Get Adobe Flash player

البراءةُ من أهلِ الشرك

الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلّم على مُحمّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أمّا بعدُ: فإنّي اُريدُ أكتُب جوابًا عن مسألة واردة، تتعلّقُ بموضُوع البراءةِ من أهلِ الشرك، وأرجُو أن ينفع اللهُ بها السائل وغيرهُ من طلّابِ الحقِّ.

(السُؤال)

1) قال السائلُ: (نحن لا نحكم بإسلام من رأيناه يصلي أو يُظهر أي علامة من العلامات المشتركة اليوم بين المسلمين والمشركين. نحن نقرُّ بأنّ المحكوم قد يكون مسلما، ولكن هذه العلامات لا تكفِي اليوم لأن أكثر الناس يمارسونها).

2) وقال: (نحن لا نقول: "الأصل في النّاس اليوم الكفر، وكلّهم مشركُون" بل نقول: "أكثرُ وأغلبُ النّاس اليوم على الباطل، لا يعرفون التوحيد"، (وما أكثر الناس ولو.... الآية).

3) وقال: (والمخالفون يقولون: من أظهر بعض شعائر الإسلام، ولا نعلمُ عنه أنهُ وقع في الشرك الأكبر أو ناقض من نواقض الإسلام، فنحكم بأنّهُ مسلمٌ ظاهرًا، أي: الإسلام الحُكمي. ونقرُّ بأنّ المحكوم قد يكُونُ كافرًا عند الله كالمنافقين. وكذلك نوافقُ معكُم بأنّه لو ثبت أن هذا المحكوم وقع في الشرك الأكبر أو الكفر الصريح، فهو مشركٌ وإن كان جاهلا).

4) وقال: (فالمخالف يوافق معنا بأن كل من عبد غير الله، ولا يتبرّأ من الشركِ والمُشركين، ليس بمسلم. ويوافق معنا بأنَّ الحُكمُ على الظاهر، لأنّ حال المحكوم غير معلوم، و لا نعرف هل يشركُ بالله وأنهُ موحد).

5) وقال: (نحن نقولُ: "إنَّ المُخالف أخطأ، ولكن لا يكفُر، لأنَّ أصلهُ صحيحٌ، لأنّهُ لا يتوقَّفُ في من عبد غير الله، ولا يشك في كفرِ من صرف عبادة لغير الله، ولا يُسمِّي من عبد غير الله مسلمًا).

6) وقال: (ونقولُ: "من زعم أن مسألة مجهُول الحال من أصلِ الدين ويُكفّر كُلّ من خالفه في هذه المسألة، فإنّهُ من الغلاة). (اهـ)

(الجواب): المقدّمات الضرُوريّة:

قبل الدخُولِ في الجوابِ مُباشرة، رأيتُ أن أقدّمَ مُقدّمات ضرُوريّة تُساعِدُ على فهم الجواب

ثُمَّ أقدِّمُ الجواب عن المسألة القائمة، إن شاء الله.

المُقدّمة الأولى: (الإيمانُ بالله)

(1) إنَّ "الإيمان" المطلُوب من النّاسِ، والّذي لا يُعتبرُ أحدٌ مُؤمنًا بدونه كان واضحًا في زمن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وكان يجبُ على العبد أن يؤمن بما يأتي:

ــ أن يؤمنَ بالله، ويعبدهُ وحده لا شريك له، وأن يَكفُرَ بكل ما يعبد من دونه.

ــ أن يؤمن بملائكة الله وكُتبه ورُسله، ويستيقنَ بأنّ الله قد أوحى إلى الرسل وأمرهم بتبليغ التوحيد للخلق، وأنزل عليهم الكتب، التي كان آخرُها القرآن.

ــ وأن يؤمن بالبعث والحساب، وأنّ الله يُدخلُ المطيعَ الذي استجاب لدعوة الرسل الجنّة ويُدخل العاصي النار.

ــ وأن يتبرّأ من دينه القديم، ويُفارقَ قومهُ الكفرة حتى يُؤمنُوا بالله وحده.

والآياتُ الآتية تتضمّنُ بيان ذلك:

(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (النساء:36)

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:25)

(فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:256)

(وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء:136)

(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة:4)

وما كان دينًا في زمن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، يجبُ أن يكون دينًا اليوم، وما كان كُفرًا في زمنه ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ يجبُ أن يكون كُفرًا اليوم، لأنّ دينَ الله لا يتغيَّرُ مع مُرُور الزمن. وإذا كان من أنكر التّوحيد أو أنكر الملائكة أو الرسل أوالكُتب أو البعث والحساب كافرًا بالله، في زمن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، كما هو بيِّنٌ في الآية: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء:136).

وكذلك إذا أقرَّ الكافرُ بالتّوحيد والملائكة والرسل والكُتب والبعث والحساب، وأبى أنْ يتبرَّأ من قومه الكُفار، ويُفارقَ ملّتهم، كان كافرًا بالله. في زمن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، كما هو بيِّنٌ في الآية: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة:4)

وجب علينا أنْ نعتقدَ أمرين:

(الأول) أنّ من لا يُؤمنُ باللهِ، ويعبُدُ غيره، أو لا يُؤمنُ بملائكة الله وكُتبه ورُسله واليوم الآخر، فهو كافرٌ بالله كُفرًا أكبرَ، عالمًا مُعاندًا كانَ أو جاهلا ضالًا.

(الثاني) أنَّ من لم يتبرَّأ من الكفرةِ والمُشركين، وإن زعمَ الإيمانَ بالله وملائكتهِ وكُتبه ورُسله واليوم الآخر، فهو كافِرٌ بالله كُفرًا أكبرَ، عالمًا مُعاندًا كانَ أو جاهلا ضالًا.

(2) وكتابُ الله تعالى لم يجعل العلم بهذه الأمور كالعلم بأمور متفرّقة تنفرد وتستقلّ كل منها عن الباقي، وإنّما جعلها "كأمرٍ واحدٍ" و"خبرٍ واحدٍ" يأتي في وقت واحد. أي أنّ الرسول لم يكن يعلّمُ الناس التوحيد ثم بعد زمن يخبرهم بأنّه رسول الله، ثم بعد زمن يخبرهم بالبعث والحساب والجنّة والنار، وإنّما كان يقول في اليوم الأول: "أنا رسول الله، أرسلني بالتوحيد ونبذ الشرك، والبراءة من أهله، ومن أطاعني دخل الجنّة يوم القيامة، ومن عصاني دخل النار".

تأمّل الآيات الآتية:

(كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ).

إلى قوله تعالى: (إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الشعراء: 123-135)

(قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (الأنعام:19)

فالدعوةُ إلى الإيمانِ بالله وملائكتهِ وكُتبه ورُسله واليوم الآخر، والدعوةُ إلى البراءةِ من أهلِ الشركِ، قضيةٌ واحدةٌ، تُعرَضُ على النّاسِ جُملةً في آنٍ واحدٍ، فيستجيبُون لها، أو يُعرِضُون عنها. ومن الخطإ القولُ: "فلان مُؤمنٌ أو مُسلمٌ، ولكنّهُ لم يتبرّأ من المشركين". لأنّ من لم يتبرّأ من أهلِ الشركِ فليس على دينِ المُرسلين، وإن زعَم أنّهُ على دِينهم.

المُقدّمة الثانية: (البراءةُ من أهلِ الشركِ)

(1) طبيعة المجتمع البشري:

إنّ من طبيعةِ الإنسانِ أن يُولدَ الفردُ من أبوين، وأن يكُون لهُ آباء وأجداد وأبناء وإخوة وأعمام. لا يُوجدُ إنسانٌ لا ينتمي إلى أسرة، وأسرةٌ لا تنتمي إلى عشيرة، وعشيرةٌ لا تنتمي إلى قومٍ أو قبيلةٍ، وقبيلةٌ لا تنتمي إلى أمّةٍ. فبعضُ النّاسِ أقربُ إلى البعضِ من بعضهم الآخر. فهناكَ فردٌ أقربُ إلى الإنسان من فردٍ، من حيث النّسب والرحم. وعشيرة أقربُ إليه من عشيرة، وقومٌ أقربُ من قومٍ، وأمّةٌ أقربُ من أمّةٍ.

ولما كان الإنسانُ ضعيفًا بذاته، ويحتاجُ إلى نُصرة ومُواساةٍ في أحيانٍ كثيرةٍ، فقد صار من طبيعته أنّهُ يرجعُ إلى أقربائهِ حينما يحتاجُ إلى نجدة، وترجعُ الأسرةُ إلى الأسر القريبة إليها، أو العشيرة. وترجعُ العشيرةُ إلى القوم أو القبيلة، والقبيلةُ إلى الأمّة الكبيرة.

ومن الطبيعي كذلك أن يكُونَ للقبيلةِ أو الأمّة قيادة سياسيّة تُوحّدهم، وتُنظمُهم، للمُحافظةِ على قُوّتها وكيانها، حتى لا تقعُ فريسةً للأمم المجاورة، التي لا ترحمها. وأن يكُون لها عقائدُ وقيمٌ وشرائع مورُوثة ومُحدثة، ترجعُ إليها عندما تحدُثُ الحوادث المزلزلة للأمنِ والاستقرار. وأن يكُونَ لها عاداتٌ وتقاليدٌ تحترمها.

والإسلامُ لم يُنكرْ أن يكُون الإنسان عُضوًا من مجتمع، وأن يكُون بين أعضائه تعاطُف وتراحُم، وأن يكُون للقرابة حقًّا، وأن يكون على الفرد واجبات، وأن يكُون لهُ حقُوقٌ، وأن يُشاركَ في أعمال المجتمع. لم يُنكر الإسلامُ كُلَّ ذلك بل يجعلهُ من الأمُور الفطرية، التي تُناسبُ الإنسانُ، بل من أسبابِ سعادته. وإنّما أنكرَ الإسلامُ أن يتعاون المُجتمع على الإثم والعدوان، وأن يكُون الفردُ مع مجتمعه في الشرِّ.

وأنكر كذلك أن يستمدَّ المجتمع تشريعاته من آراء البشرِ القابلة للخطإ والصواب، والمُتّصفة بالجهلِ والنّقص والهوى. وهُنا تفترقُ القبيلة أو الأمّة المسلمة، عن القبيلة أو الأمّة المُشركة. فالأمّة المسلمةُ تتلقّى العقائد والقيم والشرائع والأخلاق من كتابِ الله، والأمّةُ المُشركةُ تتلقّى كُلُّ ذلك من غيرِ كتاب الله عزّوجلّ.

فالأمّةُ الكافرةُ كيانٌ واحدٌ، وتتحرّكُ تحرُّكَ الكيانِ الواحد، والفردُ فيها تجبُ عليه واجباتٌ، ولهُ حُقُوقٌ، فإذا خالفَ الأمّة، وامتنع عن أداء ما عليه من واجبات، منعُوهُ ما لهُ من حُقُوق، حتى يرجعَ إليها ويعترفَ بخطئهِ، هكذا هي طبيعةُ البشرِ، الّذين أرسل اللهُ إليهم الرُّسُل عليهم الصلاةُ والسلامُ.

(2) حُكمُ الفردِ حُكمُ مُجتمعه:

والّذي يدلُّ على أنّ البراءة المطلُوبة هي براءةٌ من مُجتمع، وأنّ حُكمَ الفردِ حُكمُ مُجتمعه ما يأتي:

(أولا) أنَّ اللهَ عزّ وجلّ عليمٌ بحقيقة البشر وطبيعتهم، وأنّ المُجتمعَ البشري مُتماسكٌ، ويتحرّكُ تحرُّكَ الشخص الواحد، وبين أعضائه مُوالاة، ولهُ قراراتٌ جماعية واحدة، يقطعُها لهم الرؤساء، وتُنفذها العامّة التابعة. ولذلك لما أرسلَ رسلهُ إلى الأمم الضالّة، جعلَ للمُجتمع البشري المُتّحد حُكمًا واحدًا، هو أنّهُ مُجتمعٌ كافرٌ، وتجبُ البراءة منه.

فكان يشملُ هذا الحُكمُ جميعَ أعضاء المُجتمع، الرجال والنساء والعبيد، لم يُستثنَ من ذلك إلا من أظهرَ إسلامهُ، وتبرّأ من قومه المشركين. لأنَّ المُجتمع هو مجمُوعة من البشر، فإن اُمِرَ بتكفير مجمُوعةٍ من البشر والبراءة منهم، فقد عُلم ـ عقلا ونقلا ـ دُخُول كُلِّ فردٍ من المجمُوعة في ذلك، وأنّ الفردَ منهُ مُستحقٌّ للتكفير والبراءة منه، وإلا كان تناقُضًا.

تأمّل الآيات الآتية:

(قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة:4).

(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ. وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) (غافر: 5-6)

(وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ. وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (سبأ: 34-35).

(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف:54)

ففي الآيات دليلٌ كافٍ لمعرفة أنّ جميعَ الرُّسلِ كانُوا قد تبرّأوا من أقوامٍ وأممٍ، لا من أشخاص تظهرُ منهم بعضُ الأعمال الشركيّة، وأنّ القادة كانُوا هم المُضلّين للعامّة التّابعة لهم، وأنّ عذاب الله كان يُصيبُ التّابع والمتبُوع، ولم يكن ينجُو من ذلك إلا الّذين آمنُوا بالله، واتّبعُوا المُرسلين.

ولما أرسلَ اللهُ مُحمّدًا صلّى الله عليه وسلّم، رسُولا إلى الأمّةِ الضالّة، سار على سُنّة الرُّسُل من قبله، وأظهرَ براءتَه من المجتمع المكي، ومن حولهُ من القبائل العربية المشركة. لم يقل الله لهُ: "كُن بريئًا من أسرتك بني عبد المطلب، دون غيرهم"، أو "كُن بريئًا من عشيرتِك بني عبد مناف، دون غيرهم"، أو "كُن بريئًا من قومك قُريش، دون غيرهم من الأقوام". بل أمرهُ بالبراءة من المشركين عامةً، بدءًا ببني عبد المطلب، إلى آخر الأقوام والأمم.

وكانت هذه البراءة المطلوبة براءة واقعية جادّةً، قد فهم منها النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابُهُ، أنّهم غُرباء في العالم، لعلمهم بشركِ قومهم، وشركِ الأممِ المُجاورةِ لهم. فلذلك لم يكُونُوا ينطلقُون من قاعدة قائلة: "تبرَّؤُا من الإنسانِ الّذي وجدتمُوهُ يفعلُ الشركَ بالله، ولا تتبرَّؤُا من الإنسانِ الّذي يُظهِرُ شعيرة من شعائر الدِّين الحقِّ، لا تتبرّؤُا من اليهُودي عند قوله لا إله إلا الله، ولا من العربي الوثنيّ عندما يطُوفُ بالكعبة، أو يقفُ بعرفة، حتى تروا منهما الكفرَ الأكبر".

بل كانُوا ينطلقُون من قاعدة قائلة: "تبرَّؤُا من الإنسانِ الكافر، ومن أمّته الكافرة، أظهرُوا بعضَ شعائر الدِّين الحقِّ أو لم يُظهرُوها، إلا إذا استجابَ للحقِّ وتبرّأ من قومه المشركين". أي: لم يكُونُوا ينطلقُون من قاعدة "توفُّر الشروط وانتفاء الموانع"، لأنّ هذه القاعدة تُطبَّقُ على الأفراد الذين هم من قومٍ ثبتَ إسلامُهم كقومٍ، ولا تُطبّقُ على قومٍ ثبتَ كُفرُهم كقومٍ.

فمثلا إذا رأوا عربيّا يطُوفُ بالكعبةِ، ولم يرَوهُ يفعلُ الشركَ، ولكنّهم يعلمُون أنّهُ من قُريش أو ثقيف أو هوازن... أو غيرهم من القبائل العربية المشركة، عرفُوا أنّهُ محكُومٌ بالكفرِ، لأنّهم كانُوا مأمُورين بتكفير قُريش وهوازن وثقيف والبراءةِ من هذه القبائل، وهذا الطائف بالكعبة من إحداها، فهُم مأمُورُون باعتقادِ كُفره، وقد كفَّرُوهُ قبلَ رُؤيته كشخصٍ، لثُبُوتِ كونهِ من قبيلة مُشركة محكُومةٍ بالكُفرِ، ولم يثبُت إسلامُهُ وبراءتُهُ منهم. والطوافُ بالكعبةِ يفعلُهُ المسلمُ والمُشرِكُ، ولا يدلُّ على انتقال الطائف من دين قومه. والأصلُ أنّ القومَ الواحد كشخصٍ واحدٍ، وأنَّ الفردَ تبعٌ لقومهِ، ما لم يثبُتْ خلافُ ذلك، وأنّهُ مُفارقٌ لهم في الدّين.

فكما كانت أصُولُ الإيمان واضحةً معلُومة، لا يختلفُ فيها المُسلمُون، فقد كانت أحكامُ المُجتمعاتُ البشريةُ في زمن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، واضحة كُلَّ الوضُوح، ولا يختلفُ فيها المُسلمُون. وكانت هذه المجتمعات مُنقسمةً إلى أقسامٍ، كالآتي:

(الأول) مُشركُوا العرب: وهم كانُوا غالبَ سُكان الجزيرة العربية في ذلك الزمن، وكانت قُريش حاملة لواء الوثنية في الجزيرة، لكونها سدنة الكعبة، وجيران بيت الله الذي كان الوثنيُّون يحجُّون إليه. مع استقلال كُلِّ قبيلة بشُئُونها السياسية والاجتماعية. وكانُوا كُفارًا لعبادتهم الأوثان والأصنام من دون الله، ولتكذيبهم النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، وما جاء به من الحقِّ.

(الثاني) اليهُود: وكانُوا يسكنُون في المدينة، ومنقسمين إلى ثلاثة قبائل، هم قينقاع وقُريظة والنضير. وكانُوا يقُولون "لاإله إلا الله"، وأقرَّ بعضُهم بأنَّ "مُحمّدًا رسُولُ الله"، ولم يتّبعُوهُ استكبارًا، أو خوفًا من اليهُود. وقد ذكرَ كثيرٌ من عُلماء السلفِ أنّ من اليهُودِ من كان يقُولُ "لاإله إلا الله، مُحمّدٌ رسُولُ الله"، ويقصدون هو " رسُولُ الله إلى العربِ خاصة". وكانُوا كُفارًا لتكذيبهم النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، وما جاء به من الحقِّ، واستكبارهم عن اتِّباعه بعد أن عرفُوا صدقه. ولقولهم (عزير ابن الله).

(الثالث) النَّصارى: وكانُوا نازلين في نجران، وكان في شمال الجزيرة قبيلة كبيرة معدُودة في النَّصارى، هي قبيلةُ "تغلُب"، والتي قيل عن قوتها: "لولا الإسلام لأكلت تغلُب النَّاس". وكانُوا يقُولون "لاإله إلا الله"، وإن كان الّذي تصفُ النّصارى ربَّهم به شركًا صريحًا. وكانُوا كُفارًا لتكذيبهم النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، وما جاء به من الحقِّ، ولقولهم (المسيح ابن الله)، وإيمانهم بالتثليث.

وكان لكُلِّ أمّةٍ منهم رُؤساء وسادة يُطيعُونهم في الباطل، أو في اصطلاحِ القرآن "طواغيت" متبُوعُون في الباطلِ، ولم يُفرِّق الله بين التّابع والمتبُوع في أحكام الدنيا والآخرة. فقد بيّن القرآنُ أنّ من اتّبع الرؤساء والعلماء في الباطل، أنَّهُ في شرك الطاعة، وعابدٌ لغير الله. وأنّ الخصُومة سوف تقُومُ بين العابدين والمعبُودين في النّار. وما ورد في الآيات الآتية من اتّخاذ الأرباب، وعبادة الرؤساء، وعبادة الشيطان، فالمرادُ هو الاتّباع والطاعة في الباطل:

قال الله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة:31)

وقال: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ. وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ. مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ. بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ. وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ. قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ. قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ) (الصافات: 22-30)

إنّ الله تعالى قد سوّى بين التَّابع الذي أذلَّ نفسهُ في طاعة غير الله، وبين المتبُوع المتكبِّر في الصفة. فقال: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) (القصص:8)

وسوّى بينهم في عقاب الدُنيا. فقال: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)، (القصص:40). كما سوّى بينهم في عقاب الآخرة. فقال: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ) (غافر:47ـ 48)

وقال أيضا: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) (الأحزاب: 66-68)

فتبيَّن من الآيات أنَّ الملأ المُستكبرين وإن كانُوا سبب تدمير الله للقرى، إلا أنَّ الله تعالى لم يُبرِّئ الأتباع، ولم يجعلهم ناجين، بل شاركُوا الملأ فى الحكم، والوصف، والإثم، وعقوبة الدنيا والآخرة. وإذْ لم يفرّق الله -عزَّ وجلَّ- بين "السادة" و"الأتباع" فى الأحكام، فاتّخاذ التفريق بين الصنفين سبيلا ضلالٌ عن صراط الله المستقيم، وردٌّ لدين الله القويم. وهذه الآياتُ وما في معناها دليلٌ كافٍ، يدلُّ على أنّ الفردَ لهُ حُكمَ قومهِ إذا لم يُفارقهم، ويتبرّأ منهم.

(ثانيًا) إنّهُ جاء في السنّة فيما لا حصر له من الأحاديث، التي فيها وصفُ القبيلة بالإيمان والصلاح، أو بالكفر والفساد. واعتبارها وحدة واحدة، لها حكمٌ واحدٌ. وإليك بعض الأمثلة:

1ـ) كان النّبيُّ صلى اللهُ عليه وسلّـم، يدعُو الله لبعض القبائل لأجل إيمانهم وصلاحهم، كقوله: "أسلم سالمها اللهُ" و"غفار غفر اللهُ لها". وكان يدعُو على بعض القبائل لكفرها وفسادها، كما دعا على رعل وذكوان وعصيّة، قال: "عصت الله ورسُوله". ورد ذلك في الصحيحين بألفاظ متقاربة. مثل الرواية الآتية:

قَالَ خُفَافُ بْنُ إِيمَاءٍ: رَكَعَ رَسُولُ اللّهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "غِفَارُ غَفَرَ الله لَهَا. وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا الله. وَعُصَيَّةُ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ. اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ. وَالْعَنْ رِعْلاً وَذَكْوَانَ" (مسلم)

قلتُ: "فدُعاءُ النبيِّ صلى الله عليه وسلّـم، على "رعل" أو "ذكوان" أو "عصيّة"، لم يُقصدْ منه الدعاء على ثلاثة رجالٍ ماتُوا في الجاهلية، وإنّما المقصُود ذُرّية الثلاثة، الّذين كانُوا يُمثّلُون ثلاث قبائل مُعادية للنبيِّ صلى الله عليه وسلّـم، وما جاء به من الحقِّ. ففيه أنّ القبيلة الواحدة كشخصٍ واحدٍ، ويُعاملُونَ على أساسِ ذلك. ويَخرجُ من هذا التعميم من آمن بالله، وفارق المشركين".

2) قال حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ رضي الله عنهُ: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللّهِ عَنِ الْخَيْرِ. وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ. مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ إنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرَ. فَجَاءَنَا اللّهُ بِهَـذَا الْخَيْرِ. فَهَلْ بَعْدَ هَـذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ" (متّفق عليه)

قُلتُ: "فلم يُنكِرْ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلّـم على حُذيفة، فهو تقرير يدلُّ على صحّة إطلاق الشرّ والجاهلية على أهلِ الشرك والطوائف الكافرة".

3) وعن ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قالُوا للنَّبيُّ صلى الله عليه وسلّـم: "يَا رَسُولَ اللّهِ! إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وإنّا لا نَسْتَطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام...إلخ". (متّفق عليه)

قلتُ: "وفيه إطلاق الكُفر على بعضِ قبائل مُضر، والمُكفّرُ لم يُحصِ القبيلةَ، ولم يُقم الحُجّة على جميع أبنائها، ولكنّهُ عرفَ حُكمها كقبيلة، وحُكمُ القبيلةِ ينسحبُ على أبنائها، إلا من أسلم".

4) عَنِ عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ رَجُلاً مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُا الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ، قَالَ: يَامُحَمَّدُ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: "مَاشَأْنُكَ؟" فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي؟ وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ (إعْظَاماً لِذلِكَ) "أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ". ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَامُحَمَّدُ ـ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ رَحِيماً رَقِيقاً، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: "مَاشَأْنُكَ؟" قَالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: "لَوْقُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ، أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلاَحِ"، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ فَأَتَاهُ فَقَالَ: "مَاشَأْنُكَ؟" قَالَ: إنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي، قَالَ: "هذِهِ حَاجَتُكَ"، فَفُدِيَ بِالرَّجُلَيْنِ. (مسلم).

قلتُ: "وفيه أنَّ الفرد المجهُول شخصًا المعلُوم قبيلةً، كان يُعاملُ معاملة الكافرين إلا إذا كان قد أعلن إسلامه قبل الوقُوع في أسر المسلمين، وأن الفردَ إذا كانت قبيلتهُ مُحاربة يُعتبرُ مُحاربًا، وإذا كانت مُعاهدة يُعتبرُ مُعاهدًا".

5) وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ قَالَ: "كَانَ فِي مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً. فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ. فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً. فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لاَ. فَقَتَلَهُ. فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً. ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ. فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟. فَقَالَ: نَعَمْ. وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟. انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا. فَإِنَّ بِهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ اللّهَ فَاعْبُدِ اللّهَ مَعَهُمْ. وَلاَ تَرْجِـعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ" (مُتّفق عليه).

قلتُ: "قولهُ: (فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ) المراد هو أهل الأرض، ولكثرة سيِّئاتهم صارت أرضهم أرض سُوء".

(ثالثًا) قد عُلم من سيرته صلى الله عليه وسلـم، وخلفائه والأمراء من بعدهم، أنّهم كانوا يغزُون القبائل الكافرة، ويقتلون المجهُولين من أبنائها، فدلّ ذلك على أنَّ حُكمَ القوم يجري على الفرد، ما لم يُظهرْ خلاف ما عليه قومه قبل القتال.

وكانوا إذا صالحوا ملكاً كافرًا، واتّفقوا معه على عهدٍ، تركوا له رعيته وحقنوا دماءهم بالعهد. وإذا حاربهم ملكٌ أو سيدُ قبيلة وظهروا عليه كانوا يستبيحون كل شيء في مملكته، ويكون ذلك غنيمة للمسلمين. ولم يكونوا يقولون: ما ذنب النساء والأطفال فإنّهم لم يقاتلوا ولم يكن لهم رأيٌ في الحرب والسلم. فدلّ ذلك على أنَّ حُكمَ القوم يجري على الفرد، ما لم يُظهرْ خلاف ما عليه قومه قبل القتال.

وقصة خالد بن الوليد ومجاعة بن مرارة معرُوفة، وهي أنّهُ لما ارتدّت بنُو حنيفة، وغزاها المسلمُون بقيادة خالد، لقي بضع وعشرين رجلا، فلما انتسبُوا إلى بني حنيفة، أمر خالد بقتلهم، فقُتلُوا غير "مجاعة" وآخر. فادّعى مُجاعة أنَّهُ مُسلمٌ، فلم يقبلْ منه خالد.

وقال لهُ خالدٌ ما معناهُ: لقد خرجت من الإسلام، لأنّك لم تكُن مستضعفا، وكُنت سيّد قومه، فلم تُنكرْ الردّة الظاهرة، ولم تُهاجرْ إلى المسلمين، ولم تكتُبْ إليهم، فدلّ سُكُوتُك وبقاؤك فيهم، على مُوافقتك لهم.

ولهذه الأدلّة وغيرها، لم يكُن معلومُ القومِ مجهُولا عند المُسلمين. بل كانُوا يعتقدُون بأنّ جميعَ القبائل العربية الوثنيّة، واليهُودية والنصرانيّة كُفارٌ على الأعيان. وإذا جاءهم إنسانٌ فانتسبَ إلى "قيس" أو "كنانة"، أو غيرها من قبائل العرب، عرفُوا أنّهُ "كافرٌ وثنيٌّ". وإذا جاءهم إنسانٌ وانتسبَ إلى "قينقاع" أو غيرها من قبائل اليهُود، عرفُوا أنّهُ "كافرٌ يهُوديٌ". وإن جاءهم آخر وانتسب إلى "تغلُب" أو غيرها من القبائل النّصرانية، عرفُوا أنّهُ "كافرٌ نصرانيٌّ". ومن بلغتهُ الدعوةُ من جميع أصنافِ الكُفارِ، فأقرّ بالإيمان، وتبرّأ من قومه ومن دين قومه، كان يُقبلُ إسلامُهُ، ويدخُلُ في عداد المُسلمين.

ولم يقُل النّبيُّ صلى الله عليه وسلـم للمسلمين: "إنّ من الكُفارِ الّذين يعيشُون في الجزيرة العربية، من يقُولُ لا إله إلا الله، ومن يقُولُ لا إله إلا الله، محمّدٌ رسُولُ الله، فاعتبرُوا هذه الشعائر، واحكُمُوا على من أظهرها بأنّهُ مُسلمٌ، حتى تروا منهُ النّاقض، فإن أتى بالنّاقضِ فكفِّروه". بل أعلمهم أنّهم كُفارٌ وأمر بغزوهم وقتالهم حتى يُسلمُوا أو يُعطُوا الجزية. فدلّ ذلك على أنَّهُ لا وزنَ لشعائر الطائفة المحكُومة بالكفرِ، ولا تُعطيهم صفةَ الإسلام، بل لا تُوجبُ الكفَّ عنهم في القتال. لأنّ الله أمر بقتالهم مع علمه بأنّهم يقُولُون "لا إله إلا الله". وقال: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)

ولذك لا تجدُ في المسلمين الأوائل اختلافات في حكم الإنسانِ المظهر لبعض شعائر الدّين كقول لا إله إلا الله، والطواف بالكعبة، والوقُوف بعرفة، وغير ذلك من الشعائر التي كانت معرُوفة، وكان يأتي بها بعضُ الأمم الكافرة، لأنّ الأمم الكافرة ثبت حُكمها كأمّةٍ، ودخل أفرادُها تحت حكم أمّتهم الّتي يُوالُونها، ويُطيعُون قياداتها من دون الله، فلا موضع للاختلاف في حكمهم.

بل من العبث الخوض والاختلاف في حُكمِ عُضوٍ من مُجتمعٍ كافرٍ معرُوفٍ، لم يأت إلى المسلمين ليُسلمَ ويُفارقَ قومه، لأجلِ أنَّ لهُ لحيةٌ ويُصلّي، مع العلمِ بأنّ الصلاةَ وإعفاءَ اللحية من الأمُور المقبُولة في هذا المجتمع، والتي يفعلُها من يشاءُ منهم، مع الكُفر الأكبر.

وإنّما كان يقعُ الاختلافُ بين الصحابة أحيانًا، فيمن أراد التعوُّذ بالاسلام، هل قولهُ إقرارٌ تامٌّ، ويكفي في حقنِ دمهِ، أم لا. كالّذين قالُوا صبأنا صبأنا، وقتلهم خالدٌ وأنكر عليه بعضُ الصحابة. والّذي قتلهُ أسامةُ وكفَّ عن قتله الصحابيُّ الآخر. وكاختلافهم في مانعي الزكاة ـ في أول الأمر ـ هل يُقاتلُون على المنع، أم يُعتبرُون كالمُؤلّفةِ قُلُوبهم.

إنَّ الإسلام جعل للنَّاس أحكاما، وجعل لكُلِّ فرْدٍ حُكما شرعيًّا، يُلحقُهُ بأحد الدينين، الكُفر أو الإسلام، فيكُونُ فردٌ كافرًا، وفردٌ مُسلما، وكذلك جعل الإسلامُ لكلِّ طائفة، أو قبيلة، أو مملكة، أو أمّة، حُكمًا شرعيًّا، يُلحقُها بأحد الدينين، الكُفر أو الإسلام، فتكُونُ إمّا كافرةً، وإمَّا مُسلمةً، فلم يعُد الأفرادُ مجهُولين مع ثُبُوتِ حُكمِ مُجتمعهم.

وإذا صارت طائفة أو قبيلة أو أمّة كافرة، فإنّ دارها تُضافُ إلى الكُفر، فيُقالُ إنّها دارُ الكُفرِ، أو تُضافُ إلى ساكنيها، فيُقالُ إنّها دارُ الكافرين. وكذلك، إذا صارت طائفة أو قبيلة أو أمّة مُسلمة، فإنّ دارها تُضافُ إلى الإسلام، فيُقالُ إنّها دار إسلام، أو تُضافُ إلى ساكنيها، فيُقالُ إنّها دارُ المسلمين.

فنسبة الدار إلى من يقيم بها عُرفٌ بشريٌّ، يوجد في جميع لغات البشر، ويوجد بكثرة في دواوين الأشعار الجاهلية، التي هي المرجع في إثبات اللغة العربية الأصيلة. والقرآنُ نزل بلغة العرب، وأضاف الديار إلى ساكنيها. قال تعالى: "سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ" (لأعراف:145).

وجاء في أخبار غزوة تبوك أن النبي صلى الله عليه وسلـم مرّ بديار "ثمود". وفي حديث زيارة القبور: "سلام عليكم دار قوم مؤمنين". قال سيبويه: "وكل موضع حلّ به قومٌ فهو دارهم" (لسان العرب).

المُقدّمة الثالثة: (ما يصيرُ به الكافرُ مُسلمًا)

إنَّ فقهاء المسلمين عندما يتحدّثُون عن ما يصيرُ به الكافرُ مُسلمًا، فإنّهم يؤكِّدُون على ضرُورة تحقُّق أمرين، هما المذكُوران في المقدّمتين السابقتين:

(الأول) أن يُظهرَ ما يدُلُّ على إرادةِ الإسلام.

(الثاني) أن يُظهرَ ما يدُلُّ على براءته من دين قومه.

فقد علمُوا أنّهُ لا يُوجدُ إنسانٌ لا ينتمي إلى أسرة، وأسرةٌ لا تنتمي إلى عشيرة، وعشيرةٌ لا تنتمي إلى قبيلة، وقبيلةٌ لا تنتمي إلى أمّةٍ. فالمُظهرُ لشعيرة من شعائر الإسلام، لابُدَّ أنّهُ ينتمِي إلى أمَّةٍ من الأمم المعرُوفة، وهذه الأمّة لابُدَّ أن يكُون دينُها معلومًا. فإذا قال رجلٌ معلومٌ دينُ قومه قولا يدلُّ على قبُولِه للإسلام، وعلى براءته من دين قومه، اعتبرُوا إقرارهُ كاملا، وحكمُوا بإسلامه. وقد يقُولُ آخر مثل قوله، فلا يُحكمُ بإسلامه، ويُعتبرُ إقرارهُ ناقصًا، وذلك للفرقِ الّذي بين ديني الرجلين، حيثُ تكُونُ كلمةُ الأول تقتضي في الواقع البراءة من دون قومه، ولا تقتضي كلمةُ الثَّاني ذلك.

ولنأخُذُ بعضَ أقوال أهلِ العلم من أهلِ السُنّةِ كمثال يدلُّ على صحّة ما قُلتُهُ:

أـ المذهبُ الحنفي:

1) قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبى حنيفة (131ﻫ - 189ه‍):

"لو أنّ يهودياً أو نصرانياً قال: أنا مسلم، لم يكن بهذا القول مسلماً، لأنّ كلّهم يقولون نحن مسلمون ونحن مؤمنون ويقولون: إنّ ديننا هو الإيمان وهو الإسلام، فليس في هذا دليل على الإسلام منهم".

وقال: "ولو أنّ رجلاً من المسلمين حمل على رجلٍ من المشركين ليقتله فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، كان هذا مسلماً، وإن رجع عن هذا ضُرب عنقه، لأنّ هذا هو الدليل على الإسلام". (أحكام القرآن للجصّاص: 2/310).

وقال في كتابه"السير الكبيرـ الجزء الخامس": باب: الإسلام:

ذكر عن الحسن قال‏: ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلـم‏: ‏"‏أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا‏: ‏ لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله قال‏: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلـم يقاتل عبدة الأوثان وهم قوم لا يوحّدون الله، فمن قال منهم‏: ‏ لا إله إلا الله، كان ذلك دليلاً على إسلامه، والحاصل أنه يحكم بإسلامه، إذا أقر بخلاف ما كان معلوماً من اعتقاده، لأنه لا طريق إلى الوقوف على حقيقة الاعتقاد لنا، فنستدل بما نسمع من إقراره على اعتقاده، فإذا أقرّ بخلاف ما هو معلوم من اعتقاده، استدللنا به على أنه بدل اعتقاده. وعبدة الأوثان كانوا يقرّون بالله تعالى. قال الله تعالى‏: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (الزخرف‏:87‏).

ولكن كانوا لا يقرون بالوحدانية قال الله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) (الصافات‏:35)

وقال فيما أخبر عنهم: (أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (ص:5).

فمن قال منهم‏: لا إله إلا الله فقد أقر بما هو مخالف لاعتقاده فلهذا جعل ذلك دليل إيمانه فقال‏: ‏"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا‏: لا إله إلا الله‏"‏ وعلى هذا المانوية وكل من يدعي إلهين إذا قال واحد منهم‏: ‏لا إله إلا الله فذلك دليل إسلامه.

فأما اليهود والنصارى فهم يقولون‏: لا إله إلا الله فلا تكون هذه الكلمة دليل إسلامهم وهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلـم كانوا لا يقرون برسالته فكان دليل الإسلام في حقهم الإقرار بأن محمداً رسول الله. على ما روي عنه أنه دخل على جاره اليهودي يعوده فقال‏: ‏ اشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فنظر الرجل إلى أبيه فقال له‏: ‏ أجب أبا القاسم فشهد بذلك ومات فقال صلى الله عليه وسلـم: ‏"الحمد لله الذي أعتق بي نسمة من النار‏"‏. ثم قال لأصحابه‏: ‏ ‏"‏لُو أخاكم"‏

قال‏: ‏ فأما اليوم ببلاد العراق فإنهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولكنهم يزعمون أنه رسو ل إلى العرب لا إلى بني إسرائيل ويتمسكون بظاهر قوله تعالى‏: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) (الجمعة‏:2).

فمن يقر منهم بأن محمداً رسول الله لا يكون مسلماً حتى يتبرأ من دينه مع ذلك أو يقر بأنه دخل في الإسلام حتى إذا قال اليهودي أو النصراني‏: ‏ أنا مسلم أو أسلمت لا يحكم بإسلامه لأنهم لا يدعون ذلك فإن المسلم هو المستسلم للحق المنقاد له وهم يزعمون أن الحق ما هم عليه فلا يكون مطلق هذا اللفظ في حقهم دليل الإسلام حتى يتبرأ من دينه مع ذلك‏. (اهـ)

2) وقال الإمامُ أحمد بن محمّد الطحاويّ (239ﻫ - 321ﻫ):

فقد ذهب قوم إلى أن من قال لا إله إلا الله فقد صار بها مسلما له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا لهم لا حجة لكم في هذا الحديث، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلـم إنما كان يقاتل قوما لا يوحدون الله تعالى، فكان أحدهم إذا وحد الله علم بذلك تركه لما قوتل عليه وخروجه منه، ولم يعلم بذلك دخوله في الإسلام أو في بعض الملل التي توحد الله تعالى ويكفر بجحدها وغير ذلك من الوجوه التي يكفر بها أهلها مع توحيدهم لله.

فكان حكم هؤلاء أن لا يقاتلوا إذا وقعت هذا الشبهة حتى تقوم الحجة على من يقاتلهم وجوب قتالهم فلهذا كف رسول الله صلى الله عليه وسلـم عن قتال من كان يقاتل بقولهم لا إله إلا الله.

فأما من سواهم من اليهود. فإنا قد رأيناهم يشهدون أن لا إله إلا الله ويجحدون بالنبي صلى الله عليه وسلـم فليسوا بإقرارهم بتوحيد الله مسلمين إن كانوا جاحدين برسول الله صلى الله عليه وسلـم فإذا أقروا برسول الله صلى الله عليه وسلـم علم بذلك خروجهم من اليهودية، ولم يعلم به دخولهم في الإسلام لأنه قد يجوز أن يكونوا انتحلوا قول من يقول إن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلـم إلى العرب خاصة.

وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلـم علي بن أبي طالب حين بعثه إلى خيبر وأهلها يهود بما: حدثنا يونس قال ثنا بن وهب قال أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلـم لما دفع الراية إلى علي حين وجهه إلى خيبر قال أمض ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك. فسار عليٌ شيئا ثم وقف ولم يلتفت فصرخ يا رسول الله على ماذا أقاتل. قال قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله.

قال أبو جعفر ففي هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلـم قد كان أباح له قتالهم وإن شهدوا أن لا إله إلا الله حتى يشهدوا مع ذلك أن محمدا رسول الله لأنهم قوم كانوا يوحدون الله ولا يقرون برسول الله فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلـم عليا بقتالهم حتى يعلم خروجهم مما أمر بقتالهم عليه من اليهودية كما أمر بقتال عبدة الأوثان حتى يعلم خروجهم مما قوتلوا عليه.

وليس في إقرار اليهود أيضا بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ما يجب أن يكونوا مسلمين, ولكن النبي صلى الله عليه وسلـم أمر بترك قتالهم إذا قالوا ذلك لأنه قد يجوز أن يكونوا أرادوا به الإسلام أو غير الإسلام فأمر بالكف عن قتالهم حتى يعلم ما أرادوا بذلك. كما ذكرنا فيما قد تقدم من حكم مشركي العرب.

وقد أتى اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلـم فأقروا بنبوته ولم يدخلوا في الإسلام فلم يقاتلهم على إبائهم الدخول في الإسلام إذ لم يكونوا عنده بذلك الإقرار مسلمين.

إلى أن ذكر الحديث الّذي فيه: "فقبلوا يده وقالوا نشهد أنك نبي قال: فما يمنعكم أن تتبعوني قالوا إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخشى إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود قال أبو جعفر ففي هذا الحديث أن اليهود قد كانوا أقروا بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلـم مع توحيدهم لله فلم يقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلـم حتى يقروا بجميع ما يقر به المسلمون فدل ذلك أنهم لم يكونوا بذلك القول مسلمين وثبت أن الإسلام لا يكون إلا بالمعاني التي تدل على الدخول في الإسلام وترك سائر الملل. (اهـ)

3) قال الإمام أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص (305ﻫ – 370ﻫ) في تعقيبه على قول الإمام محمد بن الحسن الشيباني: مطلب: في بيان المراد من قوله عليه السلام: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله".

قال أبو بكر: لم يجعل اليهودي مسلماً بقوله: "أنا مسلم أو مؤمن" لأنّهم كذلك يقولون، ويقولون: الإيمان والإسلام هو ما نحن عليه فليس في هذا القول دليلٌ على إسلامه، وليس اليهوديّ والنصراني بمنْزلة المشركين الذين كانوا في زمان النبي صلى الله عليه وسلـم لأنّهم عبدة أوثان فكان إقرارهم بالتوحيد وقول القائل منهم: "إنّي مسلم وإنِّي مؤمن" تركاً لما كان عليه ودخولاً في الإسلام، فكان يُقتصر منه على هذا القول، لأنهّ كان لا يسمح به إلاّ وقد صدّق النبي صلى الله عليه وسلـم وآمن به.

ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلـم: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم". وإنّما أراد المشركين بهذا القول دون اليهود لأنّ اليهود قد كانوا يقولون: لا إله إلا الله، وكذلك النصارى يطلقون ذلك وإن ناقضوا بعد ذلك في التفصيل فيُثبتون ثلاثةً، فعلمنا أنّ قول لا إله إلاّ الله إنما كان علما لإسلام مشركي العرب وتصديقاً له فيما دعاهم، ألاّ ترى إلى قوله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) (الصافات‏:35)

واليهود والنصارى يوافقون المسلمين على إطلاق هذه الكلمة وإنّما يخالفون في نبوة النبي صلى الله عليه وسلـم فمتى أظهر منهم مُظهرٌ الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلـم فهو مسلم.  (أحكام القرآن: 2/310).

4) وقال الإمام السرخسي فى "المبسوط" (ت: 490هـ): "وإذا رفعت المرتدة إلى الامام فقالت ما ارتددت وأنا أشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله فهذا توبة منها لما بينا ان توبة المرتد بالاقرار بكلمة الشهادتين والتبرى عما كان انتقل إليه وقد حصل ذلك فانه بالانكار يحصل نهاية التبرى فلهذا كان ذلك توبة من الرجل والمرأة جميعا.

وقال: ولكن توبته أن يأتي بكلمة الشهادة ويتبرأ عن الاديان كلها سوى الاسلام أو يتبرى عما كان انتقل إليه فان تمام الاسلام من اليهودي التبرى عن اليهودية ومن النصراني التبرى عن النصرانية ومن المرتد التبرى عن كل ملة سوى الاسلام.

بـ ـ المذهبُ المالكي:

1) قال الإمام يوسف بن عبدالله ابن عبدالبرّ (368ﻫ - 463ﻫ) فى" الكافى فى فقه أهل المدينة": "وكل كافر قال:" لا إله الا الله محمد رسول الله" لاعبا غير راغب في الإسلام فإن ذلك لا يوجب عليه الدخول في الإسلام إذا اباه وإنما يدخل في الإسلام الراغب الطائع غير المكره".

2) وقال القاضي عياض وقال في بيان مسألة الكفّ عمن قال: لا إله إلاّ الله: "اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال "لا إله إلا الله" تعبير عن الإجابة إلى الإيمان. وأن المراد بذلك مشركو العرب وأهل الأوثان، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمه بقول "لا إله إلا الله" إذا كان يقولها في كفره" (اﻫ) (شرح مسلم: 1/206).

جـ ـ المذهبُ الشافعي:

1) قال الإمام الشافعيّ في "الأُمّ" (150ﻫ ـ 204ﻫ):

"والإقرار بالإيمان وجهان: "فمن كان من أهل الأوثان ومن لا دين له يدّعى أنّه دين النُّبوة ولا كتاب، فإذا شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله فقد أقرّ بالإيمان ومتى رجع عنه قُتل. قال: ومن كان على دين اليهودية والنصرانية فهؤلاء يدّعون دين موسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهما وقد بدّلوا منه، وقد أُخذ عليهم فيهما الإيمان بمحمّد رسول الله صلى الله عليه وسلـم فكفروا بترك الإيمان به واتّباع دينه مع ما كفروا به من الكذب على الله قبله.

فقد قيل لي: إنّ فيهم من هو مُقيمٌ على دينه يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، ويقول: "لم يبعث إلينا". فإن كان فيهم أحدٌ هكذا فقال أحدٌ منهم: "أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله" لم يكن هذا مستكمل الإقرار بالإيمان حتى يقول: "وأنّ دين محمّدٍ حقٌّ أو فرضٌ وأبرأ مما خالف دين محمّدٍ صلى الله عليه وسلـم أو دين الإسلام"، فإذا قال هذا فقد استكمل الإقرار بالإيمان، فإذا رجع عنه أُستُتِيبَ، فإن تاب وإلاّ قُتل.

فإن كان منهم طائفةٌ تُعرَف بأن لا تُقرّ بنبوة محمّد صلى الله عليه وسلـم إلاّ عند الإسلام، أو تزعم أنّ من أقرّ بنبوته لزمه الإسلام، فشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله فقد استكملوا الإقرار بالإيمان. فإن رجعوا عنه اُستُتِيبوا، فإن تابوا وإلاّ قُتلوا". (موسوعة الشافعيّ: المجلّد السابع. ص: 596).

2) قال الإمام أبو سليمان الخطابي(ت:388هـ) في قوله صلى الله عليه وسلـم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله "معلوم أن المراد بهذا أهل عبادة الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون "لا إله إلا الله" ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف". (شرح مسلم 1/206)

وقال عند حديث أنس:"كان يغير عند صلاة الصبح ،وكان يستمع ،فإذا سمع آذانا أمسك وإلا أغار": "قلت: فيه من الفقه أنَّ إظهار شعائر الإسلام فى القتال و عند شنِّ الغارة، يحقنُ به الدم، وليس كذلك حال السلامة والطمأنينة الَّتى يتَّسع فيها معرفة الأمور على حقائقها، واستيفاء الشروط اللازمة فيها." (معالم السنن)

3) القاضى الحسين الحليمى (338- 403هـ): قال الحافظ ابن حجر: " قال الحليمي ولو قال اليهودي لا إله إلا الله لم يكن مسلما حتى يقر بأنه ليس كمثله شيء ولو قال الوثني لا إله إلا الله وكان يزعم ان الصنم يقربه الى الله لم يكن مؤمنا حتى يتبرأ من عبادة الصنم (فتح البارى:كتاب التوحيد)

4) قال الإمام عبد القاهر بن طاهر البغدادي (ت:429ﻫ) في كتابه "الفَرق بين الفِرق":

(الباب الرابع): في بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منها: قال: وقد ذكرنا قبل هذا أنّ بعض الناس زعم أنّ اسم ملّة الإسلام واقعٌ على كلّ مقرٍّ بنبوّة محمّد صلى الله عليه وسلـم وأنّ ما جاء به حقٌّ كائناً قوله بعد ذلك ما كان، وهذا اختيار الكعبيّ في مقالته. وزعمت الكرّامية أنّ اسم أمّة الإسلام واقعٌ على كلّ من قال: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله سواءً أخلص في ذلك أو اعتقد خلافه. وهذان الفريقان يلزمهما إدخال العيسوية من اليهود والشاذكانية منهم في ملّة الإسلام، لأنّهم يقولون لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، ويزعمون أنّ محمّداً كان مبعوثاً إلى العرب وقد أقرُّوا بأنّ ما جاء به حقٌّ. (اهـ)

5) وقال الإمام الحسين البغوي (ت: 516هـ): "الكافر إذا كان وثنيا أو ثنويا لا يقرّ بالوحدانية فإذا قال: "لا إله إلا الله" حكم بإسلامه ثم يجبر على قبول جميع أحكام الإسلام ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام. وأما من كان مقراً بالوحدانية منكرا للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله. وإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة، فلابد أن يقول: " إلى جميع الخلق". فإن كان كفره بجحود واجب أو استباحة محرم فيحتاج أن يرجع عما اعتقده. اﻫ (فتح الباري: 12/279).

وقال فى شرح السنّة: وقوله: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله " أراد به عبدة الأوثان دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم لا يرفع عنهم السيف حتى يقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلـم، أو يعطوا الجزية. (1\66)

وقال: اتفقت الصحابة والتابعون، فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان، لقوله سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). (الأنفال: 2-3) (1\38)

6) وقال الإمامُ النووي: "وإن كان ممن يزعم أنّ النبي صلى الله عليه وسلـم بُعث إلى العرب وحدها أو ممن يقول إنّ محمداً نبيٌّ يُبعث وهو غير الذي بُعث لم يصحّ إسلامه حتى يتبرّأ مع الشهادتين من كل دينٍ خالف الإسلام، لأنّه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل أن يكون أراد ما يعتقده، وإن ارتدّ بجحود فرضٍ أو استباحة محرّمٍ لم يصحّ إسلامه حتى يرجع عما اعتقده ويعيد الشهادتين لأنّه كذّب الله وكذّب رسوله بما اعتقده في خبره، فلا يصحّ إسلامه حتى يأتي بالشهادتين". (المجموع شرح المهذّب: 19/231).

دـ المذهبُ الحنبلي:

1) قال الإمام ابن قدامة الحنبليّ (541ﻫ - 620 ه‍)

الفصل الثاني: أنه إذا ثبتت ردته بالبينة أو غيرها فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لم يكشف عن صحة ما شهد عليه به وخلى سبيله ولا يكلف الإقرار بما نسب إليه لقول النبي صلى الله عليه وسلـم "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا في دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل" (متفق عليه)، ولأن هذا يثبت به إسلام الكافر الأصلي فكذلك إسلام المرتد، وكلام الخرقي محمول على من كفر بجحد الوحدانية أو جحد رسالة محمد، أو جحدهما جميعاً، فأما من كفر بغير هذا فلا يحصل إسلامه إلا بالإقرار بما جحده.

ومن أقر برسالة محمدٍ صلى الله عليه وسلـم وأنكر كونه مبعوثاً للعالمين، لا يثبت إسلامه حتى يشهد أن محمداً رسول الله إلى الخلق أجمعين، أو يتبرَّأ مع الشهادتين من كل دين يخالف الإسلام، وإن زعم أن محمداً رسول مبعوث بعدُ غير هذا، لزمه الإقرار بأن هذا المبعوث هو رسول الله، لأنه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل أنه أراد ما اعتقده، وإن ارتد بجحود فرض لم يسلم حتى يقر بما جحده، ويعيد الشهادتين لأنّه كذب الله ورسوله بما اعتقده..

وكذلك إن جحد نبياً أو أية من كتاب الله تعالى أو كتاباً من كتبه أو ملكاً من ملائكته الذين ثبت أنهم ملائكة الله، أو استباح محرماً فلا بد في إسلامه من الإقرار بما جحد. (المغني: 8/142).

2) وقال الإمام ابن تيمية (661ﻫ - 728ﻫ): "فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحجّ أو عن التزام تحريم الدماء والأموال أو الخمر أو الزنى أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب أو غير ذلك من التزام واجبات الدِّين، أو محرّماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها -والتي يكفر الواحد بجحودها-، فإن الطائفة الممتنعة تقاتَل عليها وإن كانت مقرّة بها وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء.

وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنْزلة البغاة الخارجين على الإمام أو الخارجين عن طاعته كأهل الشام مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب. وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام". (الفتاوى)

قلتُ: ترى أنّ عُلماءَ الأمّة يُقرُّون بأمرين:

(الأول) أنَّ من أرادَ الإسلامَ لا بُدَّ أن يقُولَ كلاماً يدلُّ على إرادته للإسلام.

(الثاني) أن يكُونَ قولُه دالًّا على براءته مما كان عليه من الكفرِ، ومن قومه الكفار.

وهذا هو القولُ الصحيح المُوافق للأدلّة. فلا ينبغي الجمُود على اللفظ وإهمال المعاني. فإنَّ من تمسك بأنَّ من قال لا إله إلا الله فهو مسلم، يردُّ عليه وجُودُ كفار يقولُون هذه الكلمة.

فمن تمسك بأنَّ من قال لا إله إلا الله محمّد رسولُ الله فهو مسلم، يردُّ عليه وجُودُ كفار يقولُون هذه الكلمة. وقول لا إله إلا الله يكون إقرارًا تامًّا يُوجبُ الكفّ عن بعض النّاس، ولا يكُونُ كذلك لبعضهم. وقولُ لا إله إلا الله محمّد رسولُ الله يكون إقرارًا تامًّا يُوجبُ الكفّ عن بعض النّاس، ولا يكُونُ كذلك لبعضهم.

المُقدّمة الرابعة: (أصلُ المُجتمع)

عند ما يتحدّث كثير من النّاس عن أحكام الديار والمجتمعات أو يختلفون فى حكم مجتمع أو بلد بعينه تجد وُرودَ كلمةِ "أصل المجتمع" فى كلامهم كثيراً والقول بأنّ هذا المجتمع أصله "الإسلام" أو "أصله "الكفر".

 ومع وُرود هذه الكلمة فى حديث الجميع إلا أنّه من الظاهر أنهم مختلفون فى المراد منها، وعلى أقوال متباينة، فلابُدَّ من بيان المفهوم الصحيح الذي يجب أن تعنيه كلمة "أصل المجتمع"، وبيانِ كذلك المفاهيم البعيدة عن الصواب التي ينتحلها بعض الغيورين الذين تنقصهم المعرفة والتعمق فى فهم إصطلاحات العلماء والقواعد الأصولية والفقهية التى يوردونها فى كتبهم:

(أ) منهم من يظنّ أنّ المراد بـ"الأصل" هو ما كان عليه المجتمع فى سالف عهده، فإن كان المجتمع فى سالف عهده وتاريخه القديم معدوداً فى العالم الإسلامي، أو ديار الإسلام، فأصله "الإسلام"، وإن ارتدّ الحاكم والمحكوم وصارت السلطة بيد أعداء شريعة الله، فإنّ "أصلَ المجتمع" لا يزولُ وهو ثابتٌ ثبوتاً تاريخياً مستمرّاً على مرّ الأجيال فى رأي هؤلاء، ولذلك يستحلّون بهذه القاعدة القائمة على الخطإ فى الفهم مناكحة أهل الشرك أو الردّة وأكل ذبائحهم والصلاة خلفهم وعليهم.

فيقولون مثلاً: "هذه البلاد صارت دار كفر أو ردّة وقد وجب قتال الطائفة الممتنعة الحاكمة بغير ما أنزل الله"، ثم تجدهم يعاملون أعضاء المجتمع كمعاملة المسلمين، وإن سُئلوا قالوا: "الأصل فى المجتمع هو الإسلام". وهذا خطأ شنيع ويلزم منه أن نعتقد إسلام الأمم الكافرة التى ذكرها الله فى كتابه، ووصمهم بالشرك والكفر، وأمر بجهادهم، بحجّة أنهم من ذرّية قوم مؤمنين، فمشركوا العرب كانوا فى "الأصل" على ملّة إبراهيم وإسماعيل عليهم السلام قبل مجيء عمرو بن لُحيّ.

واليهود كانوا فى "الأصل" على دين موسى عليه السلام، والنصارى كانوا فى "الأصل" على دين عيسى عليه السلام. بل إنّ جميع الأمم الكافرة فى جميع الأزمان كانوا فى "الأصل" -أي تاريخهم القديم- على ملّة أبيهم آدم عليه السلام.

والله سبحانه وتعالى قد قسم النّاس إلى مؤمنين وكافرين، وقال:( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ) وأنزل لكلّ قسم أحكاماً خاصّة بهم يعاملون على أساسها مع كون الجميع من "أصل" واحد ومن ذرّية نبيّ واحدٍ كان على الإسلام والحنيفية.

وبهذا تعرف أنّ التّاريخ القديم لأيّ مجتمع لا تأثير له فى تحديد أحكام التعامل التى يستحقّها، وإنّما يُعامَلُ كلّ مجتمع على أساس الدِّين الذي هو عليه في الوقت الرّاهن، فإن كان على الشرك والوثنية فله أحكام خاصّة به، وإن كان على النصرانية أو اليهودية فله كذلك أحكام خاصّة به، وإن كان على الردّة فله أحكام خاصّة به، بغضّ النظر عن تاريخه القديم ودين أجداده القدماء.

(ب) ومنهم من يظنّ أنّ كلمة "أصلِ المجتمع" تأتي عند الحديث عن الكفار ولا تأتي عند الحديث عن المجتمع المسلم، لأنّ الكفار قسمان:

(الأول) أصليون: وهم الذين لم يدخلوا فى الإسلام قطّ، وإنما هم على الكفر الذي نشأوا عليه، كاليهود والنصارى والوثنيين.

(الثاني) فرعيون: وهم المرتدّون الذين دخلوا فى الإسلام ثم خرجوا منه.

ويقول: "الأصل فى الأولين الكفر، والأصل فى الآخرين الإسلام"، فينشأ من هذا الفهم المنحرف أن يُعامل أهل الردّة كمعاملة المسلمين من حيث النكاح والذبائح والصلاة خلفهم وعليهم، والحقّ انّ شريعة الله شدّدت التعامل مع أهل الردّة وأمرت بقتل المرتدّ إن لم يتب، لا يُهادن ولا يُسترقُّ ولا يُصالح على جزية، فإمّا أن يتوب وإمّا أن يقتل. وهذا بخلاف التعامل المشروع مع أهل الأوثان وأهل الكتاب الذين يهادنون ويصالحون على جزية ويحلُّ نكاحُ أهلِ الكتاب وطعامهم.

وفقهاء الإسلام وإن قال بعضهم: الكافر أصليٌّ وفرعيٌّ، إلا أنهم مجمعون على قتل المرتدّ بعد الاستتابة، وخالفت الحنفية فى المرأة المرتدّة. فإن كان كلُّ مرتدّ محكوماً بالقتل فما فائدة القول بأنّ أصله الإسلام أو أنّه فرعيٌّ لا أصليٌّ.

(جـ) ومنهم من ظنّ أنّ التأصيل قائم على الزعم والإدّعاء وإن كان يُكذبه الواقع المشاهَد. فيظنّ أنّ الأمة إذا زعمت أنها مسلمة فأصلها "الإسلام"، وإن كانت على الردّة والإنسلاخ من الدّين، فيُعلن عليها الحرب والقتال لردّتهم عن الإسلام فى وقتٍ يُفتِي بحِلِّ مناكحتهم وذبائحهم والصلاة خلفهم وعليهم.

والحقّ أن الزعم والإدّعاء ينفع الفرد والمجتمع إذا لم يوجد ما ينقضه ويكذبه، أما إن وُجد دليلٌ على كذب الزعم والإدعاء فلا يكون له وزنٌ وتأثيرٌ، عند إصدار الحكم الذي يستحقّه. قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً. انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا) (النساء:49).

وقال: (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا) (النساء:123).

وقال: (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة:111).

وفال: (وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (البقرة:135).

ولمّا إدّعى كلّ من أهل الأوثان وأهل الكتاب أنهم أولى النّاس بإبراهيم عليه السلام، ردّ الله زعمهم الباطل وقال: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:67).

فالقول بأن من زعم الإسلام فأصله "الإسلام" مطلقاً قولٌ باطلٌ مخالفٌ لكتاب الله، والزّعم الذي لا تصديق له من الواقع لا تأثير له فى الحكم وإنزال العقوبة.

قال تعالى: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29).

وقد قاتل الصحابة رضوان الله عليهم الخوارج ومانعي الزكاة وبني حنيفة وهم يدّعون الإسلام ويقولون: "لا إله إلا الله محمدٌ رّسول الله".

 فإذا عرفت أنّ تاريخ القوم وأديان أجدادهم القدماء لا يُؤثّر فى الحكم الذي يستحقّه فى الواقع الرّاهن. وعرفت أنّ الكافر الفرعيّ أشدّ فى الإثم والعقوبة من الكافر الأصلي، وعرفت أنّ الزعم والإدّعاء لا ينفع الإنسان فى الدنيا والآخرة إذا كان يُكْذِبه الواقع. إذا عرفت ذلك بقي أن تفهم مراد العلماء عند ما يقولون في كتبهم: "الإسلام هو الأصل" أو "أصل الدار هو الإسلام".

إنّهم حين يقولون ذلك ينطلقون من القاعدة الأصولية القائلة بـ(استصحاب الحال)، أو (إستصحاب البراءة الأصلية) ومعنى ذلك: أنّ من عُرِفَ بصفةٍ معينة فإنه يُوصفُ بها ما لم يأتِ بخلافها ومثال ذلك: إذا عُرِفَ الرجل بالإسلام وانقطع خبره مدّة طويلة ثمّ أرسل إليك لحماً من ذكاته فإنّنا نحكم بحلّ هذا اللحم ونقول "الأصل هو الإسلام". وكذا إذا أسلم القوم أو المجتمع فإنّنا نستصحب دائماً هذا الحال، ونقول: "أصله الإسلام" أو "البراءة الأصلية" فلا نظنّ بهم كفراً ولا نعاملهم معاملة الكفّار ما لم يظهر منهم ما يرفع البراءة الأصلية من الكفر والردّة.

وكذلك إذا عُرِفَ الرجل بالشرك الأكبر فإنّنا نستصحبُ هذا الحال، ولا نظنّ به خيراً وتوحيدًا، ما لم يأت بالخير والتوحيد. وكذا إذا ارتدّ القوم وكفروا وجب استصحاب حالهم ومعاملتهم معاملة المرتدّين ونقول:"الردّة هي الأصل" أي هي آخر حالهم الذى نبني عليه الأحكام. فإن تابوا من الكفر والردّة وأظهروا الإسلام، نُغيّر طريقة التعامل ونقولُ: "الأصلُ هو الإسلام" قلا نرميهم بكفرٍ ما لم يَظهر منهم خلافُ ذلك.

فأصلُ المجتمع هو آخرُ حاله الذى نبني عليه أحكام تعاملنا معه، وقد يتحوّل من حالٍ إلى حالٍ، فيكون الأصل دائماً هو آخر الأحوال.

الجواب:

1) (قالَ السائلُ)

(نحن لا نحكم بإسلام من رأيناه يصلي أو يُظهر أي علامة من العلامات المشتركة اليوم بين المسلمين والمشركين. نحن نقرُّ بأنّ المحكوم قد يكون مسلما، ولكن هذه العلامات لا تكفِي اليوم لأن أكثر الناس يمارسونها).

أقُولُ: نعم، يجبُ علينا أن لا نحكُمَ بإسلامه لأمرين:

(الأول) لأنّهُ في الظاهر عُضوٌ من مُجتمعٍ قد اُمرْنا بالبراءة منه.

(الثاني) لأنّهُ لم يظهرْ منهُ ما يدلُّ على براءته من هذا المُجتمع.

2) (قال) (نحن لا نقول: "الأصل في النّاس اليوم الكفر، وكلّهم مشركُون" بل نقول: "أكثرُ وأغلبُ النّاس اليوم على الباطل، لا يعرفون التوحيد"، (وما أكثر الناس ولو.... الآية).

أقُولُ: إذا كان مُرادُكَ من كلمة "الأصل"، هو حُكم المجتمع الأخير الّذي عليه العمل، فقولُكَ يدلُّ على أنّك لا ترَى أنّ الحُكمَ الأخير للمجتمع المصري أو العراقي أو التركي ـ مثلا ـ ليس أنّهُ مُجتمعٌ كافرٌ. وإذا لم يكُن كافرًا فهو مُسلمٌ. وتكُونُ من الّذين يعتقدُون بأنّ مُجتمعات العالم الإسلامي اليوم مجتمعاتٌ مُسلمة. وهذا يردُّ على قولك الآخر (بل نقول: "أكثرُ وأغلبُ النّاس اليوم على الباطل، لا يعرفون التوحيد"، (وما أكثر الناس ولو.... الآية).

فيجبُ عليكَ تصحيحُ كلامكَ، إذا كان هذا القول خطأً في التعبير. أمّا إذا كُنتَ تعتقدُ بأنّ مُجتمعات العالم الإسلامي اليوم مجتمعاتٌ مُسلمة، غلب على بعضِ أفرادها الكُفرُ، فقولٌ في غاية الخطُورة. ويكُونُ الأفضلُ لك حينئذ أن ترجعَ إلى البحث في "تعريف الإسلام"، و"تعريف الإيمان"، و"متى يُكفَّرُ المجتمع، ومتى لا يكفّر".

إنَّ المُجتمع المُسلمَ لا يُقالُ عنهُ: (أكثرُ أوأغلبُ أفرادهِ على الباطل، لا يعرفون التوحيد)، إلا إذا قُصدَ بذلك أنّهُ كان مُجتمعًا كافرًا فغلب عليه المسلمُون، وجرت عليه أحكامُ الإسلام مع كفرهم، فصار معدودًا في ديار الإسلام لسريان أحكام الإسلام عليه، مع أنَّ (أكثرَ وأغلبَ النّاس فيه على الباطل، لا يعرفون التوحيد كالهند لما فتحهُ المسلمُون).

3) (قالَ) (والمخالفون يقولون: من أظهر بعض شعائر الإسلام، ولا نعلمُ عنه أنهُ وقع في الشرك الأكبر أو ناقض من نواقض الإسلام، فنحكم بأنّهُ مسلمٌ ظاهرًا، أي: الإسلام الحُكمي. ونقرُّ بأنّ المحكوم قد يكُونُ كافرًا عند الله كالمنافقين. وكذلك نوافقُ معكُم بأنّه لو ثبت أن هذا المحكوم وقع في الشرك الأكبر أو الكفر الصريح، فهو مشركٌ وإن كان جاهلا).

أقولُ: أمّا قول المُخالفين هذا، فهو قولُ من يعتقدُ بأنّ مُجتمعات العالم المعرُوف بالعالم الإسلامي اليوم مجتمعاتٌ مُسلمة، غلب على بعضِ أفرادها شركيّات. وليس الخلافُ الذي بيننا وبينهم في الفردِ المُظهرِ لبعضِ شعائر الدّين، بل في تعريفِ الإسلامِ والكُفرِ، وفي تحديد حُكمِ مُجتمعات العالم المعرُوف بالعالم الإسلامي اليوم. فهم يعتقدُون بإسلامِ تلك المُجتمعات، ونعتقدُ بكُفرها.

فالخلافُ الذي بيننا وبينهم في الفردِ، سببُهُ الخلافُ الذي بيننا وبينهم في المجتمع. لأنَّ من اعتقد أنّهُ في مُجتمعٍ مُسلمٍ، ورأى من يُظهرُ بعض شعائر الإسلام، ولا يعلمُ أنهُ واقعٌ في الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام، فعليه أن يحكمَ بأنّهُ مسلمٌ ظاهرًا، أي: الإسلام الحُكمي، مع العلم بأنّ المحكوم قد يكُونُ كافرًا عند الله كالمنافقين، وأنّه لو ثبت أن هذا المحكوم بإسلامه واقعٌ في الشرك الأكبر الصريح، فحكمهُ أنّهُ مشركٌ وإن كان جاهلا.

ومن اعتقد أنّهُ في مُجتمعٍ كافرٍ مُظهِرٍ لبعضِ شعائر الدّين، ورأى من يُظهرُ بعض هذه الشعائر الإسلامية، ولا يعلمُ أنهُ واقعٌ في الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام، فعليه أن يحكمَ بأنّهُ فردٌ من المُجتمع الكافر، ولم يثبُت إسلامُهُ، ويُعاملَ معاملة أهلِ مُجتمعه. وهذا عملٌ بالأصلِ، وكان الأصلُ أنّ المُجتمعَ كافرٌ، وأنَّ المقصُود من لفظ "المجتمع" هو الأفرادُ المُجتمعون في الدار، الذين بينهم العلاقات الدينيّة والاجتماعية والسياسية. ومن اعتقدَ بكُفرِ المُجتمع فقد اعتقد بكُفرِ أفرادِهِ، إلا من ثبتَ إسلامُهُ بيقين.

4) (قال) (المخالفُ يُوافق معنا في أن كل من عبد غير الله، ولا يتبرّأ من الشركِ والمُشركين، ليس بمسلم. ويوافق معنا بأنَّ الحُكمُ على الظاهر، لأنّ حال المحكوم غير معلوم، و لا نعرف هل يشركُ بالله وأنهُ موحد).

أقولُ: ونحنُ نُوافقهُ على هذا لو كنّا في مُجتمع مسلمٍ قد ثبت إسلامُهُ بيقين. أمّا في المجتمع الكافر فقد كفَّرنا الأفرادَ لما كفّرنا المُجتمع، فصار معلومُ المُجتمع عندنا معلوم الدّين، حتى يظهرَ خلافُ ذلك، وأنّهُ قد تبرّأَ من قومه المشركين.

فالمُخالفُ إذا كان صادقًا في اعتقادِه في كُفرِ المُجتمع، وجبَ عليه أن يخرُجَ من الحيرةِ والتردُّدِ، الّذي لا يقُومُ على أصلٍ صحيحٍ ثابتٍ. وأن يعلمَ أنّ إطلاقَ الكُفرِ على المُجتمعِ، مع التوقُّفِ عن تكفيرِ أعضائه مُخالفٌ لدين نبيِّ الله صلّى اللهُ عليه وسلّم، كما بيّنتُ ذلك في المُقدّمة الثانية.

ويكفيك أن تعلمَ أنّ الصحابة رضوانُ الله عليهم، لما علمُوا بردّة بني حنيفة وغيرهم، عاملُوا أفرادَها بأنّهم مرتدُّون مع قولهم لا إله إلا الله وصلاتهم، ولم يكُونُوا يسألُون الفردَ منهم هل أنتَ ثابتٌ على الإسلامِ الأول، أم أنتَ من المُرتدّين، وقد مرّ بك ما دار خالد بن الوليد رضي الله عنه وبين مجاعة الحنفيّ. وهذا لعلمهم بأنّ المُجتمع الواحد يُعاملُ كالفردِ الواحد، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة.

5) (قال) (نحن نقولُ: "أنَّ المُخالف أخطأ، ولكن لا يكفُر، لأنَّ أصلهُ صحيحٌ، لأنّهُ لا يتوقَّفُ في من عبد غير الله، ولا يشك في كفرِ من صرف عبادة لغير الله، ولا يُسمِّي من عبد غير الله مسلمًا").

أقولُ: هذا خطأٌ عظيمٌ لأنّ المُخالفَ يرُدُّ على الله ورسُوله. فقد أمر الله بالبراءة من المجتمع المشرك، وجهاد القوم الكافرين، ونفَّذ النّبيُّ صلى عليه وسلّم ومن آمن به هذا الأمر الإلهيّ. فمن قال: "هذا خطأٌ ويجبُ تكفيرُ المجتمع والتوقُّف عن الأفراد حتى نرى من يفعلُ الشرك فنُكفِّره"، فقد ردَّ نصُوصَ الكتابِ والسنَّة. والرادُّ للنُّصُوصِ كافرٌ خارجٌ من أصلِ الدِّين. وعلى هذا لو كان مُسلمًا قبل ذلك وجبَت استتابتُهُ. ولو كان قائلا ذلك وهو عُضوٌ من المجتمع الكافر، فهو على كُفرهِ الأصلي.  

6) (قالَ) (ونقولُ: من زعم أن مسألة مجهُول الحال من أصلِ الدين ويُكفّر كُلّ من خالفه في هذه المسألة، فإنّهُ من الغلاة).

أقولُ: إنّ الاختلاف في مجهُول الحال، أو مجهُول الدِّين لهُ حالاتٌ:

(أ) الحالةُ الأولى:

قومٌ محكُومُون بالكُفرِ، ولا نعلمُ فيهم مسلمًا، فمثل هؤلاء يكُونُ مجهُولُ الدّينِ منهم الّذي لم نرهُ يفعَلُ الشركَ، كمعلُوم الدّين. لأنّ الله تعالى علّمنا أنّ القوم أو الأمّة الكافرة تُكفَّرُ على العمُومِ وأفرادُها همُ المقصُودُون، فكُلُّ فردٍ منها لهُ حُكمُ أمّتهِ. ومن قال بذلك فهو المُصيبُ، وليس من الغُلاة للأدلّةِ المتقدِّمة.

ونعلمُ كذلك بامكان أن يكُون فيهم مُسلمٌ مُستخفٍ بإسلامه لم يُظهرْ دينه، كالمُؤمن المذكُور في سُورة غافر، وكما كان المقداد بن عمرو قبل هجرته، وكالذين ذكرهم الله في سورة الفتح. ونعلمُ كذلك أنّ من ظنّ هذا المسلم المجهُول كافرًا، وعاملهُ مُعاملةَ الكُفار أنّهُ معذُورٌ، فقد استعدَّ الصحابة بالعمل بمشورة حمزة في قتل عُمر، إذا ظهر أنّهُ جاء لشرٍّ، ولم يعلمُوا أنّهُ يُريدُ إعلانَ إسلامه، وقتلَ عمرو بن أمية رجلين من بني عامر، ولم يعلم بإسلامهما، فسعى النّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في دفع ديتهما. فإنّ أحكام النّاسِ تتغيّرُ، ومن علم بكفرِ إنسان ولم يعلمْ إسلامَهُ فهو معذُور، لأنّهُ مُستصحبٌ للحال السابقِ ولم يعلم بتغَيُّرِهِ.

(بـ) الحالةُ الثانيةُ:

قومٌ محكُومُون بالكُفرِ، وبلغنا أنَّ فيهم مسلمين، ولكن لا نعلمهم، وليسَ بينهم وبين القوم الكافرين اختلافٌ في الشعائر، فمن لم يعرفْ أعيانَهم، فهو على الحالة الأولى في التعامُل. لأنّنا مأمُورُون بالبراءة من هذا المُجتمع الغالب على البلادِ، ولا يحلُّ لنا أن نُواليَ أحدًا منهم إلا بشُرُوط، ومن غابَ عنّا بشخصة، ولا ندري هل هو حيٌّ او ميِّتٌ، لم يُكلّفنا اللهُ

بأحكامٍ تخُصُّهُ، إلا بعد دُخُوله في دائرةِ علمنا. ومن عاملَ الجميع على الأصلِ، أي ثُبُوتِ كُفر المجتمع إلا من أسلم منهم بيقين، فليس هذا أيضًا بل هو المُصيبُ المُوافق لظاهر الشريعة.

(جـ) الحالةُ الثالثةُ:

قومٌ محكُومُون بالكُفرِ، وبلغنا عن طريقِ الثقات، أنَّ فيهم مسلمين، وبينهم وبين القوم الكافرين اختلافٌ في الشعائر، كمُسلمين في قريةٍ نصرانيّة أو مجوسيّة أو ملاحدة. فإن دخلَ هذه البلاد بعضُ المسلمين، فرأوا قومًا يُصلُّون جماعةً. فاختلفُوا في الصلاة خلفهم. فعجل بعضُهم فاقتدوا بهم في الصلاةِ. وأنكرَ بعضُهم على أولئك الّذين صلّوا خلفهم وكفَّرُوهم.

فهذا التسرُّع في التكفير خطأٌ. لأنَّ هذا الّذي صلّى خلفهم قد عمل بخبر الثقات، وظنَّ أنّ إسلامهم حقيقة. فإن علمَ بعد الخرُوج من الصلاة، أنّ المُصلّين الّذين صلّى خلفهم قومٌ من أهلِ الشركِ فعليه أن يُعيدَ الصلاة، ولا يصحُّ تكفير مثل هذا المخطئ، ومن كفّرهُ فهو الّذي فيه غُلوٌ لتكفيره المُسلمَ المُخطئَ، لا لترجيحه التثبُّت والتوقُّف في مثلِ هذه الحالة.

قال الإمام ابنُ قدامة: مسألة: قال: (وإن صلّى خلف مشرك أو امرأة أو خنثى مشكل أعاد الصلاة).

"وجملته: أن الكافر لا تصح الصلاة خلفه بحال سواء علم بكفره بعد فراغه من الصلاة أو قبل ذلك وعلى من صلّى وراءه الإعادة: وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور والمزني: لا إعادة على من صلّى خلفه، وهو لا يعلم لأنه ائتم بمن لا يعلم حاله فأشبه ما لو ائتم بمحدث.

ولنا: إنه ائتم بمن ليس من أهل الصلاة فلم تصح صلاته كما لو ائتم بمجنون وأما المحدث فيشترط أن لا يعلم حدث نفسه والكافر يعلم حال نفسه". (المغني)

 

S S S

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved