Get Adobe Flash player

بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة الفصل في قضية الطاعة

(أولاً) طاعة الله:

طاعة الله على ثلاث درجات:

الأولى: طاعةٌ يكفُر تاركُها. مثل

1)طاعة الله في الإيمان المجمل:

فمن أعرض عن أن يطيع الله في التوحيد أو الإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر جهلاً أو استكباراً فهو كافرٌ بالله.

قال الله تعالى: ﴿وَاَلَّذِيْنَ كَفَرُوْا عَمَّاْ أُنْذِرُوْا مُعْرِضُوْنَ﴾  [الأحقاف: 3].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136].

2) طاعة الله في الإيمان المفصل:

فمن أطاع الله في كلّ شيء إلاّ أنّه ردّ أمراً واحداً أو نهياً واحداً واستحسن خلافه وأعلن عدم انقياده لذلك فهو كافرٌ بالله كالأول.

قال الله تعالى: ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34].

وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾  [الأنعام: 121].

وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾  [التوبة: 31].

فمن قال أُطيع الله في كل شيءٍ إلاّ دفع الزكاة أو الجهاد أو قال: أُطيع الله في كلّ شيء إلاّ ترك الرِّبا أو الخمر فهو كافرٌ مُستحلٌّ مُستكبرٌ عن طاعة الله.

وإن قال: أعلم أنّ الخمر حرام ولكن لا أدعُها فهو مستحقٌّ للعقوبة، وإن قُتل قُتل كافراً بالله، وهو بمنْزلة مانعي الزكاة .. ولم يكن الصحابة يسألونهم هل أنت مستحلٌّ لمنع الزكاة أم لا؟ بل قاتلوهم على مجرّد المنع.

الثانية: طاعةٌ يأثم تاركها:

مثل طاعة الله في اجتناب الكبائر:

فمن اعتقد تحريم الخمر في كتاب الله وأنّ شاربها مُذنبٌ عند الله ولكنّه ضعُف وغلبته شهوته فشربها مع علمه بالتحريم فهو آثم وليس كافراً خارجاً عن الملّة، بدليل إقامة الحدّ عليه للتطهير.

وقد ثبت أنّه صلى الله عليه وسلم حدّ رجُلاً شرِب الخمر مراراً، فلعنه بعض الصحابة، فنهاهم عن لعنه وقال: «أمّا علمت إنّ يحبّ الله ورسوله». وهكذا سائر الذنوب.

لكن لا بُدّ أن يكون هذا الذي لا يكفر بارتكاب الذنب كارهاً للفعل، فإن زالت الكراهة من قلبه لم يكن مؤمناً لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾  [الحجرات: 7].

الثالثة: طاعةٌ لا يكفُر ولا يأثم تاركها:

مثل طاعة الله في فعل المندوبات وترك المكروهات:

فمن اعتقد أنّ قيام الليل حقٌّ في كتاب الله، ولكنّه لم يصلِّها لم يكن كافراً ولا آثماً وإن فاته خيرٌ كثيرٌ.

 

(ثانيا): طاعةُ غير الله :

وطاعة غير الله على ثلاث درجات:

الأُولى: طاعةٌ يكفُر فاعِلُها:

فمن أطاع غير الله في التحليل والتحريم فقد خرج عن الملّة:

قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾  [الأنعام: 121].

وكذا من أطاع غير الله في شرك الاعتقاد:

قال الله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾  [يونس: 106].

ويقول تعالى للذين أطاعوا الشياطين في الكفر والشرك: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾  [يس: 60-62].

وقال تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ. وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾  [القلم: 8-9].

وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً. إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾  [الإسراء: 74-75].

وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً. يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ للإِنْسَانِ خَذُولاً﴾  [الفرقان: 27-29].

وكذا من أطاعه طاعة موالاة:

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].

وقال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾  [النساء: 89].

وقال تعالى: ﴿أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾  [النحل: 36].

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ﴾  [محمّد: 25-26].

وفي الحديث: «إنّي خلقتُ عبادي حنفاء كلّهم وإنّهم أتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم وحرّمت عليهم ما أحللت لهم».  [مسلم].

الثانية: طاعةٌ يأثم فاعِلُها :

كمن دعاه الشيطان إلى فعل كبيرة من الكبائر فأطاعه إرضاءً لشهوته فحكمه في ميزان الشرع أنّه مُذنب فاعلٌ للكبيرة باختياره، لأنّ الشيطان ليس قاهراً للإنسان وإنّما هو يدعوه ويُزيِّن له المعاصي فيُطيعون، ولذا أنزل الله في شأنهم الحدود، ولم يشرّع استتابتهم من الكفر، ومثله من دعاه شيطان الإنس إلى فعل المعصية فأطاعه.

قال الإمام ابن تيمية: "وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانَهم أرباباً حيث أطاعوهم في تحليل ما حرّم الله يكونون على وجهين:

(إحداهما) أن يعلموا أنّهم بدّلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرّم الله وتحريم ما أحلّ الله إتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنّهم خالفوا دين الرسل فهذا كفرٌ وقد جعله الله ورسوله شركاً -وإن لم يكونوا يصلّون لهم ويسجدون لهم- فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنّه خلاف الدّين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء"   

[الثاني]: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتا لكنّهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعله المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنّها معاص فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب" [الفتاوى: 7/70].

الثالثة: طاعةٌ لا يكفُر ولا يأثم فاعلها:

كمن تأمر السلطة الكافرةُ الحاكمة أن يفعل أحد أمرين أو أكثر من الأمور المباحة ، فاختار الذي فيه المصلحة، فلا يكونُ طائعاً للكفّارِ بل آخذاً لرخصة الله. أمثلة ذلك:

1) أراد المشركون أن يمنعوا صهيباً من الهجرة إلى المدينة بماله ونفسه، فترك لهم المال وهاجر بنفسه.

2) كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً لأحد الملوك، فقيل له: إنّهم لا يقرءون الكتاب إلاّ مختوماً، فاتّخذ خاتماً من فضة.

3) وفي صلح الحديبية منعوه من الاعتبار إلاّ بشروط منها: أن يرجع هذه السنة ويعتمر في السنة التالية، وأن لا يحمل إلاّ سلاح الراكب، وأن لا يُقيم في مكّة أكثر من ثلاثة أيام، وأنّ يُعيد إليهم من يأتيه مسلماً ولا يُعيدون إليه من جاءهم مرتدّاً و غير ذلك. فقبِل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الشروط.

4) وكان يأمر بفكّ العاني، ولا يُمكن ذلك إلاّ بفعل ما يطلبه الكفّار، أي: طاعتهم في الفداء. وفي الحديث: «فكوا العاني». وفدى بعض المسلمين بفتاة غطفانية وقعت في الأسر. وفدى بعضهم برجلٍ من بني عقيل.

 

قد يقول قائلٌ: الطاعة عبادةٌ كالذبح والصلاة ولا يجوز صرفها لغير الله.

والجواب:

من ظنّ أنّ طاعة غير الله شركٌ على الإطلاق فقد أخطأ، لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾  [لقمان: 15].

فدلّت هذه الآية على أنّ طاعة الوالدَين الكافرَين في غير الشرك والمعاصي مأذونٌ في الشريعة. فإذا طلب الوالد المشرك من ابنه المسلم أن يأتيه أو أن يعطيه مالاً فأطاعه المسلم كان عاملاً بالقرآن وهي المصاحبة بالمعروف. ولو كانت الطاعة مكفرةً مطلقا لكان فاعل ذلك كافراً مشركاً بالله في الطاعة.

ويدلّ على أنّ طاعة غير الله لا تكون كلّها شركاً أنّ الله يأمر بطاعة رسوله، وطاعة وليّ الأمر، وطاعة الوالدين، طاعة المرأة  لزوجها، فلو كانت كلّها بدرجة واحدة لكان الأمر بطاعة أولئك أمراً بالشرك والله لا يأمر بالشرك.

قال تعالى للذين نسبوا الأمرَ بالشرك إليه: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾  [الأعراف: 28].

فمن قال: أستغيث بالملائكة لتفريج الكربات، وأن الاستغاثة بالملائكة كالاستغاثة بالله فقد كفر لاستحلاله عبادة غير الله.

وكذا من قال بجواز الذبح لغير الله أو التوكُّل على غير الله.

فلا تجد في الشريعة صرف هذه العبادات للملائكة أو الأنبياء أو الصالحين أو غيرهم. بينما نجد في الشريعة أمراً بطاعة الوالدَين والأُمراء والأزواج والآباء بالمعروف، وأنّ هذه الطاعة من طاعة الله. فدلّ ذلك على أنّ طاعة غير الله ليس لها حكماً واحداً مُطلقاً كالذبح والتوكُّل والصلاة وغير ذلك. إذ أنّ حقيقة الطاعة هي الامتثال بأمر الآمر أو متابعة الآمر، والأمرُ قد يكون رُشداً، وقد يكون ضلالاً، وقد يكون مُباحاً مستوى الطرفين. فلا يكون كلُّ من أطاع أمراً من الأوامر الصادرة من غير الله يكون كافراً أو مشركاً، ولكن للمسألة التفصيل الذي سبق ذكرُه.

 

وخُلاصة القول:

إنّ المسلم لا يحلّ له أن يكون موالياً مُطيعاً للسلطة الكافرة تستخدمه في أعمالها القائمة على الطغيان، وبالتالي لا يحلّ له أن يكون جندياً للطاغوت، لأنّ الجنديّ في الدُّول الكافرة يُشترط له أن يكون مطيعاً لكلّ ما يأتي من السلطة العليا بدون مناقشة. ولا يحلّ له كذلك أن يكون موظّفاً رسمياً لها، لأنّ الموظّف كالجنديّ في اشتراط الطاعة المطلقة. ولا يحلّ له كذلك التحاكم إلى شريعة الطاغوت، لأنّ ذلك من الولاء والاعتراف بشرعيته. ولأنّ الله يأمر باجتناب الطاغوت، والجنديُّ والموظّف والمتحاكم لم يجتنبوا الطاغوت.

أما من أسلم لله واجتنب الطاغوت وشريعته .. فقد يأتيه من الطاغوت أمرٌ خاصٌ به أو أمرٌ يعُمُّ أهل بلده، فماذا يفعل ؟؟

الجواب:

 إنّه ينظُر إلى ما يُريدون منه ويعرضُه على كتاب الله، فإن كان أمراً بالشرك الأكبر وكان مُكرها على الفعل جاز له أن يتّقيهم بلسانه دون فعله. وإن كان معصيةً وكبيرةً من الكبائر، فإنّه لا يفعل إلاّ ما تُبيحه حدود الإكراه. وإن كان أمراً مُباحاً في الأصل فإنّه ينظر إلى المصلحة فإن كانت في الفعل فَعَلَ، وإن كانت في الترك تَرَكَ.

فمشركوا قريش قالوا في صلح الحديبية: اكتب "باسمك اللّهم" ولا تكتب باسم الله الرحمن الرحيم. فأطاعهم النبي صلى الله عليه وسلم، لأنّ المصلحة كانت في الصلح. وقالوا كذلك: "لا تكتب محمّد رسول الله، بل يكتب محمّد بن عبد الله". فأطاعهم النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد قال لي أحدُ المتشدّدين في هذه المسألة مرّةً: "لقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم أموراً أنا أكفّر فاعلها اليوم ولا أدري أين المخرج".

وسبب هذه الحيرة هي إطلاق كلمة "الطاعة" واعتقاد أنّ لها حكماً واحداً، والجهل بالتفصيل الذي تؤيّده الأدلّة.

 

حكم اتِّخاذالبطاقة الشخصية:

 يقولُ بعض الناس إنّ اتّخاذ البطاقة الشخصية شركٌ أكبر مخرجٌ عن الملّة.

وأقولُ: إنّ هذا القول يحتاج إلى دليل ثابت من الكتاب والسنّة. فإن كان ما يستنده القائل بذلك مجرّد كونها "طاعة" لغير الله، بمعنى أنّ الطاغوت أمر باتّخاذ البطاقة فأطيع. فقد بيّنتُ بأنّ الطاعة لغير الله درجاتٌ ومنها ما هو كفرٌ وما ليس بكفرٍ.

فإن قيل: هي من النوع الذي هو كفرٌ أكبر، كالصلاة والذبح والتوكّل والدعاء.

فالجواب: أمر الله تعالى أن يُعبد بالصلاة، فصارت الصلاة عبادة، فمن صرفها لغير الله فقد عبد غير الله وكفر.

قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: 43]. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. ﴿وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ﴾  [البقرة: 238].

وأمر أن يُعبد بالذبح. وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾  [الكوثر: 2]. فصار الذبح لله عبادة ولغيره شركاً.

وأمر كذلك بالتوكّل عليه والدعاء. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾  [المائدة: 23].

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾  [غافر: 60].

فصار "التوكّل" و "الدعاء" عبادةً، وصار صرفها لغير الله شركا.

فإذا كان ذلك كذلك فهل أمر الله عباده  باتّخاذ البطاقة والتعبّد له باتّخاذها. فإن قيل: نعم، نقول: أين الدليل من الكتاب والسنة، ولا دليل.

 وإن قيل: لا، نقول: فقد ثبت أنّ اتّخاذ البطاقة ليس من العبادات الشرعية، وثبت أن من طلبها من الكفار لم يقع في شرك العبادة.

أما حقيقتها .. فهي ورقة كُتبت عليها معلومات عن شخص معيّن، مثل: اسمه وسنّه وبلده، فإن كانت هذه المعلومات صادقة فهي ورقةٌ فيها معلومات صادقة لا شرك فيها. وكونها من شريعة الطاغوت لا يجعلها شركاً، ولا يجعل الحلال حراماً.

وشريعة "الطاغوت" هي أوامره، وتشتمل على كفريات ومعاص كما تشتمل على طاعات ومباحات، فإن كان من شريعة الطاغوت إلزام الابن الغني نفقة والديه، ثم طلب الطاغوت من المسلم أن ينفق على والديه، فهل يرفض المسلم ويقول: لا أتّبع شريعة الطاغوت أم ينفق عليهما، ويتوب من تقصيره إلى الله؟

لا شكّ أن عليه الإسراع إلى النفقة والتوبة إلى الله، لأنّ الله شرع ذلك قبل تشريع الطاغوت، ولا تنسخ شريعة الطاغوت شريعة الله، ولا تجعل الواجب حراماً.

وقد كان من نظام "النجاشي" ملك الحبشة، في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم الظلم، وإن كان واقعاً على الأجانب والغرباء. فاعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منه عدلاً، وأذن لأصحابه الهجرة إلى بلده .. ولم يقل: "إنّ الأمن الذي في الحبشة ناشئٌ من تطبيق النظام الكافر، فلا تستفيدوا منه شيئاً". لم يقل ذلك، لأنّه الحقّ قديمٌ وتحريم الله للظلم كان قبل تحريم النجاشي له.

وكان من نظام المملكة الفارسية صناعة دراهم ذات أوصاف وأوزان معلومة، وكان رعاياها يتعاملون بها، وسرى ذلك إلى العرب بحكم الجوار، ولما جاء الإسلام لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، ولم يقل: إنّ هذه الدراهم من شريعة دولة فارس فاتركوها، ولو كان مثل ذلك شركاً ما أقرّ عليهم التعامل به يوماً واحداً.

 وكان في هذه الدراهم صورة "كسرى"، و مع ذلك ظلّ المسلمون  يتعاملون بها حتى انهارت دولة فارس في خلافة "الفاروق"، وملك المسلمون الدار التي كانت مصنعاً للدراهم، فلم يغيّر المسلمون شيئاً من أوصاف الدراهم  وأوزانها، وكانت تأتي من المصنع وهي تحمل صورة "كسرى" في زمن عمر وعثمان وعليّ ومعاوية .. إلى أن جاء عبد الملك فطبع الدراهم التي تحمل الشهادتين.

ولو كان اتّباع مثل ذلك النظام كفراً لسبق إلى علم ذلك الصحابة قبلنا، ولم يكن في قلوبهم حبّ وتعظيم لكسرى، فهم الذين دمّروا عرشه وطردوه حتى هلك طريداً وحيداً. وأجّلُوا تغيير العُملة من "فارسية" إلى "إسـلامية" حتى تسنح لهم الفُرص والوسائل.

وكذلك كان  "الدينار" من عُملة "الرُّوم" وكان عليه الصليب، وكان يُتعامل به في أسواق المسلمين، ويؤدي منه الزكاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.

فالتعامل بالذهب والدينار إن كا مباحاً في شريعة الله ، فإنّ إلزام "الطاغوت" لأهل بلده بالتعامل بدراهمه التي تحمل صورته لا يجعل المباح حراماً.

ولو أن الحاكم المسلم ألزم المسلمين بأن يكون عند كل فردٍ ورقة تُبيّنُ اسمه وقومه وبلده وسنّه، حتى تتيسّر معرفة الغرباء والدخَلاء والجواسيس وأهل الفتنة من غيرهم، أو ألزم أهل الذمّة بذلك حتى لا يُدخلوا الكفار في البلد عند غفلة المسلمين، لو فعل ذلك لكان الواجب طاعتُه، لأنّه أَمَرَ ما ليس بمعصية ولا شرك. ومثل البطاقة الشخصية جوازات السفر والشهادات الدالة على علم الرجل أو خبرته بفنّ من الفنون المباحة في الشريعة.

وإذا ألزم الحاكم الكافر الناس باتّخاذ البطاقة الشخصية فإنّ المسلم الذي في بلده ينظر إلى المصلحة والحاجّة، فإذا كانت العادة جرتْ بأنّ الذي لا يحمل البطاقة يتعرّض لصنوف من الاضطهادات والحبس أو لا يقدر على العمل في الأسواق .. يأخذ منهم هذه الورقة التي ما هي إلاّ شهادة الدولة الكافرة، بأنّ هذا الشخص من هذا القوم والبلد، وفي حمل هذه الشهادة منهم مصلحة راجحة وهي السلامة من ظلم جنودهم.

والكتابة كالكلام فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُرسل إلى الملوك والرؤساء كتباً فتقوم عليهم الحجّة بذلك .. وإذا كتب الرجل المسلم الطلاق إلى امرأته وإلى الشاهدَين لكان ذلك الطلاق واقعاً مع عدم سماع لفظه وصوته. ولذا قال علماء الأُصول: "إنّ الكتابة كلامٌ".

فإذا قرأ الجنود هذه البطاقة، يكونون كمن قال له الحاكم: "اُترك صاحب البطاقة، فهو من أهل بلدنا". فهل في هذا مضرّة أو منفعةٌ؟

فإن قيل: لا يجوز طلب الشيء المباح من كافرٍ أصلاً.

أقول: هذا لا يصحُّ، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم طلب جوار بعض رؤساء قريش، وأطاع أبو بكر ابن الدغنة لما دعاه إلى جواره. وطلب النبي صلى الله عليه وسلم من قريش أن يزيدوا في مدّة الإقامة بمكّة بعد انقضاء الوقت المضروب فرفضوا ذلك. كما أرسل إليهم قبل ذلك "عثمان بن عفان" لطلب أن يُخلّوا بينه وبين المسجد الحرام، فكان ذلك سبب صلح الحديبية.

والإسـلامُ دينُ الواقعِ، ولا يتنكّر للحقائق الواقعة، ولا يجعلها كعديمة الوجود، فالدولة الكافرة ذات الجنود الكثيرة أمرٌ واقع ،وشريعة الله سهلة مرنة تراعي المصالح و تسدُّ أبواب المفاسد. بل إنَّ شريعة الله لا تحرِّمُ الإستفادة من خبرات الكفار.يدلُّ على ذلك اتّخاذ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للخاتم،لما بلغه ذلك عن الدول الكافرة.  ولما أعيت عمر طرق إبلاغ الحقوق إلى أهلها ،أُخبر أنَّ ملوك فارس لهم "ديوان" جامعٌ للرعيَّة، فأمر عمر بتدوين الدواوين وأمر بالبداءة ببني هاشم ثمَّ الأقرب إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فالأقرب .   

وأظنُّ أنَّ هذه المسألة من الوضوح بمكان ، والله الهادي إلى سواء الصراط ،والحمد لله ربِّ العالمين.

 والله أعلم

Copyright © 2011-2012, www.towhed.com All Rights Reserved