Get Adobe Flash player

نفسُ الإنسان

(العليم بالنفس)

إنَّ الله عزَّ وجلَّ هو ربُّ الإنسان وخالقهُ، وهو أعلمُ بنفس الإنسان من الإنسان، يعلمُ حقيقتها وماهيتها، وما تُكنّهُ من خير وشرٍّ، وما تُظهرهُ من حسنات وسيِّئات.

قال تعالى: ﴿ألا يعلمُ من خلق وهو اللطيفُ الخبير﴾ (المُلك:14).

وقال: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ (الإسراء:54).

وقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ (الإسراء:25).

وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (البقرة:235) .

(الجسد والرُوح)

جسدُ الإنسان مخلُوقٌ من طينة الأرض، وجعلهُ اللهُ إنسانا حيّا بالروح التي نفخها فيه.

 قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: 28-29). 

ثُمّ جعل اللهُ نسلهُ من سُلالة من ماء مهين.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.

 (المؤمنون: 12-14).

فليس إنسانٌ أكرم من إنسان من حيث أصل الخلقة ومادتها، وإنَّما يتفاضلُون في التقوى وطاعة الله. ولهذا عدَّ الإسلامُ الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، من عمل أهلِ الجاهلية. وإن اتّصف بها مُسلمٌ فهو ناقص الإيمان، وفيه جاهلية. 

(حاجّة الجسد والرُّوح)

والإنسانُ مُركَّبٌ من روحٍ وجسد، ولكُلٍّ حاجاتُهُ الفطرية. فحاجَّةُ الرُوح العقيدةُ الجازمة، والعلم اليقين المُفسِّر للوجُود. وأوّلُ ذلك معرفةُ خالقها، وعبادتُهُ وحدهُ بلا شريك، وإخلاص الطاعة له. فإن لم تجد حاجتها، ولم تهتد إلى الإسلام الحنيف، شقيت في الدُنيا والآخرة. وحاجةُ الجسد الطعامُ والشرابُ والزواج، فإن فقد ذلك زال وجُودهُ.

وحاجاتُ الإنسان الرُوحية أهمُّ من حاجاته الجسدية، لأنّ فاقدها يخسرُ الدُنيا والآخرة. أمَّا الحاجات الجسدية ففاقدها ــ إذا كان مُؤمنا ــ يخسرُ الدُنيا، ويفُوزُ بالجنّة والنعيم المقيم.

ولذا كان العُقلاءُ يختارُون الإيمان مع الموت على الكُفرِ مع الحياة.

قال تعالى: ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طـه: 72). 

(الفطرة على التوحيد)

وأخبر الله تعالى أنَّهُ فطرَ نفسَ الإنسان على معرفة ربِّها، وأنَّ كلَّ مولُود يُولدُ على هذه الفطرة، مُقبلا على ربِّه مُعرضا عن غيره، لا يعرفُ شركاً، ولا يميلُ إلى شريك. وأنَّ الإنسان يأتي إلى الدُنيا وهو على التَّوحيد، وإنَّما يُضلُّهُ بعد مجيئه شياطينُ الإنس والجنّ. 

قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم:30).

وفي الحديث:" كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تجدون بها من جدعاء" (مُتَّفق عليه، عن أبي هريرة)

وفي الحديث: " قال الله عز وجل: إني خلقتُ عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم" (مسلم عن عياض بن حمار

(قبول النفس للخير والشرّ)

ونفسُ الإنسان تقبلُ الخير، كما تقبلُ الشرّ، وكُلُّ إنسان مُخيَّرٌ في اتِّباع الخير أو الشرِّ. فليس الإنسانُ كالملائكة التي لا تخرُجُ عن حُدُود أمرِ الله، وليس هو كالشياطين المُتمرِّدة على الله، التي لا تنفكُّ عن فعل الآثام والشُرُور.

قال اللهُ تعالى: " وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾. (الشمس:7-10).

وقال: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان:3).

وقال: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد:10).

ولأجل ذلك يصيرُون في الدُنيا فريقين، مُؤمنين مُتَّقين، على درجاتهم في الإيمان والتقوى، وكافرين فاجرين، على درجاتهم في الكُفر والفجُور. كما ينقسمُون في الآخرة إلى فريقين، ويكُونُ فريقٌ في الجنَّة، وفريق في السعير، لأنَّ الجزاءَ من جنس العمل، فمن عمل خيراً، فلهُ الخير، ومن عمل شرّاً، فلهُ الشرُّ.

قال اللهُ تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (القصص:84).

وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7-8).

وقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (الشُورى:7).

(هوى النَّفس)

وللإنسان هوى جامحة، إذا أرخى لها العنانَ أوردتهُ موارد الخزي وسُوء العذاب. وإنْ حبسها بحُدُود العلمِ نجا من شرِّها وعواقب طغيانها.

قال تعالى: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الرُوم: 29-32).

وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص:50).

وقال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى. وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. (النّازعات: 37-41). 

(عدُو الإنسان)

وللإنسان عدوٌّ شديدُ العداوة، لا يفترُ عن إضلاله، وتزيين السيِّئات لهُ. هذا العدوُّ هو إبليس اللعين وجُنُوده. ومن عصاهُ وخالفهُ نجا من شرِّه، ومن اتَّبعهُ خسر الدُنيا والآخرة. وعداوتُه للإنسان عداوةٌ قديمة، ظهرت مع ظهُور الإنسان، وتكريم الله لآدم عليه السلام. عداوةٌ مبعثها الحقد والحسد والكُفر بقضاء الله، وبما قسمهُ لعباده. عداوة لا يُرجى بعدها صداقة، وكُفرٌ لا توبة بعده.

قال اللهُ تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ" 

وقال: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا. قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾. (الإسراء:61ـ 63).

وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (فاطر:6).

وقال: ﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ (النساء:119).

وخطُورة الشيطان بادية من ثلاثة أوجه:

(الأول) إنَّهُ عدُوٌّ حاسدٌ حاقدٌ يشتفي بمضرة الإنسان وشقائه.

قال تعالى: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ (الكهف:50).

(الثاني) إنَّهُ يرى الإنسان من حيث لا يراهُ الإنسانُ.

قال تعالى:﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:27).

(الثالث) إنّهُ عالمٌ بطريق نجاة الإنسان، ويجتهدُ في إضلاله عنهُ. وعالمٌ بطريق شقاء الإنسان، ويجتهدُ في تزيينه له.

قال تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (الأعراف: 16-17).

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved