوا وإلاّ قُتلوا". [موسوعة الشافعيّ: المجلّد السابع. ص: 596].

قال أبو سليمان الخطابي في قوله صلّى الله عليه وسلّم : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» "معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان دون أهل الكتاب، لأنّهم يقولون "لا إله إلا الله"  ثم يقاتَلون ولا يُرفع عنهم السيف". [شرح مسلم: 1/206].

وقال القاضي عياض: "اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال "لا إله إلا الله" تعبيرٌ عن الإجابة إلى الإيمان، وأنّ المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأمّا غيرهم ممن يُقرُّ بالتوحيد فلا يكتفي في عصمه بقول "لا إله إلا الله" إذا كان يقولها في كفره"  ا ﻫ. [شرح مسلم: 1/206].

وقال البغويّ: "الكافر إذا كان وثنياً أو ثنوياً لا يُقرُّ بالوحدانية فإذا قال: "لا إله إلا الله" حُكم بإسلامه، ثم يُجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، ويبرأ من كلِّ دينٍ خالف دين الإسلام. وأمّا من كان مقراً بالوحدانية منكراً للنبوة فإنّه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله. وإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصةً، فلا بُدّ أن يقول: "إلى جميع الخلق". فإن كان كفره بجحود واجبٍ أو استباحةِ محرّمٍ فيحتاج أن يرجع عمّا اعتقده".ا ﻫ [فتح الباري: 12/ 279].

قال الخرقي: "ومن شهد عليه بالردّة فقال: ما كفرتُ، فإن شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله لم يكشف عنه شيء".

قال ابن قدامة الحنبلي في المغني: "وكلام الخرقي محمول على من كفر بجحد الوحدانية أو جحد رسالة محمّد صلّى الله عليه وسلّم

 أو جحدهما معاً .. فأمّا من كفر بغير هذا فلا يحصل إسلامه إلاّ بالإقرار بما جحده، ومن أقرّ برسالة محمّد صلّى الله عليه وسلّم

 وأنكر كونه مبعوثاً إلى العالمين، لا يثبت إسلامه حتى يشهد أنّ محمّداً رسول الله إلى الخلق أجمعين، أو تبرّأ مع الشهادتين من كلّ دينٍ يخالف الإسلام.

قال: وكذلك إنّ جحد نبياً أو آية من كتاب الله أو كتاباً من كتبه أو ملكاً من ملائكته الذين ثبت أنّهم ملائكة الله أو استباح محرّماً فلا بُدّ في إسلامه من الإقرار بما جحده.

وقال: أما من كفر بجحد نبي أو كتاب أو فريضة ونحوها فلا يصير مسلماً بذلك لأنّه ربّما اعتقد أنّ الإسلام ما هو عليه. فإن أهل البدع كلّهم يعتقدون أنّهم هم المسلمون ومنهم من هو كافرٌ". [المغني: (المجلّد الثامن- ص: 142-143)].

وذكر صاحب "منتقى الأخبار" في باب ‹‹ما يصير به الكافرُ مسلماً›› أربعة أحاديث:

(الأول): قصة اليهودي المريض الذي قال: "أشهد أن لا اله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه‏:‏ لُوا أخاكم‏)‏‏.‏ [رواه أحمد‏].‏

(الثاني): قصة اليهودي المريض الذي قال: "أشهد أن لا اله إلا الله وأنك رسول الله، فقال‏:‏ أقيموا اليهوديَ عن أخيكم ثم ولِيَ دفنه وجننه والصلاة عليه‏)‏‏.‏ [رواه أحمد‏].‏

(الثالث): حديث أنس ‏(‏أن يهوديًا قال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏:‏ أشهد أنك رسول الله، ثم مات. فقال رسول الله  ‏:‏ صلوا على صاحبكم‏)‏‏.‏ [رواه أحمد].‏

(الرابع): حديث ابن عمر في قتل خالد للذين قالوا: "صبأنا صبأنا"  وقوله صلّى الله عليه وسلّم: ‹‹ اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد›› مرتين‏  [رواه أحمد والبخاري].

قال الشارح وهو الإمام الشوكاني: "وقد استدل المصنف بأحاديث الباب على أنه يصير الكافر مسلمًا بالتكلم بالشهادتين ولو كان ذلك على طريق الكناية بدون تصريح كما وقع في الحديث الآخر‏.‏

وقد وردت أحاديث صحيحة قاضية بأن الإسلام مجموع خصال‏.‏ أحدها التلفظ بالشهادتين

منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي قال حدثني عمر بن الخطاب قال‏:‏ "‏بينما نحن جلوس عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر‏".‏ وفيه‏:‏ «‏‏فقال‏:‏ يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً‏».

ومنها ما أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه‏:‏ ‏أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال‏:‏ «الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان‏».‏

ومنها ما أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ ‏قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏:‏ «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان‏».

ومنها ما أخرجه الشيخان ومالك في الموطأ وأبو داود والنسائي من حديث طلحة بن عبيد الله‏ رضي الله عنه :‏ ‏‏أنه جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجل فسأله عن الإسلام فقال رسول الله  ‏:‏ «خمس صلوات في اليوم والليلة وصيام رمضان‏» وذكر له الزكاة‏.‏

وأخرج النسائي عن بهز بن حكيم‏:‏ ‏‏أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سُئل عن آيات الإسلام فقال: «أن تقول أسلمت وجهي وتخليت وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة‏ ».

وأخرج النسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه  قال‏:‏ ‏«‏قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏:‏ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم‏».‏

وأخرج الشيخان وأبو داود والنسائي من حديث عبد الله عمرو بن العاص‏ رضي الله عنه:‏ ‏أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال‏:‏ «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده‏».

وأخرج مسلم من حديث جابر والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي موسى نحو ذلك‏.‏

وأخرج الشيخان من حديث عبد الله بن عمر قال‏:‏ ‏قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

 ‏:‏«أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى‏)».

وأخرج البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي من حديث أنس رضي الله عنه‏:‏ ‏أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال‏:‏ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها‏».ولفظ البخاري‏: «‏من شهد أن لا إله إلا الله واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم‏)‏».‏

ثم قال: فهذه الأحاديث ونحوها تدلُّ على أن الرجل لا يكون مسلمًا إلا إذا فعل جميع الأمور المذكورة فيها‏.‏ والأحاديث الأولى تدل على أن الإنسان يصير مسلمًا بمجرد النطق بالشهادتين‏.‏

قال الحافظ في الفتح عند الكلام على حديث‏:‏ «‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله»‏ في باب قتل من أبى قبول الفرائض من كتاب استتابة المرتدين والمعاندين ما لفظه‏:‏ وفيه منع قتل من قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها وهو كذلك لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا، بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر. فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حُكم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: «إلا بحق الإسلام»‏.‏ [ا ﻫ].

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved