من نحن ؟ | معرض الصور | الاقتراحات | التواصل معنا
Loading ... please Wait
مشاهدة Image
- العقيدة-مُناظرة في حُكم من لاَ يُكفِّرُ المُشركين
المكتبة > العقيدة > مُناظرة في حُكم من لاَ يُكفِّرُ المُشركين
عدد المشاهدات : 11
تاريخ الاضافة : 2019/01/09
المؤلف : أبي محمد عبد الوهاب بن حسن


مُناظرة في حُكم من لاَ يُكفِّرُ المُشركين
رسائل متبادلة بين أبي عبد الرحمن الصومالي وحسان بن حسين

الكتاب
Munaadara B5.pdf

الدروس
(الخطأ التاسع عشر) في الشروط والموانع

(الخطأ التّاسع عشر) في شرُوط وموانع التكفير:
جاء في الجواب: (.... وإنَّما في تكفير من لم يُكفِّرهُم لقيام مانع، أو انتفاء شرط عندهُ...الى أن قال: ولكن تكفير الأعيان والطوائف يحتاجُ إلى شرُوط وموانع).
والجوابُ: قاعدةُ "توفُّر شروط التكفير، وإنتفاء موانعه"، يُساءُ فهمها، ويُساءُ استخدامها كذلك.
إنَّ هذه القاعدة تخصُّ أفراد المجتمع الَّذين ثبت إسلامُهُم بيقين، لأنَّ من ثبت إيمانُهُ الظّاهر بيقين لا يزُولُ إيمانُهُ بالشكِّ. فمن قيل عنهُ: إنَّهُ قد كفر، وجب التثبُّت في أمره، ومعرفة: هل القولُ أو الفعلُ ممّا يُوجبُ الكُفر، وهل هو عاقلٌ أو مجنُون، وهل هو مُختارٌ أو مُكرهٌ إلى آخره. والطّائفة كذلك إذا كان قد ثبت إسلامها، لايجوز القول بزوال إيمانها بالشكِّ.
أمَّا الطّائفة الممتنعة التي تظهرُ الكُفر، وتكُونُ لهم الغلبة في بلادها، فإنَّ دارها دارُ كُفرٍ، ويجبُ على المسلم القادر أن يُهاجرَ منها، إذا لم يقدر على إظهار دينه. ومثل هذه الطّائفة لا يُقالُ -وإن كانت من أهل الانتساب- يجبُ تطبيق قاعدة "توفُّر شروط التكفير، وانتفاء موانعه"، في حقِّ كُلِّ فردٍ منها.
ولذلك لم يقلْ بها الصحابة في حُروب الرّدَّة، ولم يكُونُوا يقُولون: يجبُ سُؤال كلِّ شخص بعينه، هل ارتدَّ أم لا، وإنّما كان يكفيهم إعلان السّادة والرّؤساء، وبقاء العامّة في طاعتهم. وكان يحدث أن يرتدَّ بعضُ القبيلة، ويثبتَ البعضُ على الإسلام، فكان أبوبكر يُعينُ من ثبت، ويأمرهم بجهاد من ارتدِّ، ولم يكن يقُولُ لهم: لا تقتلوا من أهل الرّدَّة إلاّ بعد توفُّر الشّروط وانتفاء الموانع.
إنَّ الطّائفة أو الأمَّة التي تُظهرُ قادتُها الكفرَ، وتُطاوعها العامَّة، لها حُكم الكُفر، ويجبُ قتالها، إذا كان للإسلام قُوَّة، وإلّا وجب إظهارُ الإسلام بدعوة الناس إلى الحقِّ، ووجبت البراءة منهم، ومن كُفرهم، كما هي ملّة الأنبياء.
ومن الأخطاء الَّتي ترتَّبت من استخدام هذه القاعدة في غير موضعها ما يأتي:
1) وُجد من يقُولُ: نحنُ في دار كُفرٍ، ولا نعتقدُ كُفرَ أحدٍ فيها، إلا من كفَّرْناهُ بعد توفُّر الشّروط وانتفاء الموانع. وذلك مع كونهم ليسُوا بقضاة، ولا أصحاب سُلطان.
2) نتج من هذا التّذبذب، أنَّهم إذا أحسُّوا بأنَّ لهم قوَّة قاتلوهم قتال الكُفّار، وإذا انهزمُوا اندمجُوا فيهم، يأكلون ذبائحهم، ويُصلُّون خلفهم، ويتزوَّجُون من نسائهم، ويُبدِّعُون من لا يفعلُ فعلهم.
3) أن يُخالفوا المنهج الصّحيح في التّعامل مع الطّوائف الكافرة، ألّذي هو البراءة منهم ومقاطعتهم، وأن يستمرَّ ذلك في جميع الأجيال. وسببُ المخالفة سُوءُ الفهم لهذه القاعدة. فالصُّوفية الوثنية التي كان حُكمها معلوماً في زمن ابن تيميّة، صارت عندهم من المسلمين الذين يُراعى فيهم قاعدة توفُّر الشّروط وانتفاء الموانع.
ومن العجب أنَّ بعضهم إذا سُئل: لماذا تعادي أهل التَّوحيد والبراءة؟، أجاب: جاء الحديث بقتلهم، وقتلهم عليٌّ. وإن سُئل: لماذا لا تُكفِّرُ أهلَ الشرك وقد جاء القرآنُ بتكفيرهم وقتلهم؟، أجاب: يقُولون "لا إله إلّا الله"!!. وكأنَّهُ لا يفطنُ بأنَّ الأوّلين كذلك يقولون "لا إله إلاّ الله"، ولا يُشركُون بالله شيئاً.

(الخطأ التاسع والعشرُون) في الجواب عن الاتحادية

(الخطأ التاسع والعشرُون) عن الاتحادية:
جاء في الجواب: (ذكرتم في سياق الاستشهاد بكلام العلماء، مقولة ابن تيمية رحمه الله في الحلولية الاتِّحادية: "ومن كان محسناً للظنّ بهم وادّعى أنّه لم يعرف حالهم عرف حالهم فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلاّ ألحق بهم وجُعل منهم".
وكلام الشيخ رحمه الله، غير ما نحن فيه، لأنّ إحسان الظن بهم اقتضاهُ الجهل بالحال لأنّ من جهل حالهم، أحسن الظن فيهم، وأما من عرف حالهم فلا يُحسن الظنّ فيهم إلا لجهل آخر).
والجوابُ:
كلامُ الشيخ رحمه الله، فيما نحن فيه، لأنَّ الاتِّحادية كانُوا من الكُفّار المنتسبين. وقد أفتى الشيخ وجُوب البراءة منهم، وأنَّ من لا يعرفُ حالهم، وكان محسناً للظنّ بهم وادّعى أنّه لم يعرف حالهم، عرِّف حالهم فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلّا اُلحق بهم وجُعل منهم.
فإذا كان من لا يعرفُ حالهم، لا يُترَكُ حتى يُوافق المسلمين في البراءة منهم، فكيف يتركُ عالما بحالهم، مستحلّا لموالاتهم في الدِّين، وهذا هو المطلوب. فقولك: "وكلام الشّيخ رحمه الله، غير ما نحن فيه"، ليس بسديد.

(الخطأ التاسع) في التفريق بين المنتسب وغيره

(الخطأ التّاسع) في التّفريق بين المنتسب وغيره من المشركين:
وجاء فيها:
(فهو لا يرى الشرك إسلاماً، ولا يرى المشرك مسلما، إنما يرى أنّ حكم الشرك يرفع عن من وقع فيه، إن كان جاهلا، كما يُرفعُ عن المكره والمخطئ).
الجواب:في هذا الكلام خطأ كبير، وهو الظنُّ بأنَّ الّذين يعبُدون غير الله، على قسمين:
1) قسمٌ علماء معاندُون، ليس لهم عُذرٌ.
2) وقسمٌ جُهّالٌ معذورون.
وهذا التّقسيم لا أصلَ لهُ في شريعة الله، ويرُدُّهُ أمران:
(أوّلا) أنَّ غالب المشركين كانوا جهلاء، وكانوا قبل مجيء الرّسُول صلّى اللهُ عليه وسلّم مُشركين جهلاء، موصُوفين بالشرك، قال تعالى:
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (الْبَيِّنَة: 1)
وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:6)
قال الإمام ابنُ تيميّة:وكذلك أخبر عن هود أنّه قال لقومه: ﴿أعْبُدُوا ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: 50]،
فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه؛ لكونهم جعلوا مع الله إلهاً آخر، فإسم المشرك ثبت قبل الرّسالة؛ فإنه يشرك بربّه ويعدل به، ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أنداداً قبل الرّسول، ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها، وكذلك اسم الجهل والجاهليّة، يقال: جاهليّة وجاهلاً قبل مجيء الرّسول، وأما التّعذيب فلا". (الفتاوى:20\37)
(ثانيا) جميعُ علماء الأمَّة على أنَّ ما خوطبَ به الذين كانُوا يعبُدُون غير الله، في زمن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلّم، يُخاطَبُ به كُلّ من يعبُدُ غير الله، في جميع الأزمان والأمكنة. وأنَّ وعيد اللهِ لاحقٌ بالجميع.
قال الإمام الطّبري، في التّفسير: ﴿قُلْ إنَّنِي هدانِي رَبِّي إلى صراطٍ مستقيمٍ دِينا قيمَا مِلَّةَ إبرَاهيمَ حَنيفا ومَا كانَ مِنَ المشرِكِينَ﴾ "فكان من فارق دينه الذي بعث به صلّى الله عليه وسلّم، من مشرك ووثنيّ ويهوديّ ونصرانيّ ومتحنِّف مبتدع، قد ابتدع في الدِّين ما ضلّ به عن الصّراط المستقيم والدّين القيم، ملة إبراهيم المسلم، فهو بريءٌ من محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ومحمّد منه بريء، وهو داخل في عموم قوله: إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ."
قال الإمام ابنُ تيميّة: فإنّ قوله: ﴿قُلْ يَـٰۤأَيـُّهَا الْكَـٰفِرُونَ﴾ خطابٌ لكل كافرٍ"
وقال:" ومعلوم أن المقصود منها أن تكون براءة من كل شرك ـ اعتقادي وعملي"
وقال: "وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ ٱللهِ تَأْمُرُوۤنِّىۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ﴾ خطابٌ لكل من عبد غير الله، وإن كان قد قُدر له أن يتوب فيما بعد. وكذلك كل مؤمن يخاطِبُ بهذا من عبد غير الله. (لفتاوى:16/534)
قال ابنُ كثير في التّفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (الكافرون: 1-2)
هذه السّورة سورة البراءة من العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه. فقوله تعالى: ﴿قُلْ يَـٰۤأَيـُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ يشمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين بهذا الخطاب هم كفار قريش.
قال: "وقال البخاري يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الكفر ﴿وَلِىَ دِينِ﴾ الإسلام".
قال الإمام النَّووي (ت: 676ﻫ) فى"شرح مسلم": (باب من مات لايشركُ بالله):
"فأمّا دخول المشرك النّار، فهو على عمومه فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابيّ اليهوديّ والنّصرانيّ، وبين عبدة الأوثان، وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحقّ بين الكافر عنادا وغيره، ولا من خالف ملّة الإسلام، وبين من انتسب إليها ثمّ حُكم بكفره بجحده ما يكفرُ بجحده وغير ذلك. إنَّ من غيَّر اسمَ شيء مُحرَّم، وسمَّاهُ باسمِ شيء حلالٍ، فإنَّ هذا التغييرَ لا يُغيِّرُ من الشّريعة الحكيمة شيئاً، ويظلُّ الحرامُ حراماً. مثل من سمَّى الخمرَ لبناً، وقال: "هذا عندي لبنٌ، وما شربتُ إلا لبناً".
وهذه هي حقيقة مسألة أولئك، سمَّوا "المُشركَ" بغيرِ اسمه الشرعيِّ، وأحدثُوا لهُ أحكاماً، ليقُولوا لا دليلَ على أنَّ تكفيرَ "المُشرك المُنتسب" من أصل الدّين!!. ولو أنصفُوا لقالوا: كُلُّ المشركين كانُوا مُنتسبين إلى ملَّة الأنبياء إلاّ الملاحدة والدّهريّين . فمشركُوا العرب كانُوا يقُولون: نحنُ على ملّة إبراهيم. وأهلُ الكتاب كانُوا يقولون: نحنُ على ملّة إبراهيم، وموسى وعيسى. وغالبُ أهلِ الردَّة كانُوا يقولون: نحنُ على ملّة محمّد عليه الصّلاةُ والسّلام.
قال ابن زيد: "واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود كان يهوديّا، وقالت النّصارى كان نصرانيّا، فبرأه الله من ذلك، وجعله حنيفا مسلما، وما كان من المشركين الّذين يدّعونه من أهل الشرك". (الطّبري)

(الخطأ الأول) في تعريف أصل الدِّين

(الخطأ الأوّل) في تعريف أصل الدِّين:
جاء في الجواب: (أصلُ الدينُ هو ما يدخلُ به المرء في الإسلام (الشهادتان) وما يدخل في معنى الشهادتين، وما لا يدخُلُ في معنى الشهادتين لا يدخلُ في أصلِ الدين الذي لا عُذرَ فيه لأحد إلا بإكراه، أو انتفاء قصد) ... (وأما أنتم فقد ذكرتم أنَّ أصلَ الدين الذي لا يُعذرُ أحدٌ فيه بجهل أو تأويل هو: الإيمانُ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.)

والجواب: من الظّاهر أنَّ الكاتب يجدُ تعارُضاً بين التّعريفين، ونحنُ لا نجدُ تعارُضاً، والسّببُ أنَّ بيننا وبين الكاتب تبايُناً في الفهم والتّصوُّر. وإليك البيانُ، فأقُولُ: هناك فرقٌ بين تصوُّرين:
(الأوّل) أن يتصوَّرَ الإنسانُ أنَّ النَّبيَّ صلّى اللهُ عليه وسلّم كان الواجبُ عليه إبلاغ المشركين أصلَ الدِّين الإسلامِي، قبل فروعه، وأنَّ ذلك الأصل هو الشهادتان، فإن استجاب أحدٌ الدعوة، ونطق بالشهادتين، صار مُسلماً، ثُمَّ كان يتعلّمُ باقِي أصُولِ الإيمان، وهو مُسلمٌ، مثل الإيمان بالملائكة والكتب واليوم الآخر.
(الثّاني) أن يتصوَّرَ الإنسانُ أنَّ النَّبيَّ صلّى اللهُ عليه وسلّم كان يجبُ عليه إبلاغ المشركين أصلَ الدِّين الإسلامِي، قبل فروعه، وأنَّ ذلك الأصل هو الإيمانُ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وإن إستجاب أحدٌ الدعوة كان يأتي إلى النَّبي صلّى الله عليه وسلّم، ويقُولُ: "أشهدُ أن لا إله إلّا الله، وأنَّ مُحمّدا رسُولُ الله"، أو يَكتفي بالإقرار بالتّوحيد، أو بالإقرار بالرّسالة. أو يقُولُ: "آمنتُ بالله"، أو "أسلمتُ لله". وكُلُّها تعبيرٌ عن الإجابة إلى الإيمان، وقبول الدّعوة إلى "الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر".
فمن كان من أهلِ التّصوُّر الأوّل يجدُ اختلافا بين التّعريفين، ومن كان من أهل التّصوُّر الثّاني، لا يجدُ اختلافا بين التّعريفين، فينبغي قبل كُلِّ شيء الرجوع إلى الأدلَّة لمعرفة الصّحيح من التّصوُّرين، أو الفهمين.
ومن رجع إلى الأدلَّة عرف صحَّة التّصوُّر الثّاني، وذلك من عدَّة أوجه:
(الوجهُ الأوّل) كونُ القرآن دلَّ على أنَّ دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام كانت: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، قبل الدّعوة إلى إلتزام الأحكام الشّرعيَّة الفرعيّة. وأنّ بيان الرسل للإيمان كان جملة واحدةً، وفي آن واحد، أي: أنَّهُ لم يكن بين بيان ركن التّوحيد وبيان الرّسالة فترة زمنيّة، وكذلك لم يكن بين بيان الرّسالة وبيان البعث والحساب فترة زمنيّة، وهكذا.
فكلُّ رسُولٍ كان بشيرا ونذيرا، وكان يقول لقومه في اليوم الأوّل: "أنا رسول الله، أرسلني بالتّوحيد ونبذ الشّرك، ومن أطاعني دخل الجنّة يوم القيامة، ومن عصاني دخل النّار". وهذا لا يُجادلُ فيه أحدٌ، ولا يقدرُ أحدٌ على مُعارضته، إلا من لا يؤمنُ بأنَّ القرآن حجة الله على خلقه، أو من كانت ثقتُهُ بكلام البشرِ فوق ثقته بكلام الله.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. ﴾ (فصلت: 6-7)
وقال: ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:59]
وقال: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: 107-108].
وقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (سبأ:46)
وقال: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (البقرة:213)
وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء:165)

(الوجهُ الثاني) دلَّ القرآنُ على أنَّ دعوة النَّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم إلى "الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"، كانت قد بلغت المُشركين، وأنَّهم أنكرُوا ذلك، وكانُوا يُعارضُونها بظنُونهم وأهوائهم.
فقد عارضُوا التَّوحيدَ بقولهم: ﴿أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (ص:5) ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾ (هود:62)
وعارضُوا كون مُحمّدٍ صلَّى الله عليه وسلم رسول الله بمثل قولهم:﴿أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (الصافات:36) ﴿ويقُولُون إنَّهُ لمجنُون﴾ (ن:51).
وعارضُوا الوحي والكتاب بقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (الفرقان:5)
وقولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام:91)
وعارضُوا البعث والحساب بقولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (المؤمنون:82) ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (ق:3)
فلا يقدرُ أحدٌ على القولِ بأنَّ المشركين في عهد النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلّم، كانُوا لا يُدركُون أنّ المطلُوب منهم، هو: "الإيمانُ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"، كما لا يقدرُ أحدٌ على إنكارِ اكتفاء النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلّم منهم بالشهادتين أو ما يدلُّ على قبُول الإيمان، ممّن أرادَ الإسلام منهم.
كما قال القاضي عياض: اختصاصُ عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلّا الله، تعبير عن الإجابة إلى الإيمان." (شرح مسلم)
ومن زعم أنّ الرّسُل عليهم الصّلاة والسّلام، كانُوا لا يذكُرون غير التَّوحيد، والرّسالة، وأنَّهم كانُوا يُعلّمون النَّاس "الإيمان باليوم الآخر"، و"الإيمان بالكتاب"، و"الإيمان بالملائكة"، بعد إسلامهم، فليُدعّم زعمه بدليل، ولا سبيل إلى دليل يردُّ هذه الأخبار الثّابتة في القرآن، لأنَّها أخبارٌ من الله، والأخبارُ لا تُنسخ.

(الوجهُ الثالث) لم يثبُتْ في الكتاب والسّنَّة، ما يدلُّ على أنّ دعوة النَّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم إلى "الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"، لمّا بلغت المُشركين، كان بعضهم يدخُلُ في الإسلام بالنُّطق بالشهادتين وهو يُعلنُ إنكارَهُ بباقِي أصُولِ الإيمان، بل الثّابت الّذي لا شكَّ فيه أنّ الأمر كان على ما ذكرتُ، وأنَّ من شهد الشّهادتين، كان مُؤمناً بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
وثبت في الحديث الصّحيح، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلّم، جعل قضيّة الإيمان قضيّة واحدة لها أركان وتفاصيل، لمّا سألهُ جبريل: "فأخبرني ما الإيمان؟". فأجاب: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه".
فإذا كان هذا هو الإيمان المطلوب من جميع العبادِ، ودلَّ القرآنُ على كُفرِ فاقدِ الإيمان كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة:5)
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: 136].
عرفتَ أنَّ المؤمنَ هو الذي حقّق هذا الإيمان بأركانه تلك قولاً وعملاً ونيّةً. والكافر هو الذي كفر بذلك ، سواء كان سبب كفره العناد أو الجهل والتّقليد أو الشّكّ والنّفاق.

(الوجهُ الرّابع) إنَّ علماء الإسلامِ لا يُثبتُون إسلاما صحيحاً لمُنكِر القرآن أو البعث والحساب أو الملائكة، لمجرّد نطقه بالشّهادتين، وأمَّا إذا أثبتُوا إسلام الكافرِ بالشّهادتين، فهو لعلمهم بأنَّ أصُولَ الإيمان مُتلازمة، وأنَّ من أقرَّ بالتّوحيد، أو بالتّوحيد والرّسالة فقد أقرَّ بالقرآن واليومِ الآخر والملائكة.
ولأجل ذلك يُفرِّقُون بين إقرار الوثنيِّ وإقرار الكتابيّ وإقرار المرتدِّ الذي كفر بإنكار معلوم من الدّين بالضّرُورة. فيقُولون عن الأوّل: يُكفُّ عنه إذا قال: "لا إله إلّا الله".
وقالوا عن الثّاني: لا يُكفُّ عنه وإن قال: "لا إله إلّا الله"، حتى يقُول: "محمدٌ رسُولُ الله". وإن كان من أهل الكتاب المُعتقدين بأنَّ محمداً رسُولُ الله إلى العرب خاصة قالوا: لا يُكفُّ عنه إذا قال: "لا إله إلّا الله محمدٌ رسُولُ الله"، حتّى يقول: "إلى جميع الخلق".
وقالوا عن الثّالث: لا يُكفُّ عنه وإن قال: "لا إله إلّا الله محمدٌ رسُولُ الله "، حتى يرجع عمَّا إعتقده. وهذا مبسُوط في كتب الفقه. و نأخذ كمثال قولين للإمام الشّافعيِّ والبغويّ.
قال الإمام الشّافعيّ في "الأُمّ": الإقرار بالإيمان وجهان: "فمن كان من أهل الأوثان ومن لا دين له يدّعى أنّه دين النُّبوّة ولا كتاب، فإذا شهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمداً عبده ورسوله فقد أقرّ بالإيمان ومتى رجع عنه قُتل.
قال: ومن كان على دين اليهوديّة والنّصرانيّة فهؤلاء يدّعون دين موسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهما وقد بدّلوا منه، وقد أخذ عليهم فيهما الإيمان بمحمّد رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فكفروا بترك الإيمان به واتّباع دينه مع ما كفروا به من الكذب على الله قبله. فقد قيل لي: إنّ فيهم من هو مُقيمٌ على دينه يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، ويقول: "لم يبعث إلينا".
فإن كان فيهم أحدٌ هكذا فقال أحدٌ منهم: "أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله" لم يكن هذا مستكمل الإقرار بالإيمان حتّى يقول: "وأنّ دين محمّدٍ حقٌّ أو فرضٌ وأبرأ ممّا خالف دين محمّدٍ صلَّى الله عليه وسلّم، أو دين الإسلام"، فإذا قال هذا فقد إستكمل الإقرار بالإيمان، فإذا رجع عنه أُستُتِيبَ، فإن تاب وإلّا قُتل.
فإن كان منهم طائفةٌ تُعرَف بأن لا تُقرّ بنبوّة محمّد صلَّى الله عليه وسلم، إلّا عند الإسلام، أو تزعم أنّ من أقرّ بنبوّته لزمه الإسلام، فشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله فقد إستكملوا الإقرار بالإيمان. فإن رجعوا عنه اُستُتِيبوا، فإن تابوا وإلّا قُتلوا"(موسوعة الشّافعيّ،المجلّد السّابع. ص: 596)

وقال الإمام الحسين البغويّ: "الكافر إذا كان وثنيّا أو ثنويّا لا يقرّ بالوحدانيّة فإذا قال: "لا إله إلاّ الله" حُكم بإسلامه ثم يُجبر على قبول جميع أحكام الإسلام ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام. وأما من كان مقرّاً بالوحدانيّة منكرا للنّبوّة فإنّه لا يُحكم بإسلامه حتّى يقول محمد رسول الله. وإن كان يعتقد أنّ الرّسالة المحمديّة إلى العرب خاصّة، فلابدّ أن يقول: " إلى جميع الخلق". فإن كان كفره بجحود واجب أو إستباحة محرّم فيُحتاج أن يرجع عمّا إعتقده. ا ﻫ [فتح الباري: 12/279]
وهذا يدلُّ على أنَّ المُعتبر عندهم هو تحقيق الإيمان، وليس مُجرَّد قراءة ألفاظ. ولو كان أصلُ الدِّين هو النّطق بالشّهادتين، وإن لم يُؤمن النَّاطقُ بباقي الأصُول، لاتَّفقت كلمتُهم عن جميع الكُفّار، ولقبلوا من الجميع النُّطق بالشّهادتين في الإقرار.

(الخطأ الثالث عشر) في مسلم غير موحد

(الخطأ الثالث عشر) في مسلم غير موحِّد:
جاء في الجواب:
(....ولا يقُولُ إنَّ المُشرك مُوحِّدٌ، ولكن يقُولُ: إنَّ هذا مع تلبُّسه بالشرك، يُعذرُ بالجهل، ولا يُكفَّرُ، ولا يُعاملُ معاملة الكافرين).
(وهل علّة امتناعه عن التكفير هو اعتقاد أنّ من عبد غير الله مسلمٌ؟
الجواب:لا، إنما لأنّه يظنُّ أنَّ الله تعالى يُعذرُ مثل هذا بالجهل، كما يُعذرهُ بالإكراه وانتفاء القصد.)
والجوابُ:إنَّ أحكام الدّين الإسلامي واضحة، لا لبس فيها، والنَّاسُ فيها إمَّا مُسلمُون مُوحِّدُون، وإمَّا كافرُون مشركُون، ولكلِّ فريقٍ منهما أحكامٌ للتّعامُلِ يُراعيها المُسلمُ. وليس في أحكام دين الله، من يُطلقُ عليه "مُشركٌ مُنتسبٌ" أو "مُسلمٌ غير مُوحِّد"، ويُلحقُ بالمُسلمين في أحكام التّعامُل.
ولا يجُوزُ أن يُقال عمن لم يتُبْ من الشركِ: "إنَّهُ مُسلمٌ"، أو "إنَّهُ أخي في الدين". لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة:11)، والمرادُ هو التوبة من الشّرك والكُفر.
قال الإمام الطّبري في تفسير هذه الآية: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ﴾ يقول جلّ ثناؤه: فإن رجع هؤلاء المشركون الّذين أمرتكم أيّها المؤمنون بقتلهم عن كفرهم وشركهم بالله، إلى الإيمان به وبرسوله، وأنابوا إلى طاعته، وأقاموا الصّلاة المكتوبة فأدّوها بحدودها، وآتوا الزكاة المفروضة أهلها. ﴿فإخْوَانُكُمْ في الدّينِ﴾ يقول: فهم إخوانكم في الدِّين الذي أمركم الله به، وهو الإسلام. ﴿وَنْفَصّلُ الآياتِ﴾ يقول: ونبين حجج الله وأدلّته على خلقه، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ما بُيِّن لهم فنشرحها لهم مفصّلة دون الجهّال الذين لا يعقلون عن الله بيانه ومحكم آياته. ـ اهـ ـ
والمُسلم في كتاب الله، هو المُوحِّدُ الّذي لا يُشركُ بالله شيئاً، والإسلامُ الظّاهرُ لا يصحُّ بدون التَّوحيد، ومن لم يَكْفُرْ بعبادة غير الله، لم يدخُل في إطار الإسلام كما هو ظاهرٌ من تعريفه.
فقد صحّ عن النَّبي صلّى الله عليه وسلّم، أنّه قال: (من قال لا إله إلّا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمّه وحسابه على الله عزّ وجلّ) [مسلم].
وصحّ عنه أنه قال: (بني الإسلام على خمس على أن يعبد الله ويكفر بما دونه وإقام الصّلاة وإيتاء الزكاة وحجّ البيت وصوم رمضان) [متّفق عليه]
وصحّ عنه أنّه قال: (الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتُقيم الصلاةَ المكتوبة وتُؤَدي الزّكاةَ المفروضةَ وتصومَ رمضانَ) [متّفق عليه].
وصحّ عنه أنّه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمّدا رسول الله) الحديث. [متّفق عليه].
ولا يُثبتُ مشركاً مُسلماً، أومسلما غير مُوحِّد إلا أحد رجُلين:
(الأوّل) من لم يبلغهُ تعريفُ الإسلام، وليس عندهُ ما يُفرِّقُ به بين الإسلام والشرك.
(الثّاني) صاحب هوى، لا يخشى الله، ويريدُ التحريف والعوج لدين الله.

(الخطأ الثالث والثلاثُون) تخفيف جريمة الصدِّ عن الحقِّ

(الخطأ الثالث والثلاثُون) تخفيف جريمة الصدِّ عن الحقِّ:
من قرأ ما جاء في الجواب، يظهرُ لهُ أنَّ كاتبها يرى أنَّ الباعث على عدمِ تكفير أهلِ الشركِ هو الاجتهاد وطلب الحقيقة، ويرى أنَّ لهم عُذراً، وإن كان فيهم قصُور في النّظر.
وفي هذا الحصر خطأ كبيرٌ، فيه تخفيف لجريمة الصدِّ عن سبيل الله، الّتي يرتكبُها بعض من يدَّعِي العلمَ. فإنَّ الَّذين يُدخلُون قوماً يُظهرُون الشّرك الأكبر، في حظيرة الإسلام، مع شهادتهم عليهم بالشّرك الأكبر، وعلمهم بحكم الكتاب، لا يكُونُ علمُهم بشرك المشركين عُذراً مُخفِّفاً لجريمتهم، بل هم شرٌّ من الجاهلين الَّذين لا يدرُون أنَّ هذا شركٌ وكُفرٌ بربِّ العالمين.
إنَّ هؤلاء يقعُون في كُفر التّكذيب من عدَّة أوجُه:
(الأوّل) عارضُوا تقسيم الله لعباده إلى مسلمين ومشركين ومنافقين، حيث أحدثُوا صنفاً رابعاً وسمَّوهُ بـ"المُشرك المُنتسب"، أو "المُشرك المعذور"، أو "المُسلم الجاهل"، او "المسلم القبُوري، أو العلماني". وليس هذا في كتاب الله.
ثُمَّ عاملُوهُ بعد تسميته بـ"المُشرك المُنتسب"، كيفما يشاؤن، تارةً عدُوّاً، وتارة وليّاً. مرَّة يُغلّبُون جانب الشّرك والوثنيّة والإلحاد، فيُعلنُون عليه الجهاد، ويقتلونهُ. ومرَّة يُغلّبُون جانب الإسلام فيُصلُّون خلفه، وعليه، ويأكُلُون ذبيحته، ويُبدِّعُونَ من كفَّره. وهذا تلاعُبٌ بالكتاب، وتغييرٌ لأحكامه، وتحريفُ الكلم عن مواضعه.
(الثاني) يعلمُون أنَّ الأخوّة الدّينيّة لا تنعقدُ بين مُسلم ومُشرك، حتى يتُوبَ المُشركُ من الشّركِ، ويقرؤُن قولهُ تعالى:﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:11)، ثُمَّ يُقرُّون بإسلامه مع شركه الَّذي لم يتُبْ منه، ويقُولُون: "المسلمُ أخُو المُسلم".
(الثالث) يعلمُون براءة رُسُلِ الله من المُشركين، وتكفيرهم إياهم، وإظهارهم العداوة والبغضاء لهم، ثُمَّ يُوالُون قوماً يشهدُون عليهم بالشّركِ. وإن سُئلوا: هل الرّسلُ عليهم السلام كانُوا بريئين من جميع أهلِ الشّركِ، أم من بعضهم؟، قالوا: "بل من الجميع". فاستحلُّوا مُخالفة ملَّة الأنبياء على علمٍ.

(الخطأ الثالث والعشرُون) اعتبار الظنّ من موانع التكفير

(الخطأ الثالث والعشرُون) اعتبار الظنّ من موانع التكفير:
جاء في الجواب: (فما الذي جعل ظنّ الخوارج، وتأويلهم غير السائغ مانعا من تكفيرهم عند جماهير المسلمين، ولم يجعل ظنّ هذا الرجل (محل النزاع)، الذي حكم بإسلام المشرك المنتسب، مانعا من تكفيره؟ فأتوا بالبرهان، على الفرقان ولكم منا جزيل الشكر.) وفي موضع آخر: (والمانع من تكفيره الظنّ.)
والجواب: إنَّ أسبابَ الظنِّ مُختلفه، فمثلاً:
1) من قتل في الجهاد مسلما، ظنّهُ كافراً، فإنَّ سبب الظنِّ راجعٌ إلى إدراكه وحواسّه، وليس إلى علمه أو جهله. فإن كانت نيَّتهُ أن يقتلَ الكافر، ولم يقصُدْ لقتل مسلم، فانتفاءُ القصدِ رافعٌ للإثم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾
ومثلهُ من ظنَّ الكافر أنّهُ فلان المسلم، للظّلام المحيط، أو لضُعف البصر.
2) ومن ظنَّ أنَّ المُشرك العابد لغير اللهِ، لهُ حُقوقُ المسلمين، ويُعاملُ مُعاملتهم، فإنَّ سببَ هذا الظنِّ هو الجهلُ بالتَّوحيد، ولم يعتبر الشرعُ الجهلَ عُذراً مانعا من تكفير المشركين، والبراءةِ منهم. ومثلهُ من ظنَّ أنَّ الرسُول ليس بصادق. أو أنَّ البعث والحساب كذبٌ، وغير ذلك، وهي ظنُونٌ معدُودةٌ في الجرائم، وليست أعذاراً.
3) ومن ظنَّ بعد علمه بالتَّوحيد والإيمان، أنَّ الخمرَ حلالٌ لأهلِ الدِّين والإحسانِ، كما ظنَّهُ الصّحابيُّ " قُدامة بن مظعُون"، فإنَّ سببَ هذا الظنِّ هو الجهل لمسألة ليست من أصلِ الدِّين، ومثلهُ لا يُعتبرُ مكذّبا رادّاً لشرع اللهِ، إلّا بعد البيان، وإقامة الحجّة.
4) ومن ظنَّ أنَّ العاصي المسلمُ يكفُرُ بمجرَّدِ إرتكابه للمعصية، فإنَّ سببَ هذا الظنِّ هو الجهل للمسألة كذلك، ومثلُهُ لا يُعتبرُ مكذّبا رادّاً لشرع اللهِ، إلا بعد البيان، وإقامة الحجّة.

(الخطأ الثالث) في إسلام من لم يبلُغهُ

(الخطأ الثالث) في إسلام من لم يبلغهُ الإنذار:
جاء في الجواب: (إذا لم يعرف حديث العهد بالإسلام المعاد الأخروي فهل يُعذرُ بالجهل؟، مع أنَّ أصلكم يقتضي أن لا يصحّ لهُ إسلام حتى يعرف المعاد الأخروي)

والجوابُ: إنَّ دعوة الإسلامِ دعوةٌ واحدةٌ، وهي الَّتي قرَّرتُها في الجواب الأوّل، وذكرتُ أدلَّتها هناك، وهي "الإيمانُ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"، وحديث العهد بالإسلام هو الذي بلغتهُ هذه الدعوة، وأظهرَ القبولُ والاستجابة في زمن قريب، وحُكمَ بإسلامه.
ومن حُكمَ بإسلامه وهو في دار الإسلامِ، فادَّعى أنَّهُ لا يعرفُ المعاد، فإنَّهُ لا يُصدَّقُ، لأنَّ أصُولَ الإيمان تُبلّغُ إلى الكُفّار، وهم كُفّارٌ، وإنَّما يُسلمُ منهم من أظهر التّصديق بعد بلوغ العلمِ. وهو كمن ادَّعى الجهلَ بالتَّوحيد، أو الرّسالة، وهو في دار الإسلام، لأنَّ أصول الإيمان مُتلازمة، فيُحكمُ بردَّته، ويُستتابُ، وإن ادَّعى شُبهاتٍ أزيلت عنهُ.
ومن ادَّعى الإسلامَ مع الجهلِ بالمعاد، وهو في دارِ الكُفرِ، عُلمَ أنَّهُ لم يبلغهُ الإنذار، ولم يصحّ إسلامُهُ، لأنَّهُ لا يرجُوا حسابا ولا ثوابا، ولا يخشى عذاباً، وإنَّما سمع ألفاظاً تُقالُ فقالها. وليس إنكارُ المعاد كإنكار شيءٍ من "الإيمان الواجب"، لأنَّ المرء كان يصحُّ إسلامُه، قبل نزول الواجبات والمحرَّمات، وإنَّما يكفرُ من أنكرَ معلوماً من الدّين بالضّرُورة منها، ويُعذرُ حديث العهدِ بجهله، ولا يُحكمُ بردَّته.
والَّذين لم يفهمُوا حقيقة دعوة الرُّسل، وظنُّوها ألفاظاً تُقالُ، وإنْ تلبَّسَ القائلُ بما ينقضُ الألفاظ من الكُفرِ الصّريحِ، هم الَّذين يظنُّون أنَّ مثلَ هذا قد صحَّ إسلامُهُ، لأنَّ الإسلام قراءة ألفاظ عندهُم وقد قرأها.
قال الإمام ابن تيميّة: وهذا في القرآن في مواضع آخر: يُبيّن فيها أنّ الرّسل كلّهم أمروا بالتّوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه، أو اتّخاذه إلهاً؛ ويخبر أن أهل السعادة هم أهل التّوحيد، وأنّ المشركين هم أهل الشّقاوة. وذكر هذا عن عامّة الرّسل، ويُبيّن أنّ الّذين لم يؤمنوا بالرّسل مشركون.
فعُلم أنّ التّوحيد والإيمان بالرّسل متلازمان. وكذلك الإيمان باليوم الآخر هو والإيمان بالرّسل متلازمان. فالثّلاثة متلازمة. ولهذا يجمع بينها في مثل قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا بِأيَاتِنَا وَٱلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِٱلاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلونَ﴾ [الأنعام: 150]، (الفتاوى:9/ ص:5)
وقال أيضاً:"ومثل ذلك قوله:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62].
فذَكر أنّ المؤمنين بالله وباليوم الآخر من هؤلاء هم أهل النّجاة والسّعادة، وذكر في تلك الآية الإيمان بالرّسل، وفي هذه الإيمان باليوم الآخر، لأنّهما متلازمان، وكذلك الإيمان بالرّسل كلّهم متلازم. فمن آمن بواحد منهم فقد آمن بهم كلّهم، ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بهم كلّهم.
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ ٱللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلا. أُولَئِكَ هُمُ الْكَـٰفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: 150، 151] الآية والتي بعدها.
قال: "والحاصل: أنّ توحيد الله والإيمان برسله واليوم الآخر هي أمور متلازمة مع العمل الصّالح. فأهل هذا الإيمان والعمل الصّالح: هم أهل السّعادة من الأوّلين والآخرين، والخارجون عن هذا الإيمان: مشركون أشقياء. فكلُّ من كذَّب الرُّسل فلن يكون إلاّ مشركاً، وكلُّ مشركٍ مكذّبٌ للرّسل، وكلُّ مشركٍ وكافرٍ بالرّسل فهو كافرٌ باليوم الآخر، وكلُّ من كفر باليوم الآخر، فهو كافرٌ بالرّسل وهو مشركٌ". (الفتاوى:9/ص:30)
وقال:"قلت: ما ذكره من أنّ أصول الإيمان ثلاثة فهو حقّ كما ذكره، ولا بدّ من الثّلاثة في كلّ ملّة ودين، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]. ونحو ذلك في سورة المائدة. فذكر هذه الأصول الثّلاثة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصّالح. وأما الثّلاثة الأخر التّابعة فهي داخلة في هذه الثّلاثة". (الفتاوى:17/ص:5)
وقال الإمام ابن القيِّم: "فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانيّة ولهذا كان الصّحيح أن المعاد معلوم بالعقل وإنما اهتدى إلى تفاصيله بالوحي ولهذا يجعل اللّه سبحانه إنكار المعاد كفرا به سبحانه لأنّه إنكار لقدرته ولإلهيته وكلاهما مستلزم للكفر به قال تعالى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئكَ ٱلاغْلَٰلُ فِىۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَـٰۤئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾. (مدارج السالكين:1\125)

(الخطأ الثامن عشر) في من لم يكفر بعض المشركين

(الخطأ الثامن عشر) في من لا يُكفّرُ بعضَ المشركين:
جاء في الجواب: (فهل هذا الرجل يُكفِّرُ المشركين؟
الجواب: نعم. وهل امتناعهُ عن التكفير هو في عمُوم من يفعلُ الشرك، أم في بعض الأعيان؟، الجواب: في بعض الأعيان).
والجوابُ: من لم يُكفِّرْ المُشرِكَ المُظهِرَ للشِّرْكِ، يصحُّ عليه القول بأنَّهُ لا يُكفِّرُ المُشركين، لأنَّ المُشرِكَ الواحد فردٌ من جنسٍ، ومن توقَّف عن الفردِ، توقف عن جميع أفرادِ الجنسِ.
ولو كان سببُ التّوقُّفِ عن التكفير لنفاقِ المشركِ، وإخفائه لشركِهِ، أو إنكارِ المرتدِّ لردَّته، أو لعدم عدالة الشُهُودِ، لصحَّ التوقُّفُ، ولجاز القولُ بأنَّهُ امتنع عن تكفيرِ بعض الأعيان المُتَّهمين.
ولكن الّذي سمَّيتُمُوهُ "المشرك المُنتسب"، مُظهرٌ لشركِهِ، وإنَّما يتوقّفُ عن تكفيره أصنافٌ من النَّاس مثل:
1) من يجهلُ حقيقة التَّوحيد، كاللفظيّين الّذين يزعُمُون أنَّ إسلامهُ تمَّ بالإقرار اللّفظي، وأنَّ تركَ الشركِ مسألة أخرى، ولا يُكفَّرُ بمجرَّدِ ذلك.
2) ومن يقُولُ: من جهل اللّفظ ليس بمعذور، ومن جهل تحقيقها، ومعناها فهو المعذور بالجهل. أو لا يدريْ أنَّ التَّوحيدّ لا يصحُّ إلا بالبراءة من أهلِ الشركِ، وبُغضهم في اللهِ، واعتقادِ كُفرهم.
3) ومن يقُولُ: لا نقدرُ على القيامِ بما يترتَّبُ على البراءة والمفاصلة من تكاليف.

(الخطأ الثامن والعشرُون) في تبديع من لم يُكفِّر المشركين

(الخطأ الثامن والعشرُون) في تبديع من لم يُكَفِر المشركين:
جاء في الجواب: (وذكرتم أيضا أنّ من اعتقد إسلام الكافر ببدعته، جهلاً لبدعته الكفرية، لا يُكفّرُ حتى تُبيَّن لهُ الحقيقة، وهذا من الغرابة بمكان ذلك، إنّكم أعذرتم هذا لجهله بحقيقة المسألة ولم تعذرُوا (المحل المتنازع) لجهله لحقيقة المسألة، بل اعتبرتم جهلهُ بالمسألة نقضا لأصل الدِّين).
والجوابُ: إنَّ هذا الَّذي تستغربُهُ ليس بغريب، وذلك من وجهين:
(الأوّل) إنَّ هذا ما قرَّرتَهُ في تعريف أصلِ الدِّين، فقد قلتُ: "إنَّهُ الشّهادتان، وما يدخُلُ في معناهما"، ويدخلُ في معناهما البراءةُ من أهل الشّرك، وتكفيرهم، وبغضهم في الله، ومعاداتهم.
(الثّاني) إنَّك تُجادلُ عمن لا يتبرَّأُ من أهلِ الشركِ، وهو عالمٌ بشركهم. فإن كان جاهلاً، فقد جهلَ أصلَ الدين، فلا يُعذرُ بالجهلِ، وإن كان عالما فهو مُكذّبٌ بالحقِّ، وأشدُّ إثماً من الجاهل.
أمَّا الذي لا يُكفِّرُ المُبتدعُ الذي كفر ببدعته، فقد يكُونُ السّببُ أنّهُ عرف إسلامَهُ، ولم يثبُتْ عندهُ كُفره، أو عرف اعتقادهُ ولم يعرفْ حكم من اعتقد هذا الاعتقاد، أو العقُوبة التي يستحقّها. فتكفيرُ هذا المتوقّف يكُونُ بعد العلم وإقامة الحجَّة عليه.

(الخطأ الثامن) في معنى إظهار الإسلام

(الخطأ الثامن) في معنى إظهار الإسلام:
جاء في الجواب:
(ذكرتُم أنَّ تكفير المشرك المنتسب، وهو المظهر للإسلام، واتِّباع الرسُولِ مع تلبُّسه بالكفر الأكبر من أصل الدين...........إلخ)
والجوابُ:هذا الكلامُ مُتناقضٌ، فليس هُناك مُشركٌ، مظهرٌ لشركهِ، ثُمَّ هُو مظهرٌ للإسلام في نفس الوقت. ومن أظهر الشّرك الأكبر، وهو يُظهرُ بعض شعائر الإسلامِ، لا يُقالُ: إنَّهُ مُظهرٌ للإسلامِ بل يُقالُ إنَّهُ مُظهرٌ للشّركِ. والمُظهرُ للإسلامِ إمَّا أن يكُون مُؤمنا ظاهراً وباطناً، وإمَّا أن يكُون مُؤمناً في الظّاهر، كافراً في الباطن، وهو المعرُوف بالمُنافق في ميزان الشّرع.
والَّذي يُظهرُ الشرك الأكبر، وإن كان من أعبد النَّاس، وأكثرهم اجتهاداً في الطّاعات، فليس بمُظهرٍ للإسلام، ولا يجُوزُ الاختلاف في حُكمه، بعد أن قال اللهُ لنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلّم: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر:65).
وقد كان أهلُ الأوثان يُظهرُون بعض شعائر الإسلام، من بقايا دين إبراهيم عليه السّلام، وأهلُ الكتاب كانُوا ولا يزالون مُظهرين لشعائر من دين الرسّل، وأهلُ الرّدَّة كانُوا مظهرين لشعائر ثابتة في القرآن، ومع ذلك لم يكنْ أهلُ الإيمان مُنخدعين بهذه الشّعائر، لعلمهم بأنَّ الإسلام هو الدّينُ الخالص، الّذي لا شرك فيه.

(الخطأ الثاني عشر) في محلّ النّزاع

(الخطأ الثاني عشر) في محلّ النّزاع:
جاء في الجواب:
(أشدُّ النزاع ليس في تكفير العابدين لغير الله، والمُشركين به، وإنَّما في تكفير من لم يُكفِّرهُم ........إلخ).

والجوابُ:إنَّ أشدَّ النّزاع الَّذي بيننا، وبين الَّذين يدَّعُون المنهج السلفي، كان في تكفير العابدين لغير الله، والمُشركين به، ولم يكُن في يومٍ من الأيام في تكفير من لم يُكفِّرهُم. ولكنَّهُم كانُوا أحيانا، عندما يشعرُون بقوَّة حجج المُوحّدِين، يُغيِّرُون الموضُوعَ فجأة، ويقُولُون: "إذا كفَّرتُم هؤلاء لشركهم، فلم كفَّرتُم أصحابَ الصَّحوة !!".
فكان نزاعُهم في تكفير من لم يُكفِّر المشركين، في مجلس نزاعهم في تكفير العابدين لغير الله، والمُشركين به. ومن راجع المناظرات المسجَّلة، وما قالُوه في النّدوات الّتي عُقدتْ للردِّ على المُوحِّدين، سيجدُ الحقيقة. وفي هذا الكلام -الذي جاء في الجواب- ما يُشعرُ بأنَّ النّزاعَ في تكفير العابدين لغير الله، ما زال باقيا، ولكنَّهُ ليس "أشدَّ النّزاع".

(الخطأ الثاني والثلاثُون) في إلزام ما ليس بلازم

(الخطأ الثاني والثلاثُون) في إلزام ما ليس بلازم:
جاء في الجواب: (وعلى أي: فمن أعذر في تكفير المسلم خطأ، يلزمهُ أن يُعذرَ من لم يُكفِّرْ الكافر المنتسب لخطأ، أو لعدم التصور الصحيح، من باب أولى وإلا فليأت ببرهان تقوم به الحجة).
والجوابُ:
هذا إلزامُ ما ليس بلازم، كمن قال: "من أعذر في مخالفة الحكم الشّرعي، يلزمهُ أنْ يُعذرَ في مخالفة أصلِ الدِّين"، وهذه ضلالة في الدِّين.
أمَّا إذا كان أحدهما يقُولُ: "المشركُ مشركٌ وإن وحَّد الله وترك الشرك".
والآخرُ يقُولُ: "المسلمُ مسلمٌ وإن أشرك بالله وعبد غيره."، جاز القول بأنَّ من أعذر الأوّل، لزمهُ أن يُعذرَ الآخر، لأنَّ كليهما أخطأ في أصلِ الدِّين. فلابدَّ من النَّظر إلى مراتب المسائل عند إلقاء الأحكام، فليست كلّها على مستوى واحد.

(الخطأ الثاني والعشرُون) فيما يحصل الايمان

(الخطأ الثاني والعشرُون) فيما يُحصّلُ الايمان:
جاء في الجواب: (والمقصُود: الفرق بين ما يُحصِّلُ الإيمان، وبين ما يُبطلُ الإيمان، وكان عليه السلام يعرضُ عليهم عند الدخُول في الإسلام ما يحصُلُ به أصلُ الإيمان دون ما يُبطلهُ، ألا ترى أنّهُ لا يُبيِّنُ لهم ما يُوجبُ الردَّة، ويُبطلُ الإيمان مثل إلقاء المصحف في القاذورات، وتبديل معاني الآيات، ونحو ذلك مما يُوجبُ الردَّة، ولم يُبيِّن لمن كان يأتيه يُسلمُ شيئا من ذلك لأنّ المقصُود حاصلٌ بمعرفة الأركان دون المفسدات.)
والجوابُ: يُمكنُ أن يُؤخذ من هذه الكلمات، بعض المفاهيم الخاطئة، سواء قصدها كاتبها، أو لم تكُن من مقصُوده. ومن ذلك:
(أوّلا) أنَّ التكلُّم بالشّهادين كان يحصُلُ بهما الإيمان، في زمن النَّبيِّ عليه الصّلاة والسّلام، وإن كان المتكلّمُ مُعتقداً للشّرك الأكبر. وليس هذا بصحيح، بل كان الكفّارُ في زمنه قسمين:
(الأوّل) أهل أوثان: وكانُوا يُدركُون أنَّ قبُول كلمة الشهادة، يلزمُ منها تركُ الآلهة الباطلة التي كانُوا يعتقدُونها. ولذلك كانُوا يردُّون الدعوة بما ذكر في القرآن من أقوالهم، مثل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ. وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (الصافات: 35-36)
﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (ص:5)
ومن أسلم منهم لم يكُنْ يبقى مُتعلّقاً بما كان يعبُده من دون الله، لعلمه بأنَّ الإسلام المطلوب هو أن تعبُد الله ولا تُشرك به شيئاً.
(الثّاني) أهل الكتاب: وكانوا يقولون: "لا إِلَهَ إِلاّ اللهُ" وهم ينكرُون نبوَّة النبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم، فلم يكن يحصُلُ بشهادتهم أصلُ الإيمان، حتى يُؤمنُوا بأنَّ محمدا رسُول الله.
(ثانيا) أنَّ الداعية المسلم،لا يطلبُ من أهل الشّرك، غير التلفظ بالشّهادتين، وأركان الإسلام، وإن وجدهم يُشركُون بالله، ويستهزؤن بكتاب الله. وليس هذا بصحيح، فإنَّ أهل الشرك يُطلبُ منهم، البراءةُ من الشّرك، وممن يفعله، وبكسر الأوثان، وبطاعة الله ورسُوله في كلِّ شيء، وكُلُّها من معنى "لا إِلَهَ إِلاّ اللهُ".
وقد قال النبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم لعمرو بن عبسة في لقائه الأوّل: "أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وَأَنْ يُوَحَّدَ الله لاَ يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ" (مسلم)
وقال لآخر: "لا يقبل الله عن مشرك بعدما يسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين". (أحمد، والنسائي)
ولما سأل هرقل أبا سفيان -وهو على شركه- ماذا يأْمُرُكمْ؟.
أجابه بقوله: "يَقولُ اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ ولا تُشْرِكوا بهِ شيئاً، واتْرُكوا ما يَقولُ آباؤُكمْ. وَيَأْمُرُنا بالصلاةِ والصِّدْقِ وَالعَفافِ والصِّلَة". (البخاري).

(الخطأ الثاني) في الإيمان الواجب

(الخطأ الثاني) في الإيمان الواجب:
جاء في الجواب:(هذا حُكم بأنَّ ما سواها ليس من أصلِ الدِّين، وإن كانت من الإيمان الواجب)
والجوابُ: إنَّ هذا الخطأ سببُهُ أيضاً فُقدان التّصوُّر الصّحيح عن الإيمانِ، الَّذي قلنا أنَّهُ أصلُ الدّين. فيبدُوا من هذا الإعتراض، أنَّ صاحبَهُ ظنَّ أنَّنا نقصُدُ من قولنا: "أصلُ الدِّين هو: الإيمانُ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"، أنَّ التلفظ والإقرار بهذه الأصُول يكفِي، وأنَّ من أقرَّ بها فقد نجا في الدُّنيا والآخرة.
وليس الأمرُ كذلك، كما يظهرُ لك من التّقريرات الآتية:
1) إنَّ "الإيمان بالله" قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ، فمن أقرَّ بالإيمان والتَّوحيد، وشهد بأنَّهُ مُصدِّقٌ لكلِّ أصُول الإيمان، إذا قال لستُ مُستعدّاً لتلقِّي الأوامر والنّواهي من الرّسُول، ولا أطيعُهُ في شيءٍ، أو في بعض الأشياء،.. إذا قال ذلك لا يُعتبرُ مُؤمنا أو مُسلما بالإقرار، لأنَّ الأعمال التي هي فعلُ الواجبات، وترك المُحرَّمات، من الإيمان.
2) إنَّ الكافر قد دُعيَ إلى الإيمان بالله وحدهُ، وكان هذا الإيمان المطلوب منه، أن يعبد الله وحدهُ، ويُخلص الطاعة لهُ، فكان قد علم قبل إسلامه، أنَّ إعلان الإسلام يقتضي أنْ يُطيع الله طاعة مطلقة، ويكفُرَ بطاعة الأنداد والطّواغيت، والأحبار والرُّهبان.
فإن رضي بالتَّوحيد بعد ذلك، فقد رضي بالإيمان الواجب، من فعل الواجبات وترك المُحرَّمات. فمن قال: أنا أومنُ بالتّوحيد، ولكن لا أصلّي ولا أزكّي ولا أصُومُ ولا أحجُّ، ولا أفعلُ واجبا، ولا أدعُ مُحرَّما، قيل لهُ: "لستَ مُؤمنا بالتّوحيد، ولم تترُك عبادة الشيطان بعدُ".
3) إنَّ الكافر قد دُعيَ إلى الإيمان بالرّسُول، وبالرّسالة التي جاء بها، وقد عَلم وهو في كُفره أنَّ من اتَّبع الرّسُولَ، وجب عليه اتِّباعُ الكتاب، وامتثالُ أوامره، واجتنابُ نواهيه. فمن قال: أنا أومنُ بالرّسُول وبالكتاب، ولكن لا أصلّي ولا أزكِّي ولا أصُومُ ولا أحجُّ، ولا أفعلُ واجبا، ولا أدعُ مُحرَّما، قيل لهُ: "لستَ مُؤمنا بالرّسُول ولا بالكتاب".
4) إنَّ أصلَ الدّين الّذي هو: "الإيمانُ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"، يكُونُ جاهله ومُكذّبه كافراً، أمَّا الإيمان الواجب، فإنَّ مُكذّبه كافرٌ، وجاهله قبل بلوغ الخبر إليه معذور، فقد كان الصّحابة مُؤمنين قبل أنْ تُنَزَّل أكثرُ الفرائض. وكذلك كانت الفرائضُ تنَزَّلُ فلا تجبُ على الغائبين حتّى يبلغهم الخبر.

جاء في كتاب "تعظيم قدر الصّلاة" للمروزيّ، مبيِّنا مذهب أهل السنَّة:" قالوا: ولما كان العلم بالله إيمانا، والجهل به كفرا، وكان العمل بالفرائض إيمانا، والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر وبعد نزولها من لم يعملها ليس بكفر لأنّ أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد أقرّوا بالله في أوّل ما بعث الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم إليهم، ولم يعملوا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك فلم يكن جهلهم ذلك كفرا، ثم أنزل الله عليهم هذه الفرائض فكان إقرارهم بها والقيام بها إيمانا، وإنّما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله، ولو لم يأت خبر من الله ما كان بجهلها كافرا، وبعد مجيئ الخبر من لم يسمع بالخبر من المسلمين، لم يكن بجهلها كافرا، والجهل باللّه في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر" (تعظيم قدر الصّلاة والفتاوى:7\317)
قال الإمام ابنُ تيميّة: "فإنّ الإيمان بوجوب الواجبات الظّاهرة المتواترة، وتحريم المحرّمات الظّاهرة المتواترة: هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدّين والجاحدُ لها كافرٌ بالاتّفاق، مع أنّ المجتهد في بعضها ليس بكافر بالاتّفاق مع خطئه". (الفتاوى:12\433)
5) والتّكفيرُ بتركِ الإيمان الواجب، هو في حقِّ من جحد أو كذَّب أو ادَّعى الجهالة لمعلُوم من الدّين بالضّرُورة، وهو من أهل دار الإسلام، أو المُمتنع المقاتل الّذي يأبى الانقياد، كمانعي الزكاة. أمّا مجرَّد الوقُوع في المخالفة والحرام، فلا يُكفَّرُ بذلك عند أهل السُنَّة كما هو معلوم.

(الخطأ الثلاثُون) في اعتبار حسن القصد

(الخطأ الثلاثُون) في اعتبار حسن القصد:
جاء في الجواب: (وهذا الرجل الذي قصد وجها من الحق فاتَّبعه، وغاب عنهُ الوجه الباطل للمسألة، فحكم على الشيء بما عرف من الحقِّ، فأخطأ الحكم، وأخطأ الاسم المترتب على هذا الحكم).
والجوابُ:
يبدُو انّ الكاتب ظنَّ بأنَّ من قصد وجها من الحقِّ، فأخطأ الحكم، أنَّهُ معذور مطلقاً، وهذا خطأ، لأنَّ المسائل الّتي هي "أصل الدِّين"، يكفُرُ مُخالفها، وإن كان يقصُدُ وجهاً من الحقِّ. فالمشركُون قصدُوا التقرُّب إلى اللهِ، لمّا عبدُوا الملائكة، وأهلُ الكتاب عبدُوا عزير والمسيح ومريم، للفوز بقرب الله.
قال الله تعالى: ﴿أَلا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر:3).

(الخطأ الحادي عشر) في إعذارالمجتهد المخطئ

(الخطأ الحادي عشر) في إعذار المجتهد المخطئ:
جاء في الجواب:
(إنما يرى أنّ حكم الشرك يرفع عن من وقع فيه، إن كان جاهلا، كما يُرفعُ عن المكره والمخطئ).
الجواب:(أوّلا) مسائلُ الدِّين التي قد يختلفُ فيها النَّاسُ، ويجتهدُون فيها، على ثلاثة أقسام:
(أوّلها) هو التَّوحيد وغيرهُ من أصُولِ الإيمان، ومن زعم أنَّهُ قد اجتهد في معرفتها وبذل فيها وسعهُ، وعجز عن إدراكها، وضلَّ عن الإيمان بها، فليس بمعذور، وهو كافرٌ في الدُّنيا، إمَّا كافرٌ جاهلٌ، وإمَّا كافرٌ مُعاندٌ.
(الثاني) ما كان فيها نصُوص قطعيّة، ولكنّها من المقالات الخفيّة، الّتي قد يجهلها بعضُ النَّاس، أو يضلُّون عنها بتأويلٍ فاسدٍ. ومن زعم أنَّهُ قد اجتهد في معرفتها، وبذل فيها وسعهُ، وعجز عن إدراكها، فهو معذورٌ قبل البيان وإقامة الحُجَّة، أمَّا بعدها فليس بمعذور، وهو كافرٌ مُكذّبٌ بالحقِّ.
(الثالث) وهو الإختلاف الّذي يقعُ بين أهلِ العلم فى النَّوازل الَّتى عدُمت فيها النُصوص فى الفروع، أوغمُضت فيها الأدلَّة، فيُرجع فى معرفة أحكامها إلى الإجتهاد، ويكُونُ للمُصيبِ أجران، وللمُخطئ أجرٌ على اجتهاده.
عن عمرو بن العاص أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إذا إجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران، وإذا إجتهد فأخطأ، فله أجر" (البخاري)
قال الإمام منصور بن محمّد السمعانى (489ﻫ) فى "قواطع الأدلَّة": "إنَّ الإختلاف بين الأمَّة على ضربين، إختلاف يوجب البراءة ويوقع الفرقة ويرفع الألفة، وإختلاف لا يوجب البراءة ولايرفع الألفة، فالأوّل كالإختلاف فى التَّوحيد.
قال: من خالف أصله كان كافراً وعلى المسلمين مفارقته والتبرُّؤ منه وذلك لأنَّ أدلَّة التوحيد كثيرة ظاهرة متواترة قد طبقت العالم، وعمَّ وجودها فى كلِّ مصنوع فلم يعذر أحدٌ بالذهاب عنها، وكذلك الأمر فى النُّبوة لقوَّة براهينها، وكثرة الأدلَّة الباهرة الدالَّة عليها، وكذلك كلُّ ما كان من أصول الدِّين، فالأدلَّة عليها ظاهرة باهرة، والمخالف فيه معاند مكابر، والقول بتضليله واجب، والبراءة منه شرع، ولهذا قال إبن عمر حين قيل له: إنَّ قوماً يقولون: لاقدر، فقال: بلِّغوهم أنَّ ابن عمر برئٌ منهم و أنَّهم منِّى براء.
قال: "والضّرب الآخر من الإختلاف لايُزيل الألفة، ولايُوجب الوحشة، ولا يُوجب البراءة، ولايقطع موافقة الإسلام، وهو الإختلاف الواقع فى النَّوازل الَّتى عدُمت فيها النّصوص فى الفروع، وغمضت فيها الأدلَّة فيُرجع فى معرفة أحكامها إلى الإجتهاد". اهـ
وقال الإمام ابن تيميّة، بعد ذكره لضلالات المتكلّمين، من المنتسبين إلى الإسلام: وهذا إذا كان في المقالات الخفيّة فقد يقال: إنه فيها مخطىء ضال، لم تقم عليه الحجّة التي يكفر صاحبها؛ لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظّاهرة التي تعلم العامّة والخاصّة من المسلمين أنّها من دين المسلمين؛ بل اليهود والنصارى يعلمون؛ أنّ محمداً صلّى الله عليه وسلّم بعث بها، وكفر مخالفها؛ مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله من الملائكة والنبيّين والشّمس والقمر والكواكب والأصنام وغير ذلك.
فإنّ هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصّلوات الخمس، وإيجابه لها وتعظيم شأنها، ومثل معاداته لليهود والنّصارى والمشركين والصّابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والرّبا والخمر والميسر ونحو ذلك. ثم تجد كثيراً من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور، فكانوا مرتدين، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون إلى الإسلام" (الفتاوى:4\43)
وقال الإمام "ابن القيم" (ت: 751ﻫ) فى طريق الهجرتين: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتّباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافرٌ جاهلٌ فغاية هذه الطبقة أنّهم كفّار جهّال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يُخرجهم عن كونهم كفّاراً، فإنّ الكافر من جحد توحيد الله وكذّب رسوله إما عناداً وإما جهلاً وتقليداً لأهل العناد" [طريق الهجرتين: 411]
وقال أيضاً: في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28]:
"فهذا إستدلال قاطع على أنّ الإيمان بالله أمر مستقرّ في الفطر والعقول وأنّه لا عُذر لأحد في الكفر به البتة" (بدائع التفسير)
(ثانيا) ليس في أمَّة الإسلام، من هو معرُوف بالعلم، وقال: إنَّ من ضلَّ عن التَّوحيد فأشرك باللهِ، أنَّهُ معذورٌ إذا كان قد إجتهد وبذل وسعه في إدراك الحقّ... لم يقُلْ ذلك صراحة إلا الجاحظ ، المعتزلي الضال، وهو على ضلالهِ يقولُ: "أنهُ معذورٌ في الآخرة، أمَّا في الدُّنيا فله أحكامُ الكفّار"، وكذلك هو يشترط الاجتهاد وبذل الوسع، ومع ذلك كفّرهُ بذلك كثيرٌ من العُلماء. فكيف بمن يقُولُ: "إنَّهُ مُسلمٌ في أحكام الدُّنيا"، ولا يشترط الاجتهاد وبذل الوسع، لا شكَّ أنَّهم أولى بالتّكفير من الجاحظ.
ذكر القاضي عياض مقالة الجاحظ ، وأنَّهُ كان يرى:"أن كثيراً من العامّة والنّساء والبله ومقلّدة النّصارى واليهود وغيرهم لا حجّة لله عليهم، إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال".
قال: وقائل هذا كلّه كافر بالإجماع على كفر من لم يكفّر أحداً من النّصارى واليهود وكلّ من فارق دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم، أو شكَّ". (الشفا:2\167).
وقال ابنُ قدامة:"أمَّا الَّذى ذهب إليه الجاحظ فباطلٌ يقينا وكفر بالله تعالى، وردٌ عليه وعلى رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فإنَّا نعلم قطعا أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أمر اليهود والنَّصارى بالإسلام واتِّباعه، وذمَّهم على إصرارهم، ونقاتل جميعهم، ونقتل البالغ منهم، ونعلم أنَّ المعاند العارف مما يقل، وإنَّما الأكثر مقلَّدة إعتقدوا دين آبائهم تقليدا ولم يعرفوا معجزة الرَّسول وصدقه، والآيات الدّالَّة فى القرآن على هذا كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: 27].
وقوله ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: 23]. (روضة الناظر).

(الخطأ الحادي والثلاثُون) في الاسم المترتب على الوصف

(الخطأ الحادي والثلاثُون) في الاسم المترتب على الوصف
(ونزاعكم مع أكثر المخالفين والرادِّين عليكم مثل التيارات السلفية الجهادية وغيرهم في مسألة الاسم المرتب على الوصف، أعني تنزيل الحكم على الأعيان، لا في توصيف الفعل والحُكم عليه بالكفر والشرك).
والجوابُ: من نازعنا في تكفير الأعيان الخارجين عن أصل الدِّين، كالَّذين يعبُدون غير الله، أو لا يُكفِّرُون العابدين لغير الله، أو يُنكرُون الرسالة والبعث والحساب، أو المنكرين لمعلُوم من الدِّين بالضرورة، فليس النّزاع الذي بيننا وبينهُ، في مجرَّد تنزيل الحكم على الأعيان، وإنَّما هو في الإيمان والكُفرِ.
والقول بأنّ "الأعيان" لا يُكفَّرون ولا يُعتقَدُ أنّهم قد كفروا، وإن فعلوا الكفر الأكبر المناقض لأصل الدّين، قولٌ ظاهر البطلان. لأنّ أنبياء الله كفّروا أقوامهم وكانوا أقواماً معيّنين. وكان عرب الجزيرة في حياة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، بعضهم كفارٌ وبعضهم مسلمون، وارتدّت بنو حنيفة وكانوا قوماً معينين، وكفّر العلماء في كل قرنٍ أقواماً وأفراداً معيّنين.
والقرآن يأمر بالجهاد، ولا يُجاهَدُ بغير وجود كفّار معيّنين، ويُحرّم نكاح المشركات وإنكاح المشركين، وهم ناسٌ معيّنون، وهلمّ جرّا .. فإنّ كلّ حكم من الأحكام إنّما يخصُّ أقواماً معيّنين، ومن أنكر تكفير المعيّنين مطلقاً فقد كفر بالكتاب وضلّ الضّلال البعيد.
أمَّا قول المفتي الذي لا سلطان له على أحدٍ: "إنِّي أُبيّن لكم القضايا المكفّرة لتجتنبوها وتأمروا الواقعين فيها بإجتنابها، ولكنِّي لا أقولُ لكم: "فلان بن فلان" قد ارتدّ ودمُّه مباحٌ لكم .. لأنّ إنزال العقوبة وإقامة الحدود لولاة الأُمور ونوابهم وقضاتهم، ولستُ من أولئك فأنا أُكفّر الأعمال ولا أُكفّر الأعيان". فقوله صحيحٌ من هذا الوجه.
ولكنّ الخطأ الكبير أن تُتخذ مثل هذه المقالة، التي كان يقولها العلماء المفتون الذين لا يُشغلون مناصب الدولة كالقضاء، وولاية الأمصار، كقاعدة كلّية، تُنسخُ بها الآيات الآمرة بالبراءة من أهلِ الشّركِ، وتكفيرهم، ومعاداتهم في الله.

(الخطأ الحادي والعشرُون) في معرفة المجادلين عن المشركين

(الخطأ الحادي والعشرُون) في معرفة المجادلين عن المشركين:
جاء في الجواب: (وأمَّا ما ذكرتُم من أنَّهُ لا يعرفُ الكُفر، ولا يعرفُ التَّوحيد، فدعوى عارية عن الدليل، وأنتم مُطالبُون قبل كلِّ شيء بتصحيح الدعوى، لأنَّ هذا يُقرُّ أنَّ ما تفعلُهُ القبُورية وأمثالهم كفرٌ وشركٌ، وفاعلهُ من غير عُذرٍ مُشركٌ كافرٌ بالله العظيم.)
والجوابُ: سُؤالُك كان عن جنسِ من لم يُكفِّرْ "المشرك المُنتسب"، ولم يكُن عن حُكم شخصٍ معيَّن، فأجبنا بجوابٍ مُناسب، هو أنَّهُ لا يعرفُ الكُفر، ولا يعرفُ التَّوحيد. ولم أتكلَّم عن أهل العناد الذين يردُّون الحقَّ عن علم. وذلك أنَّ غالبَ من وجدناهُم يُجادلون عن أهلِ الشّركِ -غير أهل العناد- لم يكُونُوا يعرفُون التَّوحيد، ولا الشّرك الأكبر، وكانُوا على درجتين:
(الأولى) وهي درجة المنكرين لتكفير من ينطقُ بالشّهادتين:
= وهم الَّذين يقُولون: "أهلُ لا إله إلا الله، لا يُكفَّرُون وإن أشركُوا، وإن ماتُوا على الشركِ، يدخُلون الجنَّةَ بما معهم من الإيمان !!".
= ويقُولون: "الاستغاثة بغير الله مسألة خلافيّة، ووُجِد من العلماء من يَعُدُّها في الشّرك الأصغر، ومن يعُدُّها في الشّرك الأكبر.!!"
= ويقُولون: "إنقطع الشّركُ بمبعث النبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم، وبقيت البدع!!".
= ويقُولون: " نُكفِّرُ الأعمال، ولا نُكفِّرُ الأعيان !!". إلى غير ذلك من أقوالٍ لا تصدُرُ عن عالمٍ بالتَّوحيدِ، عالمٍ بالواقع المُحيط به.
(الثانية) وهي درجة أصحاب التّكفير السّلبي:
وهمُ الّذين يُقرُّون بأنَّ ما تفعلهُ القبُوريّة وأمثالهم كفرٌ وشركٌ، وفاعلهُ من غير عُذرٍ مُشركٌ كافرٌ بالله العظيم، ولا يقصُدون بالعُذر الإكراه والخطأ، بل يُعذرُونهم بالجهل. وهؤلاء لم يعلمُوا حقيقة التَّوحيد بعدُ، ويظهرُ لك جهلهم من وجوه:
(الأوّل) إنَّ التَّوحيد الَّذي هو "أصلُ الدِّين" هو عندهم، قولُ "لا إله إلّا الله، مُحمّدٌ رسُولُ الله". أمَّا معنى "لا إله إلاّ الله"، الّذي هو إخلاصُ العبادة لله، وتركُ الشرك، فلا يرونهُ أصل الدِّين. فإنَّك إذا سألتهم: ما حُكمُ من لم يسمع بقول "لا إله إلا الله" قطّ؟
لا يقُولون: "هو مسلمٌ معذورٌ بالجهل".
وإذا سألتهم: ما حُكمُ من لم يسمعْ بإخلاصُ العبادة لله، ويُشركُ بالله، وينطقُ بلا إله إلاّ الله؟، يقُولون: "هو مسلمٌ معذورٌ بالجهل".
فتبيَّنّ من ذلك، أنَّهم يُفرِّقُون بين اللّفظ والمعنى، فصار اللّفظ عندهم من أصلِ الدّين، الَّذي لا يُعذرُ أحدٌ فيه بالجهل، بينما صار معنى "لا إله إلاّ الله"، خارجاً من أصلِ الدّين، فيُعذرُون فيه بالجهل، وهذا من أبعد الضّلال عن التَّوحيد. وذلك أنَّ المعنى أهمُّ من اللّفظ من وجوه:
(أولاً) إنَّ الألفاظ وُضعتْ للمعاني، فهي وسيلة للتعبير عن المعاني المقصُودة، فإذا تجرَّدت عن معانيها صارت عديمة الفائدة. ولذلك لم ينفع قول "لا إله إلاّ الله" اليهُود، وهم في مدينة الرّسُول صلَّى اللهُ عليه وسلّم، وقد أقرَّ بعضهم بأنَّهُ رسُولُ الله، لأنَّ المعنى الذي وُضعتْ كلمةُ الشّهادة لهُ، لم يكُن يتحقَّقُ بإقرارهم.
(ثانيا) يصحُّ الإسلامُ بسائر اللّغات، ولو لقنَ الأعجمي الكلمة العربيّة، "لا إله إلّا الله"، فقالها ولم يعرف معناها لم يكفِ. وقد أرسل اللهُ كُلَّ الرُّسل بـ"لا إله إلّا الله"، وذكر أنَّهم كانُوا مختلفين في اللّسان، مع اتِّفاقهم في القصد من الكلمة.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء:25)
وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (إبراهيم:4)
قال الشّافعي: "ولو أقرَّ أعجميّ بالأعجميّة، فهو كإقراره بالعربيّة، لأنّ الكلام موضوع ليبيِّن المتكلّم به عن غرضه. ثم لمّا كان إيمانُ الأعجميّ بلسانه كالعربيّ، إقتضى أن يكون إقراره بلسانه كالعربيّ". (المجموع شرح المهذَّب:22/324)
بينما لا يصحُّ الإسلام،ممن يُصرُّ على إظهار الشّركِ بالله،وترك الإخلاص، وإن كان من النّاطقين بالشّهادتين. قال الحافظ إبن حجر: قال الحليمي: "ولو قال اليهوديّ لا إله إلّا الله لم يكن مسلما حتى يقرَّ بأنه ليس كمثله شيء، ولو قال الوثنيُّ: لا إله إلّا الله، وكان يزعم انّ الصّنم يقرِّبُه الى الله، لم يكن مؤمنا حتّى يتبرّأ من عبادة الصّنم" (فتح البارى:كتاب التّوحيد)
(ثالثا) كلمة "لا إله إلاّ الله"، لها كلمات تقُوم مقامها، ويصحُّ الإسلامُ بها، مثل: "آمنتُ بالله ورسُوله"، و"أسلمتُ لله"، وغير ذلك. أمّا معناها فلابدَّ من تحقيقه، ولا يصحُّ إسلامُ من هو مُظهرٌ للشّرك الأكبر بحال.
(الثاني) إذا سألتهم: ما حُكمُ من يعتقدُ بنبوّة النَّبيِّ مُحمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلّم، ونبُوَّة أحدٍ بعدهُ في آنٍ واحدٍ؟، لا يقُولون: "هو مسلمٌ معذورٌ بالجهل". وإذا سألتهم: ما حُكمُ من يدعُو الله، ويدعُو غيره، ويذبحُ لله، ويذبحُ لغيره، في آنٍ واحدٍ، يقُولون: "هو مسلمٌ معذورٌ بالجهل". فالشّركُ في عبادة الله، لا يُبطلُ الإسلامَ عندهم، والشركُ في النُّبوَّة يُبطلهُ، فما الجهلُ بالتَّوحيد، إن لم يكُنْ هذا؟.
(الثالث) إنَّهُم يجهلون أنَّ التَّوحيد المطلوب هو الّذي تلزمُ منهُ البراءةُ من الشّرك وأهله، ولذلك يقُولون عن المُشركِ إنَّهُ مُسلمٌ، والمُسلمُ هُو المُتَّبع لملَّة إبراهيم ومحمّد والأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، والأنبياءُ لم يكُونُوا من المُشركين، بل كان لهم دينهم، وللمشركين دينهم.
(الرّابع) يعلمُون أنَّ من جحد الصّلاة، أو الزّكاة، أو واجباً من الواجبات المعلومة من الدّين بالضّرُورة، يرتدُّ بمجرَّد الجحد والإنكار، ولو في مرَّة واحدة، ولا ينجُوا من القتل بالرّدَّة إلا بإحداث توبة. أمّا جاحد التَّوحيد فلا يرتدُّ عندهم، ولو استمرَّ في شركه طول عمره. فوضعُوا التَّوحيد الَّذي هو أصلُ الدِّين، في مرتبة دون مرتبة الواجبات والمحرَّمات، وهذا جهلٌ بقدر التَّوحيد.

(الخطأ الخامس عشر) في تكفير الحجاج

(الخطأ الخامس عشر) في تكفير الحجاج:
جاء في الجواب:
(هذا وقد اشتهر اختلاف السلف الصالح في تكفير الحجاج بن يُوسف، وقد كان كافرا بالله، مؤمنا بالطاغوت ولم يُكفِّر بعضهم بعضا في عدم تكفير الحجاج) .
والجوابُ: الحجّاج بن يوسف اشتهرَ بسفك الدّماء المُحرَّمة، ولا شكَّ أنَّهُ كان ممّن ثبت إسلامُهُ، وقد صلّى خلفهُ بعضُ الصحابة، ولم يُحاكمهُ أحدٌ في الكُفر بالله، بل مات وهو أميرٌ على العراق والمشرق الإسلامي، ولكن ذكر بعض علماء التّابعين -خاصّة بعد موته- أنَّهُ كان كافراً، وأنكرهُ آخرُون وقالوا: الله يفعلُ به ما يشاء.
ولم يُكفِّر العلماء بعضهم بعضا، في عدم تكفير الحجّاج، لأنّهم كانُوا مُتَّفقين في إسلامه من قبلُ، وكانُوا كذلك متَّفقين على أنَّ الإيمان بالطاغُوت يهدمُ الإسلام، ولكنَّهم إنَّما اختلفُوا في: هل ثبت هذا الكُفر في هذا الشخص المُعيَّن، أم إنَّ فيه تحاملٌ عليه للبغض الشّديد الذي في قلوب غالب النَّاس.
فلا تصلحُ مسألة الحجَّاج للاستدلالِ بها، في جواز الاختلاف في العابد لغير الله، المُظهر لشركه.
وقد لخص الإمامُ ابنُ كثير هذه المسألة، فقال: "وأما المبيرُ فهو الحجّاج بن يوسف هذا، وقد كان ناصبيا، يبغض عليا وشيعته، في هوى آل مروان بني أمية، وكان جبارا عنيدا، مقداما على سفك الدماء، بأدنى شبهة، وقد رُوِى عنه ألفاظ بشعة شنيعة، ظاهرُها الكفر، كما قدمنا، فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها، وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يُخشى أنها رُويت عنه بنوع من زيادة عليه، فإن الشّيعة كانوا يبغضونه جدا لوجوه، ورُبما حرَّفُوا عليه بعض الكلم، وزادُوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات.
وقد روينا عنه، أنه كان يتديّن بترك المسكر، وكان يُكثر تلاوة القرآن، ويتجنَّبُ المحارم، ولم يشتهر عنه شيءٌ من التّلطّخ بالفروج، وإن كان متسرّعا في سفك الدّماء، فالله تعالى أعلم بالصّواب، وحقائق الأمور وسائرها، وخفيات الصّدور وضمائرها.
قلت: الحجّاج أعظم ما نُقم عليه، وصحَّ من أفعاله، سفكُ الدماء، وكفى به عقوبة عند الله عزّ وجلّ، وقد كان حريصا على الجهاد، وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يُعطي على القرآن كثيرا، ولما مات لم يترك فيما قيل إلّا ثلثمائة درهم، والله أعلم". (البداية والنهاية)

(الخطأ الخامس والعشرُون) في العلَّة الفارقة

(الخطأ الخامس والعشرُون) في العلّة الفارقة:
جاء في الجواب: (فأتُوا بفرق بين تكفير المسلم لتأويل أو جهل، وبين الحكم بإسلام الكافر المنتسب، للعلّة ذاتها، فرقاً تقُومُ به الحجّة يوم يقوم الناسُ لربِّ العالمين)
الجواب:
(أولا) العلّةُ الفارقة بين التأويلَين هي "نوعُ الجهل ومرتبتُه"، إذ ليس الجهلُ بحكم شرعيٍّ كالجهل بأصل الدِّين. والمسلمُ المتأوِّل الَّذي كفّر مسلماً بتأويل، قد جهل حُكماً شرعيّا، ولم يجهل التّوحيد. امَّا الَّذي حكم بإسلام الكافر المنتسب، العابد لغير الله، فقد جهل التّوحيد، الَّذي هو أصلُ الدِّين.
(ثانيا) إنَّ المعدُودين في المسلمين صنفان: هما مُؤمنُون ومُنافقُون. واللهُ عزَّ وجلَّ يأمرنا بموالاة المُؤمنين، ويُحذّرُنا من موالاة المنافقين، والثقّةِ بهم، فقال عن المؤمنين: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ (المائدة:55)
وقال عن المنافقين:﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (المنافقون:4)
وهذا الأمر بالحذر من المنافقين، يُؤدِّي إلى أن يُخطئ بعضُ المسلمين، ويرموا مسلما بنفاق، وهم في ذلك معذورُون، لأنّهم ينطلقُون من قاعدة صحيحة، وإن أخطؤا الحكم الصحيح في بعض الأحيان، واعتدوا على بعض الأعيان، لشبهة ظهرت لهم.
وكان هذا الرميُ بالنّفاق يقع في مجلس النَّبيِّ صلى الله عليه وسلّم، فلا يُعنِّفُ على الرّامي، وقد فعلهُ ذلك عمر رضي الله عنه لما قال عن حاطب وقد أفشى سرّ النبي صلى الله عليه وسلم "دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ".(البخاري)
وفعله معاذ بن جبل، وغيره رضي الله عنهم. ولذلك أجمع المسلمُون على أنَّ من كفّربعض المسلمين لتأويل سائغ أنَّهُ لا يَكفرْ.
(ثالثا) إنَّ المعدُودين في المشركين المظهرين لشركهم، ليسُوا صنفين، صُنفٌ نعاديه، وصنفٌ نواليه، وإنَّما هم صنفٌ واحدٌ، أُمرَ بالبراءة منهم، وتكفيرهم، ومعاداتهم. فليس هناك شُبهةٌ تجعلُ المسلم يُخطئُ في حكمهم، ويشكُّ في حقيقة أحدهم، وهل هو من الصّنف الذي أمِر بمعاداتهم، أم من الصنف الآخر.
فقد حسم اللهُ شأن المشركين، فلا يُواليهم إلا أحد رجلين: جاهلٌ بالتَّوحيد ليس عندهُ ما يُفرِّقُ به بين أهل التَّوحيد وأهل الشرك، وصاحب هوى يشمُّ من البراءة منهم خسارة الدنيا، وذهاب الأهل والمال.
قال الإمام ابن تيمية: "فإن المؤمنين أولياء الله، وبعضهم أولياء بعض؛ والكفّار أعداء الله، وأعداء المؤمنين. وقد أوجب الموالاة بين المؤمنين، وبيَّن أن ذلك من لوازم الإيمان، ونهى عن موالاة الكفّار، وبيَّن أن ذلك منتفٍ في حقّ المؤمنين، وبيّن حال المنافقين في موالاة الكافرين". (الفتاوى:28/190)
ولو كان شأنُ المشركين كشأن المسلمين، لأجمع المسلمُون على أنَّ من والى مشركاً مُظهراً لشركه لتأويل سائغ، أنَّهُ لا يَكفُرُ، كما أجمعوا على أنَّ من كفّر بعض المسلمين لتأويل سائغ أنَّهُ لا يكفُر. وكفى بهذا فرقاً تقُومُ به الحجّة يوم يقوم الناسُ لربِّ العالمين.

(الخطأ الخامس) في دعوى التناقض

(الخطأ الخامس) في دعوى التّناقض:
جاء في الجواب:
(قال: وهذا التحرير يناقضُ التقرير الأول حيث ذكرتم أنّ أصل الدين الَّذي لا عُذر لأحد فيه هو: الإيمانُ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ولم تدرجُوا تكفير المنتسب فيه ثم ذكرتم لاحقا أنَّهُ من أصل الدين الَّذي لا عُذر لأحد فيه، وهذا يتطلبُ منكم التوفيق والجمع).

الجواب: إنَّ الإيمان بالله لا يصحُّ إلا بالتّوحيد، والتَّوحيدُ لا يصحُّ إلا بالبراءة من الشّرك وأهله، وبُغضهم في الله واعتقاد كُفرهم. فمن ذكر "الإيمان بالله"، أو "التَّوحيد"، في "أصلِ الدِّين"، فقد ذكرالبراءة من الشّرك وأهله، وبُغضهم في الله وتكفيرهم.
فإنَّ رسُلَ اللهِ كانُوا يُخبرُون أهل الشّركِ، وهم في شركهم: أنَّ الرسُل بُرآءُ منهم، ومن شركهم، وأنَّهم بعبادتهم غير الله قد صارُوا كافرين، بربِّهم مُشركين، وأنَّ العداوة والبغضاءَ بادية بينهم حتى يُؤمنُوا بالله وحدهُ.
وهذا البيان من الرّسُل لم يكُن يتأخَّرُ عن بيان الإيمان بالله والتّوحيد، فهو من "تحقيق التّوحيد"، ويدلُّ على أنَّ المشركين كانُوا على علمٍ، بأنَّ من اتَّبع الرُّسل طريقهُ البراءة من الشّرك وأهله، وبُغضهم في الله وتكفيرهم. ولذلك لم يكُن من أتباع الأنبياء، من يقُولُ: "أنا أسلمتُ، ولكن لا أتبرَّأُ من أهلِ الشّركِ". وإنَّما يقُولُ ذلك من لم يفهم التَّوحيد المطلوب، والتّحقيق الّذي يتطلَّبه.
فتدبَّرْ هذه الآيات البيّنات المُحكمات:
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة:4)
وقال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام:19)
وقال: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة:256)
وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الأنعام:74)
وقال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: 78-82).

وإليك بعض أقوال أهل العلم في هذا الموضُوع الخطير:
قال الإمام ابنُ تيميّة: "فهذا البغض والعداوة والبراءة مما يعبد من دون الله ومن عابديه: هي أمور موجودة في القلب، وعلى اللّسان والجوارح، كما أنّ حبّ الله وموالاته وموالاة أوليائه: أمور موجودة في القلب، وعلى اللّسان والجوارح، وهي تحقيق قول: "لا إله إلّا الله" وهو إثبات تأليه القلب لله حبّاً خالصاً وذلاً صادقاً. ومنع تأليهه لغير الله، وبغض ذلك وكراهته. فلا يعبد إلا الله، ويحبّ أن يعبده. ويبغض عبادة غيره" (الفتاوى:14/277)
وقال: "فأمر المؤمنين أن يتأسّوا بإبراهيم ومن معه حيث أبدوا العداوة والبغضاء لمن أشرك حتى يؤمنوا بالله وحده، فأين هذا من حال من لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيّئة؟! (الفتاوى:8/303).
وقال:"وهذه الولاية للّه مقرونة بالبراءة والعداوة لكل معبود سواه ولمن عبدهم، قال تعالى عن الخليل عليه السّلام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لابِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ. إِلا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 26 ـ 28]
وقال: ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلاقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّىۤ إِلا رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الشعراء: 75 ـ 77] (الفتاوى:13/178).
وقال: "فإنّ أهل الملل متفقون على أنّ الرّسل جميعهم نهْوا عن عبادةِ الأصْنام، وكفّروا من يفعل ذلكَ، وأنّ المؤمنَ لا يكون مؤمناً حتى يتبرّأ من عبادة الأصنام، وكلّ معبود سوى الله، كما قالَ الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىۤ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰۤؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِٱللهِ وَحْدَهُ﴾ (الفتاوى:2\115)
وقال الإمام محمّد بن عبد الوهاب:"لا يصحُّ دينُ الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء -أي الطّواغيت المعبُودة من دون الله- وتكفيرهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. (الدرر السنية:10\53)
وقال: "فأمَّا صفة الكُفر بالطاغُوت: فأن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها وتُكفِّر أهلها، وتُعاديهم. وأمَّا معنى الإيمان بالله: فأن تعتقد أنَّ الله هو الإله المعبُود وحده، دون من سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلّها لله، وتنفيها عن كلّ معبُود سواه، وتُحبَّ أهلَ الإخلاص وتُواليهم، وتُبغض أهل الشركِ وتُعاديهم" (الواجبات المتحتّمات)
وقال عبد الرحمن بن حسن:"أجمع العلماءُ سلفاً وخلفاً من الصحابة والتَّابعين، والأئمَّة، وجميع أهلِ السُنَّة، أنَّ المرْء لا يكُونُ مُسلماً إلا بالتَّجرُّد من الشّركِ الأكبر، والبراءة منه، وممّن فعله، وبغضهم ومعاداتهم بحسب الطّاقة والقُدرة، وإخلاص الأعمال كلّها لله." (الدرر السنية:11\545)
وبعد هذا البيان يظهرُ لطالب الحقِّ أنَّ من أخرجَ البراءة من الشرك وأهله، وبُغضهم في الله واعتقاد كُفرهم، من أصلِ الدِّينِ ينقصُهُ الفهم الصّحيح للتَّوحيد، الَّذي هو أصلُ الدِّينِ، وأنَّ من صحَّ فهمُه، لا يجدُ تعارضاً، بين القول بأنَّ أصل الدِّين هو "الإيمانُ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر". وبين القولِ بأنَّ تكفير الكافر المشركِ من أصلِ الدِّين.

(الخطأ الرابع عشر) في الاختلاف في التكفير

(الخطأ الرّابع عشر) في الاختلاف في التّكفير:
جاء في الجواب:
(واختلف الناسُ في تكفير تارك الصلاة والساحر والمفتري على رسُول الله صلى الله عليه وسلم، وتكفير الصبي المُميّز، والسكران، وتكفير الجاهل بمعنى الكلمة مثل سب الله، وفي تكفير من أصرّ على خمر، غير مستحل في دار الإسلام، أو لحم خنزير من غير ضرُورة، إلى مسائل يطولُ تعدادها).
الجواب: إذا كُنت تُريدُ أن تقُولَ أنهُ يجُوزُ الاختلاف في كُلِّ تكفير، وأنَّهُ لا يلزمُ من ذلك تكفيرُ العلماء بعضهم لبعض، فقد غفلت عن أمرين:
(الأوّل) أنَّك قسمت المسائل في تعريفك إلى قسمين:
(القسم الأوّل) أصل الدّين الذي لا عُذرَ فيه لأحد إلا بإكراه، أو انتفاء قصد.
(القسم الثّاني) ما ليس من أصلِ الدِّين.
فقد قلت: (أصلُ الدّينُ هو ما يدخلُ به المرء في الإسلام (الشهادتان) وما يدخل في معنى الشهادتين، وما لا يدخُلُ في معنى الشهادتين لا يدخلُ في أصلِ الدين الذي لا عُذرَ فيه لأحد إلا بإكراه، أو انتفاء قصد)
وقد بيَّنتُ أنَّ تكفيرَ العابد لغير الله يدخُلُ في معنى الشهادتين، وإذاً لا معنى لما تسُوقهُ من مسائل ليست من أصلِ الدين، قد وقع فيها اختلاف بين العلماء، هل تُوجبُ التكفير أم لا.
(الثاني) أنَّ العُلماء مع اختلافهم في كثير من هذه المسائل وغيرها، لم يُوجد من بينهم، من يختلفُ في تكفير المُشرك العابد لغير الله، المُظهِر لشركِهِ؟، ومن يُفرِّقُ المُشركين إلى مُنتسبين وغير مُنتسبين، فيُوالِي الأوّلين، ويُكفِّرُ الآخرين؟. هذا هو محلُّ النّزاع.

(الخطأ الرابع والثلاثُون) إدِّعاء اليقين مع كُلِّ الأخطاء

(الخطأ الرابع والثلاثُون) إدِّعاء اليقين مع كُلِّ هذه الأخطاء:
جاء في الجواب: (والمسألة تحتاج منكم إلى تحرير ونظر ثاقب وورع شديد، فإنَّكم على غير يقين.)
والجوابُ: لو قلتَ هذا:
= وأنت لا تجادلُ عن أهلِ الشّركِ!!
= وأنت لا تُخرج تكفيرهم من أصل الدّين!!
= وأنت لا تُخرج البراءة من أصل الدّين!!
= وأنت لا تزعمُ وجود "مشرك مسلم"!!
= وأنت لا تُسوِّي بين أصلِ الدّين وفرعه!!
= وأنت لا تُسوِّي بين الظّنون والتّأويلات!!
= وأنت لا...... وأنت لا..... وأنت لا...إلخ!!
لو قلت هذا وأنت غير هذا..لأحسنَّا الظّنَّ بنصائحك، فراجع نفسك، فإنّك محاسَبٌ أمام الله .
(والله الهادي إلى سواء الصّراط. والحمد لله على كلّ حال) ...

(الخطأ الرابع والعشرُون) في تسوية الظنون

(الخطأ الرّابع والعشرُون) في تسوية الظنون:
جاء في الجواب: (وأما ما ذكرتم من أن من كفر مسلما بدرت منه بعض علامات النفاق، فهو مجتهدٌ لا يُكفّرُ، كما فعل عمر بن الخطاب، فهو تحكم من غير دليل، وإلا فما هو الفارق بين الظنون والتأويلات، أعني الفرق بين من ظنّ بإسلام كافرٍ في الحقيقة، ومن ظنّ بكفر مسلم على الحقيقة؟)
والجوابُ:
(أولا) إنَّ هذا الإعتراض سببه سوءُ الفهم للمسائل الدّينية، والظنُّ بأنَّها على مرتبة واحدة، ولأجل هذا الخطأ الكبير، إستوى عند صاحب الجواب، المُخطئ في توحيد الله، أو في رسالة الرّسُول صلّى الله عليه وسلم، والمخطئ في فهم آية من القرآن، أو في الجمع بين النُّصُوص.
وصاحبُ الجواب قد اعترف بأنَّ المسائل الدّينية ليست على مرتبة واحدة، وذلك لما عرَّف "أصل الدين الذي لا عُذرَ لأحدٍ فيه بجهلٍ أو تأويل"، وذكر أنَّهُ الشهادتان، وما يدخُلُ في معناهما، ولكن يبدُو أنَّهُ لا يعملُ بالذي أصَّله. إذ لو كان يعملُ بأصله، ما قال: " فما هو الفارق بين الظّنون والتأويلات؟".
إنَّ الظّنون والتأويلات ليست على درجة واحدة، فمذاهبُ وعقائدُ الكُفّار كُلّها ظنُونٌ وتأويلات فاسدة، لا يُقرُّها عليهم الشرعُ والعقلُ، ومن رضي بها، وأنكر التوحيد، والرّسالة، والبعث والحساب، لا يُعذرُ بظنِّه الفاسد، وجهله بأصل الدّين.
وجاء في القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام:116)
و﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آَبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام:148)
و﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (يونس:66)
و﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى. وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (النجم: 27-28)
وكذلك الفرق المبتدعة من الخوارج والمعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم، عقائدُهم ظنُون وتاويلات فاسدة، ولكنّهم دون المشركين في الحكم. ومذهبُ غالب أهلِ السنَّة، أن لا يُكفّرُوا ابتداء، إلاّ من كان ضلالهُ في التوحيد والنبوّة وما يدخلُ في أصلِ الدّين.
واختلافات الفقهاء الّتي لا تُحصى، واجتهادات المجتهدين، لاتخلوا من ظنُون وتأويلات. ومن سوَّى بين الظّنُون، وجعلها كلّها على مرتبة واحدة، فقد سوَّى بين أكفر النَّاس، وأورع النَّاس في الأحكام، وهذه من أعظم مزالق الأقدام.
(ثانيا) إذا علمت أنَّ الظّنون والتأويلات ليست على درجة واحدة، فاعلم أنّ المكَّفرين للمسلمين، ليسوا على درجة واحدة، وذلك بالنَّظر إلى الباعث على التكفير. فمنهم من يُكفّرُ المسلم بلا سبب، إلاّ أنه يوحّد الله، فيرميه بالكفر بُغضاً لتوحيده، وظنّاً منه أن التوحيد كفرٌ.
ومنهم من يُكفّرُ المسلم على سبيل السبِّ. ومنهم من يُكفّرُ المسلم من غير بُغضٍ لتوحيده، ولكن بُغضاً لذنبه، وظنّاً منه أنَّ الذنوب تُخرج أصحابها من الملّة، كما فعلت "الخوارج". ومنهم من يُكفّرُ المسلم، ويرميه بالنفاق بتأويل سائغ، كمن رأى من مسلم، ما هو من علامات النفاق، فرماه بالنفاق غيرةً لله ولدينه.
وكذلك يختلفُ الباعث على إدخال الكافر في الإسلام، والحُكم بأنَّهُ مُسلمٌ، فمنهم من يُدخلُهُ في المسلمين لجهله بالتوحيد، وظنّه بأنَّ الشركَ لا ينقضُ التَّوحيد. ومنهم من يُدخلهُ لأنَّهُ عرف إسلامهُ ولم يشهد كُفرهُ. ومنهم من يجعلُ الكافر مسلماً بسبب إظهار الكافر للإسلام والصّلاح وإخفائه لكفره.
فالظّنون والتّأويلات ليست على درجة واحدة، والبواعث على التكفير كذلك ليست على درجة واحدة، وأسبابُ الحكم على إسلام الكافر، ليست على درجة واحدة.

(الخطأ الرابع) في إسلام الكافر بالملائكة

(الخطأ الرّابع) في إسلام الكافر بالملائكة:
جاء في الجواب:
(إذا أسلم الحربيُّ في دار الكُفرِ، فشهد لله بالتَّوحيد، ونبيّ الله بالرسالة، ولم يعرف الملائكة يقتضي أصلكُم أن لا يُعذرَ بالجهل ولا يُحكمُ لهُ بالإسلام)

والجوابُ: إنَّ وجُودَ إنسانٍ عرف التَّوحيد والرّسالة، معرفة صحيحة، وهو لم يسمعْ بالملائكة، افتراضٌ بعيدٌ عن الواقع، قد لا يُوجدُ إلّا في الأذهان. يدلُّ على ذلك أمران:
(الأوّل) إنَّ العلمَ بالملائكة جاء مع العلم بالتّوحيد، في جميع رسالات الله، منذ آدم إلى مُحمَّدٍ صلواتُ الله وسلامُهُ عليهم. وانتشر بالتواتُر في حياة الأمم، ولم يكُن هذا العلم بالملائكةِ يزولُ بزوالِ توحيد الألوهيّة، وكان يبقى ببقاء توحيد الرّبُوبية، للعلاقة الوثيقة الّتي بين العلم بتوحيد الرّبوبية، وبين العلم بملائكة الله.
فإنَّ البشر -وإن ضلُّوا عن توحيد الألوهيّة- كانُوا يُؤمنُون بأنَّ الله هو خالقُ الكونِ، ورازقُ الخلق، وأنَّهُ الملكُ الحقِّ، المُتصرِّفُ في مُلكه، ذو الجنُود ، الَّذين هم الملائكة. فكان الإيمانُ بالملائكة من لوازم الإيمان بمُلكِ الله.
قال الإمام ابنُ القيّم: "فإرسالُ الرّسل موجبُ كمال مُلكِه وسلطانِه، وهذا هو المُلك المعقول في فطر الناس وعقولهم، فكلُّ مَلِكٍ لا تكون له رسلٌ يبثُّهم في أقطار مملكته، فليس بملكٍ.
وبهذه الطريق يُعلمُ وجودُ ملائكته، وأنَّ الإيمانَ بهم من لوازم الإيمان بمُلكِه فإنّهم رسلُ الله في خلقِه وأمرِه". (مدارج السالكين:1/70).
(الثاني) دلَّ القرآنُ على أنّ أجهلَ الأممِ الّتي قد ضلّت عن التّوحيد، كانت لا تزالُ تعتقدُ بالملائكة. فقد قال قومُ نوح: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون: 24]. وذلك في وقتٍ كانُوا يُنكرُون التَّوحيدَ، ويستحلُّونَ عبادة غير الله، ويُنكرُون رسالة نُوح عليه السّلام.
وقال فرعون: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: 53]. وذلك في وقتٍ كان يُنكرُ التَّوحيدَ، ويستحلُّ الكُفرَ والطّغيان، ويُنكرُ رسالة مُوسى عليه السلام.
وقال مشركوا العرب: ﴿لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: 8].
﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: 12].
﴿لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 7].
وذلك في وقتٍ كانُوا يُنكرُون التَّوحيدَ، ويستحلُّونَ عبادة غير الله، ويُنكرُون رسالة مُحمَّدٍ عليه الصّلاةُ والسلام، ويُنكرُون البعث والحساب.
فإذا كان أهلُ الشّرك لم يجهلوا الملائكة - حتّى في أوقات الفترات - فما فائدة افتراض الجهل بالملائكة بعد الرّسالة الأخيرة التي غلبت على العالم وعرف مبادئها الملاحدة والوثنيّون والكتابيّون؟.
وعلى تقدير وجود من لم يسمع بالملائكة، فإنَّ الحربيَّ إذا ادَّعى الإسلام في دار الكُفرِ، فشهد لله بالتَّوحيد، ونبيّ الله بالرّسالة، وادَّعى الجهل بالملائكة، فالأشبه أن يكُون مُعانداً، لوجُود العلم بالملائكة في ديار الحرب، كما يُوجدُ العلمُ بربُوبيّة الله فيها، فيُدعى إلى الإيمان بالملائكة، فإن آمن بها صحَّ إيمانهُ الظّاهر، وحُكم بإسلامه.

(الخطأ السابع عشر) في عدم تكفير الخوارج ابتداء

(الخطأ السّابع عشر) في عدم تكفير الخوارج ابتداء:
جاء في الجواب: (فما الذي جعل ظنّ الخوارج، وتأويلهم غير السائغ مانعا من تكفيرهم عند جماهير المسلمين، ولم يجعل ظنّ هذا الرجل (محل النزاع)، الذي حكم بإسلام المشرك المنتسب، مانعا من تكفيره؟ فأتوا بالبرهان، على الفرقان ولكم منا جزيل الشكر).
والجوابُ: إنَّ التّفريق بين عدم تكفير الخوارج ابتداء، وبين تكفير من لم يُكفِّر المشرك المنتسب ابتداء، لا يستشكلهُ إلا من في فهمه لمسائل الإيمان والكُفرِ اضطرابٌ. إذ أنَّ هذا تسويةٌ بين مُسلمٍ مُخطئ، وبين كافرٍ مُخطئ ، وهو كمن قال: لا فرقَ بين تكذيب اليهُود لرسالة النَّبيِّ صلّى اللهُ عليه وسلّم، وبين تكذيب الأشعرية للاستواء، لأنَّ هذا تكذيبٌ، وهذا تكذيب، ومعلومٌ أنَّ مسألة الرّسالةِ ليست كمسألةِ الإستواء.
وبالمقارنة الآتية يظهر لك الفارق البعيد الذي بينهما:
(أوّلا) إنَّ الخوارج ومن شاكلهم من أهلِ البدع لم يكُن خطؤُهم في أصلِ الدِّين الَّذيْ لا يُعذرُ فيه أحدٌ بجهلٍ ولا تأويل، فقد كانوا مُؤمنين بالله وملائكته وكُتبه ورُسُله واليوم الآخر، فكانُوا مُوحِّدين لا يُشركُون بالله شيئاً. وإن كان الإصرارُ على البدعةِ قد يُؤدِّي ببعضهم إلى الكُفرِ. ولذلك ليس للصحابةِ قولٌ واحدٌ عنهم.
أمَّا الَّذيْ حكم بإسلام المشرك المنتسب، خطؤُهُ في أصلِ الدِّين، فإنَّهُ ليس من أهلِ التَّوحيد، لأنَّهُ يُصرُّ على القولِ بأنَّهُ والكافر العابد لغير الله على ملَّةٍ واحدةٍ. ومن قال:"أنا لا أتهوَّدُ ولكنَّ اليهُودَ مُسلمُون، وعلى ديني"، فإنَّ اليهُودَ لا يكُونُون مُسلمين بقوله، وإنَّما هو الذى يكُونُ كافراً بقوله.
(ثانياً) الخوارج كفَّرُوا المُسلمين لمعاصٍ وجدُوها، والمعاصِي تُوجبُ أحيانا التكفيرَ، كمن استحلّها، أو قاتل دُونها،. والَّذيْ حكم بإسلام المشرك المنتسب، يُوالي المُشركين، والشركُ لا يُوجبُ مُوالاةً في حالٍ من الأحوالِ.
(ثالثا) الخوارج مفسدتُهم في سفك الدماء المُحرَّمة، والَّذيْ حكم بإسلام المشرك المنتسب، مفسدتُهُ في رفع البراءة والمفاصلة الدينيَّة، والقضاء على ملّة الأنبياء، وخلق المُؤاخاة والمودّة بين أهلِ الشركِ، وأهلِ الإسلامِ.

(الخطأ السابع والعشرُون) في اختلاف التكفير

(الخطأ السابع والعشرُون) في اختلاف التكفير:
جاء في الجواب: (قال شيخ الإسلام: فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كُل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكُون كافراً، بل ولا فاسقاً، بل ولا عاصيا، لا سيما في مثل مسألة القرآن، وقد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف المعرُوفين عند الناس بالعلم والدين. وغالبهم يقصُد وجها من الحقِّ فيتَّبعه، ويعزب عن وجه آخر لا يحققه، فيبقى عارفا ببعض الحقِّ، جاهلا ببعضه، بل مُنكراً له) (الفتاوى:12\180).
والجوابُ:
إذا كان الغرضُ من إيراد كلام الشيخ، هو الإستدلالُ به على أنَّ الَّذي لا يُكفّرُ المشركين، وهو عالمٌ بحالهم لا يُكفَّرُ، فإنَّ كلام الشيخ هذا لا يحتملهُ، وهو استدلالٌ في غير موضعه، لأنَّهُ يتكلَّمُ عن الأغلاط التي يقعُ فيها علماء مسلمُون، في مثل مسألة القرآن.
أمَّا من أخطأ في مثل مسألة النُّبوَّة، وقال: "من اعتقد بنبوَّة مسيلمة معذورٌ بالجهل، إذا كان يشهدُ الشّهادتين"، فإنَّ كلام الشيخ لا يدلُّ على عدم تكفيره. وأبعدُ من هذا من قال: " من عبد مع الله غيره معذورٌ بالجهل، إذا كان يشهدُ الشّهادتين".
وربما إستشكل بعضُ النّاس، كيف لا يكُون المُبتدعُ الّذي لم يكفُرْ ببدعته فاسقاً أو عاصيا؟.
والجوابُ: إنَّ الإنسان قد يجهلُ حقيقة علمية، قد يجهلها مثلهُ، مما هو ليس من أصل الدِّين، فيكُون مُعتقداً لبدعة، وقد لا يجدُ من يُنبِّههُ على خطئه، فيكُونُ معذوراً بالجهلِ. ثمَّ قد تكُونُ لهُ من الحسنات، ما يبلغُ بها درجة أهلِ الإحسان. فصار مع بدعته غير فاسقٍ ولا عاصٍ. وهذا هو مُراد الشيخ رحمه الله، كما بيَّنهُ في الفتاوى، في موضعٍ لا أتذكَّرُهُ الآنَ.

(الخطأ السابع) في أدلّة تكفير المشرك المنتسب

(الخطأ السّابع) في أدلَّة تكفير المُشرك المُنتسب:
جاء في الجواب:
(وإلى الآن لم تقيمُوا دليلا على أنّ تكفير المُنتسب من أصل الدِّين الذي لا عُذر فيه لأحد بجهل أو تأويل، وأنَّ من خالفكم فيه فهو كافرٌ ناقضٌ لأصل الدين، ولا أظنُّ أنَّكم تقدرُون إقامة الدليل على هذا)
والجوابُ: خطأُ هذا القولُ يظهرُ لك عند الجواب عن سُؤالين:
1) ما الدليلُ على أنّ تكفيرَ المُشرك غير المُنتسب من أصل الدِّين؟
2) هل المُشرك المُنتسبُ لهُ حكم المشركين، أم حكم المسلمين؟
وللجوابِ عن السُّؤالين، أقُولُ:
(جوابُ السّؤال الأوّل)
دلَّ القرآنُ على أنَّ التّوحيد المطلوب ليس النُّطقَ بالشّهادتين، ومعرفةَ أنَّ الله وحده هو المستحقُّ للعبادة، وأنَّ غيرهُ لا يستحقُّ العبادة، بل التَّوحيد المطلوب، هو الّذي فيه تكفيرُ أهل الشّركِ، والبراءة منهم، وإظهار العداوة لهم.
1) الدّليلُ الأوّل:
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة:4)
قال الإمامُ الطّبري في التفسير: وقوله: ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
يقول: حين قالوا لقومهم الّذين كفروا بالله، وعبدوا الطّاغوت: أيّها القوم إنا برآء منكم، ومن الّذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأنداد.
وقوله: ﴿كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ العَدَوَاةُ والبَغْضَاءُ أبَدا حتى تُؤمِنُوا باللَّهِ وَحْدَهُ﴾ يقول جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل أنبيائه لقومهم الكفرة: كفرنا بكم، أنكرنا ما كنتم عليه من الكفر بالله وجحدنا عبادتكم ما تعبدون من دون الله أن تكون حقّا. وظهر بيننا وبينكم العدواة والبغضاء أبدا على كفركم بالله، وعبادتكم ما سواه، ولا صلح بيننا ولا هوادة، حتّى تؤمنوا بالله وحده، يقول: حتّى تصدّقوا بالله وحده، فتوحّدوه، وتفردوه بالعبادة. ـ اهـ ـ
وقال الإمامُ ابنُ كثير في تفسيره: يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىۤ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: وأتباعه الذين آمنوا معه.
(إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰۤؤُا مِنكُمْ﴾ أي تبرّأنا منكم.
(وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: بدينكم وطريقكم.
﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا﴾ يعني وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم، مادمتم على كفركم فنحن أبداً نتبرّأ منكم ونبغضكم.
﴿حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ أي: إلى أن توحّدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد. ـ اهـ ـ
فمن ادَّعى التَّوحيد، وهو لا يُكفِّر المُشركين، ولا يتبرَّأ منهم، ولا يُعاديهم في الله، فليس بمُوحّدٍ، وليس على ملَّة الأنبياء، وليس من أهلِ الإيمان.

2) الدّليلُ الثاني:
ما جاء في القرآن من الآيات الكثيرة، في بيان ملَّة إبراهيم، الذي لم يكُن من المُشركين، هذه الآيات التي تأمرُ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم باتّباع الحنيفيّة ملَّة إبراهيم. وفيها أنَّ البراءة من أهل الشّرك من الإيمان والتّوحيد. مثل:
قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران:95)
وقوله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة:135)
وقوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (آل عمران:67)
وقوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 78-79)
وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل:120)
وقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام:161.
وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يونس: 104-105)

3) الدليلُ الثالث:
قوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (البقرة:256)
قال إلإمام الطّبري في التفسير: "والصّواب من القول عندي في الطّاغوت: أنه كلّ ذي طغيان على الله فعبد من دونه، إمّا بقهر منه لمن عبده، وإمّا بطاعة ممّن عبده له، إنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء".
وقال إلإمام إبن كثير في التّفسير:"أي: من خلع الأنداد والأوثان، وما يدعو إليه الشّيطان من عبادة كلّ ما يعبد من دون الله، ووحّد الله فعبده وحده، وشهد أنه لا إله إلاّ هو ﴿فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ﴾ أي فقد ثبت في أمره، واستقام على الطّريق المثلى، والصّراط المستقيم"
فدلَّ القرآنُ على أنَّ من لم يكفُرْ بالطّاغُوت لم يُؤمنْ باللهِ، ومن ادَّعى الكُفر بالطّاغُوت، ولم يُكفِّرْ عُبَّادهُ، فليس معدُوداً من الكافرين بالطّاغُوت، لأنَّهُ يُوالي عُبَّاد الطّواغيت، ويصرِّحُ أنّهُ على دينهم. كمن قال: لا أتهوَّدُ، ولكنَّ اليهُود على الإسلام.
قال الإمام إبن تيميّة:"ومن لم يُقرّ بأنّ بعد مبعث محمّد صلّى الله عليه وسلّم لن يكون مسلم إلاّ من آمن به واتّبعه باطناً وظاهراً فليس بمسلم. ومن لم يحرّم التديّن -بعد مبعثه صلّى الله عليه وسلّم- بدين اليهود والنّصارى، بل من لم يكفّرهم ويبغضهم، فليس بمسلم باتّفاق المسلمين". (الفتاوى:27/450)

وأنت قُلت: "أصلُ الدّينُ هو ما يدخلُ به المرء في الإسلام (الشهادتان) وما يدخل في معنى الشهادتين، وما لا يدخُلُ في معنى الشهادتين لا يدخلُ في أصلِ الدين الذي لا عُذرَ فيه لأحد إلا بإكراه، أو انتفاء قصد"
فالسُّؤالُ: ما تقولُ في من لا يُكفِّرُ اليهود والنَّصارى، هل يُعذرُ بالجهل؟ وهل تكفيرهُ يدخُلُ في معنى الشّهادتين؟.
إنْ قلتَ: هو كافرٌ لا يُعذرُ بالجهل، وتكفيرهُ يدخُلُ في معنى الشّهادتين، قلنا: ونحنُ لم نأتِ بجديد، وإنَّما نقُولُ: كلُّ من أظهر الكُفرَ الصّريح، المُناقض للشّهادتين، فإنَّهُ لا يُعذرُ بالجهل، وتكفيرهُ يدخُلُ في معنى الشّهادتين.
وإنْ قلتَ: من لا يُكفِّرُ اليهود والنَّصارى، يُعذرُ بالجهل، وتكفيرهُ لا يدخُلُ في معنى الشّهادتين، خرجتَ عن ما اتَّفق عليه المُسلمُون، وخالفتَ سبيلهم.
(جوابُ السُّؤال الثاني) هل المُشرك المُنتسبُ لهُ حُكم المُشركين، أم حُكم المُسلمين؟
الجواب: ألمُشركُ المُنتسب له حُكم المُشركين، ويدلُّ على ذلك ما يأتي:
1) الدّليلُ الأول:
كلُّ الآيات السّابقة الدّالّة على أنَّ البراءة من أهلِ الشّركِ، وبُغضهم، ومعاداتهم، تخصُّ كلَّ من يُشركُ بالله غيره، وليس منها ما يدلُّ على أنَّ من عبد غير الله في آخر الزمان لهُ أحكامٌ غير أحكام أهلِ الشّركِ أو يدلُّ على أنَّ المُشركَ المُنتسب إلى مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلم أفضلُ منْزلة من غيره من المشركين المنتسبين إلى الأنبياء المتقدِّمين.
بل في القرآن كثيرٌ من الآيات الواردة بصيغة العُمُوم، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (المائدة:72)
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء:48)
وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا﴾ (النساء:116)
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج:31)
ومن أخرج المشركين المتأخّرين من هذا العُموم، بدون نصٍّ يدلُّ على تخصيص هذا العمُوم، فقد خالف الحقّ.
2) الدّليلُ الثاني:
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (التغابن:2)
فالنَّاسُ هذان القسمان، والمُشركُ المُنتسبُ لابدَّ من إدخاله في أحد القسمين، والفارقُ الأوّلُ بين القسمين هو التَّوحيد والإيمان، حيث أنّ المُؤمن يُخلصُ العبادة للهِ، والكَافر يُشركُ في عبادة ربِّه. فمن آمن إلى يوم القيامة، فهو من المُؤمنين، ومن أشرك إلى يوم القيامة فهو من المُشركين. والمُشركُ المُنتسبُ كغيره من المُشركين.
كما في قوله تعالى: ﴿وَمَاْ تَفَرَّقَ الّذِيْنَ اُوتُوا الكِتاَبَ اِلاّ مِنْ بَعْدِ مَاْ جَاْءَتْهُمْ البَيِّنَة. وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ. إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (البينة: 5-7)
فالظّاهرُ من الآية ثلاثة أمُور:
1) إنَّ بينةَ الله الآتية منهُ، هي عبادتهُ بالإخلاص، واتِّباع الحنيفيّة.
2) وأنَّ من آمن بها واتَّبعها فهو "مؤمن"، وهو من خير البريّة.
3) ومن كفر بها فهو "كافرٌ"، وهو من شرِّ البريّة.

3) الدّليلُ الثالث:
1ـ إنَّ عبادة غير الله كُفرٌ أكبر بالإجماع، وهذا الكُفر لا يفعلهُ إلا ثلاثة أصناف من النَّاس:
(الصّنف الأوّل) الكُفّارُ الأصليُّون، من الوثنيّين وأهل الكتاب.
(الصّنف الثّاني) المرتدُّون ومن في حُكمهم.
(الصّنف الثّالث) المنافقُون والزّنادقة.
والفرقُ بين هذه الأصناف الثّلاثة، هو إظهارُ الكُفرِ وإخفاؤه، حيث يُظهرُهُ الصّنف الأوّل، والصّنف الثّاني، ويُخفيه الصّنفُ الثّالث. وأحكامُ هذه الأصناف الثّلاثة معلومة، وتكفيرُ الصّنفين الأوّلين من أصل الدِّين، بأدلَّة الكتاب، ومن لم يُكفِّرهم فليس على دين رسُل الله البريئين من أهل الكُفرِ. وكلُّ من أظهر كُفرَه فهو لا يَخرُجُ من هذين الصّنفين.

4) الدّليلُ الرّابع:
إنَّ بني حنيفة ومانعي الزّكاة كفرُوا، وهم ينتسبُون إلى الإسلام، ويُقرُّون بالشّهادتين، مع تلبُّسهم بالكُفرِ البواح، فأجمع الصّحابة على تكفيرهم وقتالهم، ولو كان للمُنتسب الكافر أحكامٌ غير أحكام الكُفّار لعلِمه الصّحابة رضوانُ الله عليهم.
قال الإمام ابن تيميّة:فأيّما طائفة امتنعت من بعض الصّلوات المفروضات، أو الصّيام، أو الحجّ، أو عن إلتزام تحريم الدّماء، والأموال، والخمر، والزّنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفّار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدّين ومحرّماته -الّتي لا عذر لأحد في جحودها وتركها- التي يكفر الجاحد لوجوبها. فإنّ الطّائفة الممتنعة تُقاتَل عليها وإن كانت مقرة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء.
وإنّما اختلف الفقهاء في الطّائفة الممتنعة إذا أصرّت على ترك بعض السّنن كركعتي الفجر، والأذان والاقامة -عند من لا يقول بوجوبها- ونحو ذلك من الشّعائر. هل تُقاتل الطّائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأمّا الواجبات والمحرّمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها.
وهؤلاء عند المحقّقين من العلماء ليسوا بمنْزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته؛ كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبـي طالب رضي الله عنه. فإنّ أولئك خارجون عن طاعة إمام معيّن، أو خارجون عليه لإزالة ولايته. وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام. (الفتاوى:28/501)
وفقهاءُ الإسلام سارُوا على طريق الصّحابة، في جميع العصُور، ولم يجعلُوا للمشرك المُنتسبِ أحكامَ المسلمين.
إليك أمثلة من فتاوى الإمام ابن تيمية:
قال عن عُبَّاد الكواكب: "فلو ذبح لغير الله متقرّباً إليه لحرم وإن قال فيه: باسم الله. كما قد يفعله طائفة من مُنافقي هذه الأمّة، الّذين يتقرّبون إلى الكواكب بالذّبح والبخور ونحو ذلك. وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، ولكن يجتمع على الذّبيحة مانعان". [إقتضاء الصّراط المستقيم .ص: 259].
وقال عن عُبَّاد الصّالحين: "فإذا كان على عهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ممّن إنتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة .. فليُعلم أنّ المنتسب إلى الإسلام والسنّة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام لأسباب منها الغلوُّ في بعض المشايخ بل الغلوُّ في عليّ بن أبي طالب بل الغلوُّ في المسيح. فكلّ من غلا في نبيٍّ أو رجلٍ صالح وجعل فيه نوعاً من الإلهيّة مثل أن يقول: "يا سيّدي فلان أنصرني أو أغثني أو أرزقني أو أنا في حسبك ونحو هذه الأقوال .. فكلّ ذلك شركٌ وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلاّ قُتل". (الرّسالة السّنيّة)

وقال عن الغالية من الرّافضة:"والغالية يقتلون باتّفاق المسلمين وهم الّذين يعتقدون الإلهيّة والنّبوّة في عليّ وغيره مثل النّصيريّة والإسماعيليّة".
قال: "فإنّ جميع هؤلاء الكفّار أكفر من اليهود والنّصارى .. فإن لم يظهر عن أحدهم ذلك كان من المنافقين الّذين هم في الدرك الأسفل من النّار. ومن أظهر ذلك كان أشدّ من الكفّار كفراً. فلا يجوز أن يقرّ بين المسلمين لا بجزية ولا ذمّة، ولا يحلّ نكاح نسائهم ولا تؤكل ذبائحهم لأنّهم مرتدون من شرّ المرتدين. فإن كانوا طائفة ممتنعة وجب قتالهم كما يقاتل المرتدون. [الفتاوى: م28/ص:474].

وقال عن العبيديّين: قال: "ولأجل ما كانوا عليه من الزّندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدّة دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان. حتى قال العلماء: إنّها كانت دار ردّة ونفاق، كدار مسيلمة الكذّاب". [الفتاوى:م 35/ ص: 139].
قال: فهؤلاء القرامطة هم في الباطن والحقيقة أكفر من اليهود والنّصارى.

وقال عن الدرزيّة: قال: "وأما "الدرزيّة" فأتباع "هشتكين الدرزي" وكان من موالى "الحاكم" أرسله إلى أهل وادي تيم الله بن ثعلبة فدعاهم إلى إلهيّة الحاكم ويسمّونه "البارى العلام" ويحلفون به وهم من الإسماعيليّة القائلين بأنّ "محمد بن إسماعيل" نسخ شريعة محمد بن عبد الله وهم أعظم كفراً من الغالية يقولون بقدم العالم وإنكار المعاد وإنكار واجبات الإسلام ومحرّماته وهم من القرامطة الّذين هم أكفر من اليهود والنّصارى ومشركي العرب".
وقال: كفر هؤلاء مما لا يختلف فيه المسلمون بل من شكّ في كفرهم فهو كافرٌ مثلهم لا هم بمنْزلة أهل الكتاب ولا المشركين بل هم الكفرة الضالّون فلا يباح أكل طعامهم وتسبى نساؤهم وتؤخذ أموالهم فإنهم زنادقة مرتدون" (الفتاوى:35\161)

وقال عن أهل الحلول والاتحاد:"فهذا كلّه كفرٌ باطناً وظاهراً بإجماع كلّ مسلم، ومن شكّ في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم ومعرفة دين الإسلام فهو كافر.كمن يشكّ في كفر اليهود والنصارى والمشركين" [الفتاوى: م 2/ ص: 368]
وقال: "وهكذا هؤلاء الاتّحادية فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم ولا تقبل توبة أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة. فإنه من أعظم الزّنادقة الّذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر" [الفتاوى: م 2/ص: 130].
قال: "ومن كان محسناً للظنّ بهم وادّعى أنّه لم يعرف حالهم عرف حالهم فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلّا ألحق بهم وجعل منهم" .
قال: "ومن لم يكفّر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلاً كان عن تكفير النّصارى بالتّثليث والاتّحاد أبعد" [الفتاوى: م 2/ ص: 133].

(الخطأ السادس عشر) في امرأة المختار

(الخطأ السّادس عشر) في امرأة المختار:
جاء في الجواب:
(والغريب استشهادكم لهذه القصة في تكفير من لم يُكفِّرْ المشرك المنتسب أو لم يتبرَّأ منه، مع أنّه ليس في القصة ما ترُومونه، ذلك أنَّ الذي في "البداية والنهاية" لابن كثير:
"وقد سأل مصعب أم ثابت بنت سمرة بن جندب أمرأة المختار عنه، فقالت ما عسى أن أقول فيه إلا ما تقولون أنتم فيه، فتركها واستدعى بزوجته الأخرى، وهى عمرة بنت النعمان بن بشير، فقال لـها: ما تقولين فيه؟. فقالت: رحمه اللـه لقد كان عبدا من عباد اللـه الصالحين. فسجنها وكتب إلى أخيه إنها تقول إنه نبى فكتب إليه ان اخرجها فاقتلـها فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت.) (حوادث سنة 67هـ)
والجوابُ: هذه القصَّةُ حُجَّةٌ عليك من وُجُوه:
(الأوّل) أنَّ المُختار كان كافراً مُنتسباً، وكان يؤمُّ النَّاسَ في الصّلاة ويقرأُ القرآن، فكفَّرهُ المُسلمُون وقتلوهُ، ولم يقُولوا: الكافرُ المُنتسبُ أفضلُ من غيره من الكفّار، وأنَّ من لم يتبرَّأْ منهُ معذور.
(الثّاني) أنَّ المرأة كانت تعتقدُ فيه خيراً، فلم تُعذَرْ بالجهالة.
(الثّالث) أنَّها لم تقُلْ لمّا سُئلت عنهُ: "إنَّهُ نبيُّ الله"، وإنّما قالت: " رحمه الله لقد كان عبدا من عباد الله الصّالحين". فرأى مُصعبُ أنَّ قولها معناهُ: "إنَّهُ نبيُّ الله"، لأنَّ الرّجُلَ كان مُجاهراً بكفره، وقد شهدت له بالصّلاح.
فدلَّ ذلك على أنَّ من شهد على أهل الشّركِ الأكبر بالإسلام، أنَّهُ يُقتلُ، لأنَّ ذلك رضى بالكُفر، وشهادة بأنَّ الكُفرَ الأكبرَ إسلامٌ. وليس مقام النُّبوَّة بأرفع من مقام الألوهيّة، فلا يُقالُ: من اعتقد إلهاً غير الله معذور بالجهل، ومن اعتقد نبيّاً بعد مُحمَّد صلّى الله عليه وسلّم لا يُعذرُ بالجهل.

(الخطأ السادس والعشرُون) في الاحتجاج بالقرآن

(الخطأ السّادس والعشرُون) في الاحتجاج بالقرآن:
جاء في الجواب: (فهذا الرجل يقول:أنا أعلم أنّ هذا الفعل شركٌ أكبر، وأن عابد غير الله كافرٌ مشركٌ، ولكن عندي دليل من القرآن والسنّة أنّ الله لا يُؤاخذُ الجاهل، فأنا اتّبع هذا الدليل كما أمره الله ولا أكفّره حتى تقوم عليه الحجّة الشرعية.)
و (فكيف يُكفّرُ مثل هذا، وخلافنا معه في تنزيل الحُكم الشرعي لا أكثر؟)
والجوابُ:
إنَّ من احتجَّ بالقرآن لتصويب الباطل النّاقض لأصل الدِّين، لا حُجَّة لهُ، ولا يُسمعُ قوله، فإنَّ المحرَّمات الَّتي هي من المعلوم من الدّين بالضّرُورة، لا يُعذرُ من استباحها بتأويلٍ، كقصة ابن قدامة، فإنَّهُ إمَّا أن يرجع عن ذلك، وإمَّا أن يُقتل. فكيف بمن لا يوازي تأويلهُ تأويلَ ابنِ قدامة في الخمر، فكيف بمن لا تأويل لهُ، بل هو من المفترين.
ومن نقض أصلَ الدِّين الَّذي لا يُعذرُ أحدٌ فيه بتأويل، وزعم أنَّ عندهُ أدلَّة من الكتاب والسُنَّة، فهو أبعدُ ممّن استباح المحرَّمات الظاهرة، وزعم أنَّ عنده أدلَّة من الكتاب والسُنَّة. بل مثل هذا يُعدُّ من الملحدين، كشأن الملحدين الّذين يُريدُون هدمَ الإسلامِ بإسم الإسلام.
فقد ظهر من يزعُم أنَّ اليهُود والنَّصارى، لا يُدعون إلى الإسلام لأنَّهم على دين صحيح أقرَّهُ الإسلامُ عليه، في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.
واحتجَّ بعضُ مانعي الزكاة بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ على أنَّ أخذ الزكاة خاصٌّ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
واحتجَّ منكرُوا السنَّة بقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ .. إلى آخره. والمُجادلُ عن أهلِ الشّرك من الملحدين.
قال الإمام محمّد بن عبد الوهاب، في رسالة أرسلها إلى أهل العيينة: "والمراد من هذا أنّ بعض الملحدين نسب إلي الشّيخ أنّ هذا شرك أصغر وشبهته أنّه ذكره في الفصل الثاني الذي ذكر في أوله الأصغر. وأنت – رحمك الله – تجد الكلام من أوله إلي آخره. في الفصل الأول والثاني صريحاً لا يحتمل التأويل من وجوه كثيرة أنّ دعاء الموتى والنذر لهم ليشفعوا له عند الله هو الشرك الأكبر الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم، فكفر من لم يتب عنه وقاتله وعاداه ... وآخر ما صرح به قوله آنفاً (ما نجا من هذا الشرك الأكبر إلاّ من جرّد توحيده لله وعادى المشركين.)"
وقال بعد أن ذكر الأدلّة الكثيرة الدّالّة على تكفير وقتل المنتسب إلى الإسلام إذا وقع في الكفر.
قال: "ولم أجد من الأوّلين والآخرين أنّ أحداً أنكر شيئاً من ذلك أو استشكله لأجل ادّعائهم الملّة أو لأجل قول: "لا إله إلّا الله"، أو لأجل إظهار شيءٍ من أركان الإسلام - إلّا ما سمعنا من هؤلاء في هذه الأزمان من إقرارهم أنّ هذا هو الشّرك ولكن من فعله أو حسّنه أو كان من أهله أو ذمّ التوحيد أو حارب أهله لأجله أو أبغضهم لأجله - إنّه لا يكفّر لأنّه يقول: "لا إله إلّا الله" أو لأنّه يؤدّي أركان الإسلام الخمسة ويستدلّون بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، سمّاها الإسلام!!. هذا لم يسمع قط إلاّ من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظّالمين فإن ظفروا بحرف واحد من أهل العلم أو أحد منهم يستدلّون به على قولهم الأحمق فليذكروه." (سيرة الإمام).

(الخطأ السادس) في تكفير المشرك المنتسب

(الخطأ السادس) في تكفير المشرك المنتسب:
جاء في الجواب:
(ومن ذلك تكفير المنتسب، فإذا لم يكُن تكفيره من أصل الدِّين بناء على تعريفكم فكيف لا يُعذرُ المُخطئ في عدم التكفير؟)
والجوابُ: إنَّ هذا الخطأ كسابقه، سببُهُ فُقدان التصوُّر الصّحيح عن الإيمانِ، الَّذي قلنا أنَّهُ أصلُ الدّين. فقد ظنَّ صاحبُ الجواب، أنَّ قصْدَنا من قولنا: "أصلُ الدِّين هو: الإيمانُ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"، أنَّ التلفظ والإقرار بهذه الأصُول يكفِي، وأنَّ من أقرَّ بها فقد نجا في الدُنيا والآخرة. ولذلك استغربَ أنْ يُقالَ: "تكفيرُ المُشركِ من أصلِ الدِّين". ولابُدَّ إذاً من بيانٍ يُوضِّحُ ذلك.
(أولا) إذا علمتَ أنَّ "توحيد العبادة" مطلوبٌ من أهلِ الشركِ، فاعلم أنَّ الله هو الَّذي فصَّل حدُود هذا "التّوحيد"، وشُرُوطه ولوازمهُ، وأنَّ ما أدخلهُ اللهُ في "التَّوحيد"، وجعلهُ تفسيراً لهُ، فهو من التَّوحيد المطلوب، وما كان من التَّوحيد فهو من الإيمان، ومن "أصل الدِّين". وإنَّما تُرك ذكرهُ في التعريف للعلم بأنَّهُ جُزءٌ من المذكُور فيه.
وإليك الأمثلة:
1) من ادَّعى الإيمان بالتَّوحيد، ونطق بالشّهادتين، وأنكر المعنى المقصُود من شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأجاز عبادة الأصنام، يُقالُ إنَّهُ كافرٌ ولا شهادة له. ومع ذلك يجُوزُ القولُ -عند التّعريف- بأنَّ الإسلامَ هو "شهادة أن لا إله إلّا اللهُ وأنَّ محمدا رسُولُ الله"، بدون ذكر تركِ عبادة الأصنام، لدخُول ذلك في معنى التَّوحيد.
وعلى ذلك من قال: "تركُ عبادة الأصنام من أصل الدّين"، لا يُقالُ لهُ: "أخطأتَ لأنَّك لم تذكرْ ذلك في التّعريف".
2) من ادَّعى الإيمان بالتَّوحيد، ونطق بالشّهادتين، ولكنَّهُ عادى النَّبي وحاربهُ، وأراد قتلهُ، يُقالُ إنَّهُ كافرٌ ولا شهادة له. ومع ذلك يجُوزُ القولُ -عند التّعريف- بأنَّ الإسلامَ هو "شهادة أن لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدا رسُولُ الله"، بدون ذكر تركِ عداوة النَّبي، لكون موالاة النَّبي والمؤمنين من لوازم الإيمان، وتُوجدُ ما وُجد الإيمان، فصارت المعاداةُ دليلا على انتفاء الإيمان والتّوحيد. وعلى ذلك من قال: "محبَّة النبيّ وتركُ عداوته من أصل الدّين"، لا يُقالُ لهُ: "أخطأتَ لأنَّك لم تذكرْ ذلك في التّعريف".
3) وكذلك من ادَّعى الإيمان بالتَّوحيد، ونطق بالشّهادتين، ولكنَّهُ توقف عن البراءة من أهلِ الشّرك وتكفيرهم، وقال: "أنا مسلمٌ، وهولاء مسلمُون مثلي وهم على ديني"، يُقالُ إنَّهُ كافرٌ ولا شهادة له. ومع ذلك يجُوزُ القولُ -عند التّعريف- بأنَّ الإسلامَ هو "شهادة أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدا رسُولُ الله"، بدون ذكر تكفير أهل الشّرك والبراءة منهم، لكون ذلك من التَّوحيد المطلوب. وعلى ذلك من قال: "تكفيرُ المُشركين من أصل الدِّين"، لا يُقالُ لهُ: "أخطأتَ لأنَّك لم تذكرْ ذلك في التعريف".
(ثانياً) إنَّ أوّل ما يُطلبُ من أهلِ الشّرك، هو أنْ يتُوبُوا من الشّركِ، ويُخلصُوا العبادة لله. فإن أقرُّوا بالتَّوحيد بألسنتهم، وأبوا أنْ يترُكُوا الشّرك بالله، فليسُوا بمُؤمنين، ولا مسلمين.
وإن أقرُّوا بالتَّوحيد بألسنتهم، وتركُوا الشّرك بالله، وأنكرُوا رسالة الرّسُول، أو الكتاب، أو الملائكة، أو اليوم الآخر، فليسُوا بمُؤمنين، ولا مسلمين. وإنْ أقرُّوا بكلِّ ذلك، وأبَوا البراءة من أهل الشرك، واعتقاد كفرهم فليسُوا بمُؤمنين، ولا مسلمين، لأنَّ الله تعالى جعل البراءة من أهل الشّرك، وتكفيرهم تفسيراً للتَّوحيد المطلوب.
فمن لم يُكفِّر المُشركين لم يتبرَّأ منهم، ومن لم يتبرَّأ منهم، لم يكُنْ مُوحّداً، ومن لم يكُنْ مُوحّداً، لم يكُن مُؤمنا بالله. وأصلُ ذلك قوله تعالى:﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة:4).
قال الإمامُ الطبري في التفسير:وقوله: ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ يقول: حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله، وعبدوا الطّاغوت: أيّها القوم إنا برآء منكم، ومن الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأنداد.
وقوله: ﴿كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ العَدَوَاةُ والبَغْضَاءُ أبَدا حتى تُؤمِنُوا باللهِ وَحْدَهُ﴾ يقول جلّ ثناؤه مخبرا عن قيل أنبيائه لقومهم الكفرة: كفرنا بكم، أنكرنا ما كنتم عليه من الكفر بالله وجحدنا عبادتكم ما تعبدون من دون الله أن تكون حقا. وظهر بيننا وبينكم العدواة والبغضاء أبدا على كفركم بالله، وعبادتكم ما سواه، ولا صلح بيننا ولا هوادة، حتّى تؤمنوا بالله وحده، يقول: حتّى تصدّقوا بالله وحده، فتوحّدوه، وتفردوه بالعبادة. ـ اهـ
وقال الإمامُ ابنُ كثير في تفسيره:يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىۤ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: وأتباعه الذين آمنوا معه.
﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰۤؤُا مِنكُمْ﴾ أي تبرّأنا منكم.
﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: بدينكم وطريقكم.
﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا﴾ يعني وقد شرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم، مادمتم على كفركم فنحن أبداً نتبرأ منكم ونبغضكم.
﴿حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ أي: إلى أن توحّدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له وتخلعوا ما تعبدون معه من الأوثان والأنداد. ـ اهـ ـ

(الخطأ العاشر) في الإعذار بالجهل

(الخطأ العاشر) في الإعذار بالجهل
جاء في الجواب:
(وظنّ أنّ الجهل قد جعله الله عذرا ومانعا من التكفير، كما جعلتم الإكراه وانتفاء القصد عذرا، لاختلاط الأدلة عنده وتضاربها).
والجوابُ:من المعلوم الذي لا يخفى على طالب الحقِّ، أنَّ بين الإعذار بالإكراه وانتفاء القصد، وبين الإعذار بالجهل فرقٌ ظاهرٌ. ومن سوَّى بينهما، وجعل الكلَّ أعذاراً تنفي عن المرء أن يُوصف بكُفرٍ وقع فيه، فإنَّما يُسوِّيْ بين ما بيَّنهُ اللهُ أنَّهُ عُذرٌ، وبين ما بيَّنهُ أنَّهُ ليس بعُذرٍ.
فقد بيَّن اللهُ أنَّ الإكراه عُذرٌ مانعٌ للوصف بالكُفر في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (النحل: 106-107)
قال إلإمام الطّبري: "فتأويل الكلام إذن: من كفر باللّه من بعد إيمانه، إلا من أكره على الكفر فنطق بكلمة الكفر بلسانه، وقلبه مطمئنّ بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح عليه عزمه، غير مفسوح الصّدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرا فاختاره وآثره على الإيمان وباح به طائعا، فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم."
وقال: عن عليّ عن ابن عباس قوله:﴿إلاَّ مَنْ أكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بالإيمَانِ﴾
فأخبر الله سبحانه أنه من كفر من بعد إيمانه، فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم. فأمّا من أكره فتكلّم به لسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه، فلا حرج عليه، لأن الله سبحانه إنما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم. (جامع البيان\النحل)
وبيَّن اللهُ أنَّهُ لا يُؤاخذ الإنسان بالخطأ وسبق اللّسان، في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (الأحزاب:5)
أمّا الجهلُ فإنَّهُ ليس عُذراً لفاعل الشركِ، وهذا يظهرُ لك من وجهين:
(الأوّل) إنَّ المُشرك الجاهلَ ليس من أهلِ الآية الأولى، لأنَّهُ يفعلُ الشركَ مُختاراً، وليس بمُكرَه. وليس هو من أهلِ الآية الثّانية، لأنَّهُ يفعلُ الشّركَ على عمدٍ.
(الثاني) أنَّ الله صرح بأنَّ الجهل كان صفةَ أهل الشركِ، فدلَّ ذلك أنَّ أهلَ الجهل من المشركين، كانُوا أكثرَ من أهلِ العلم والعناد. وإليك أدلّة القرآن:
1) ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأعراف:30)
قال الإمام الطّبري، في قوله تعالى:﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأعراف:30)
"وهذا من أبين الدّلالة على خطأ من زعم أنّ الله لا يعذّب أحداً على معصية ركبها أو ضلالة إعتقدها إلّا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عناداً منه لربّه فيها، لأنّه لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضّلالة الّذي ضلّ وهو يحسب أنّه مهتد وفريق الهدى فرقٌ، وقد فرّق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية" [جامع البيان].

2) ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (الكهف:104) يقول: هم الَّذين لم يكن عملهم الَّذى عملوه فى حياتهم الدّنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلالة، وذلك أنَّهم عملوا بغير ما أمرهم الله به، بل على كفرمنهم به ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾
يقول: وهم يظنُّون أنَّهم بفعلهم ذلك لله مطيعون، وفيما ندب عباده إليه مجتهدون، وهذا من أدلّ الدّلائل على خطأ قول من زعم أنَّه لايكفر بالله أحدٌ إلامن حيث يقصد إلى الكفربعد العلم بوحدانيته، وذلك أنَّ الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الَّذين وصف صفتهم فى هذه الآية، أنَّ سعيهم الَّذى سعوا فى الدّنيا ذهب ضلالا، وقد كانوا يحسبون أنَّهم محسنون فى صنعهم ذلك، و أخبرعنهم أنَّهم هم الَّذين كفروا بآيات ربِّهم، ولوكان القول كما قال الَّذين زعموا أنَّه لايكفر بالله أحدٌ إلا من حيث يعلم، لوجب أن يكون هؤلاء القوم فى عملهم الَّذى أخبر الله عنهم أنَّهم كانوا يحسبون فيه أنَّهم يحسنون صنعه، كانوا مثابين مأجورين عليها، ولكنَّ القول بخلاف ما قالوا، فأخبر جلَّ ثناؤه عنهم أنَّهم بالله كفرة، وأنَّ أعمالهم حابطة"
3) ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (التّوبة:6)
قال الطبري: ﴿ذلكَ بأنَّهُمْ قَوُمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾"يقول: تفعل ذلك بهم من إعطائك إيّاهم الأمان، ليسمعوا القرآن، وردّك إيّاهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم، من أجل أنهم قوم جهلة لا يفقهون عن الله حجّة ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو آمنوا وما عليهم من الوزر والإثم بتركهم الإيمان بالله".
4) ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (الْبَيِّنَةُ :1). فسمّاهم مشركين قبل مجيء الرسُول.
5) ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف: 172-173)

(الخطأ العشرُون) في التسوية بين المسائل المتباينة

(الخطأ العشرُون) في التّسوية بين المسائل المتباينة:
جاء في الجواب: (وقد يحكم بإسلام المشرك المنتسب، لقيام مانع من التكفير، مثل الجهل عند من لم يُكفِّرهُ. ونظير المسألة:
1) أن من ظنّ بشخص أنّه يهُودي أو نصراني، فقال له: يا كافر، فإنهُ لا يلزمُ كفر واحد منهما.
2) وكذلك من ظنّ بشخص أنّه مسلمٌ فقال لهُ: يا مسلم، وهو يهُودي أو نصراني فإنّه لا يلزمُ كفرهُ بالإجماع، والمانع من تكفيره الظنّ.)
والجوابُ: ليست هذه المسألة نظير هذه، والفرقُ الّذي بينهما كالفرق الَّذي بين الافتراء على الله، وبين التّصديق والإيمان بقوله عزَّ وجلَّ.
إنَّ القرآنُ قد عدَّ الّذين قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾ بدون حجَّة من الله، والّذين قالوا عن ما فعلوهُ من المعاصي: "واللهُ أمرنا بها"، بدون حجَّة من الله، والَّذين قالوا: ﴿هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ بدون حجَّة من الله،...وغيرهم، قد عدَّهم القرآنُ في المفترين على الله الكذب. ومثلهُم من يقُولُ: "إنَّ المُشرك الجاهلَ قد أعذرهُ الله، وأنَّهُ مُسلمٌ مع شركه الأكبر!!"، بدون حجَّة من الله.
أمَّا من ظنّ بشخص أنّه يهُوديّ أو نصراني، فقال له: يا كافر، فإنهُ لا يلزمُ منهُ كفر واحد منهما. وكذلك من ظنّ بشخص أنّه مسلمٌ فقال لهُ: يا مسلم، وهو يهُودي أو نصراني فإنّه لا يكفر بالإجماع، والمانع من تكفيره الخطأ وعدم القصد. وهو من الخطأ المرفوع بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (الأحزاب:5).
وهذا جمعٌ وتخليطٌ بين المتباينات من المسائل، والتسويةُ ما ليس بمتساو. والأمانة العلمية تأبى عرض مثل ذلك على النَّاس.

الجواب عن الجواب لأبي عبد الرحمن الصومالي

(د) الجواب عن الجواب من أبي عبد الرحمن الصومالي
ألحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلّى اللهُ على مُحمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم. أمَّا بعدُ: فقد اطّلعتُ على الجواب، وهي على قسمين: القسم الأوّل منها هي جملة قواعد، ولم أر منها ما يحتاج إلى تصحيح. والقسم الثّاني قد جمعَ فيها الكاتبُ مفاهيمه وآراءه الدّينيّة، في المواضيع التي كان الحوار حولها، وقد بان لي منها أخطاءٌ علميّة كثيرة، لابُدَّ من التعقيب عليها، وبيان وجه الصّواب فيها، والله المستعان.

الرسالة الأولى لحسان بن حسين

(أ) الرّسالةُ الأولى من حسان بن حسين
هذه هي الأصُول الَّتي أرى أنَّ الخلاف يدُورُ حولها، ولذلك أرجُو بيان رأيكم فيها، بتفصيل مناسب، مع الأدلّة الممكنة.
(الأول) ما هو أصلُ الدِّين الَّذي لا يُعذرُ فيه أحدٌ بالجهل ونحوه؟
(الثاني) تكفير المشرك المُنتسب إلى الإسلام هل هُو من أصل الدِّين الَّذي لا عُذر لأحد فيه، ومن ثمَّ من نقضهُ فهو كافرٌ عندكم؟. وما هي العلّة في ذلك؟
(الثالث) ما الفرقُ بين الحُكمِ بالكُفرِ على المُسلمِ بغير حقٍّ، وبين الحُكم بالإسلامِ للكافر بغير حقٍّ؟
(الرابع) تكفيرُ الأعيان والطوائف والقبائل، هل هُو من باب الاجتهاد الَّذي تختلفُ فيه الأنظارُ أم لا؟

الرسالة الثانية لحسان بن حسين

(جـ) الرّسالة الثّانية من حسان بن حسين
الحمد لله وبه نستعين على أمور الدين والدنيا والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فقد اطلعت على الجواب المتعلق بالأصول الأربعة وأظنّ أني وقفت على رأيكم فيها ولي على الجواب ملحوظات ألخصها على النحو الآتي:
الأولى: لا نزاع في تكفير بعض المنتسيبن إلى الإسلام.
اتفق الناس على أن بعض الطوائف المنتسبة ليسو بمسلمين بالإجماع، يقول الإمام ابن حزم رحمه الله: «وقد تسمى بالإسلام من أجمع جميع فرق الإسلام على أنه ليس مسلما مثل طوائف من الخوارج غلوا فقالوا:
إن الصلاة ركعة بالغداة وركعة بالعشي فقط.
وقالوا: إن سورة يوسف ليست من القرآن.
وطوائف كانو من المعتزلة ثم غلوا فقالوا بتناسخ الأرواح.
وآخرون قالوا: إن النبوة تكتسب بالعمل الصالح.
وآخرون قالوا: قد يكون في الصالحين من هو أفضل من الأنبياء.
وأن من عرف الله حق معرفته فقد سقطت عنهم الأعمال والشرائع.
وقال بعضهم: بحلول الباري تعالى في أجسام خلقه كالحلاج وغيره ». الفصل في الملل والنحل: ٢/١١٤
وقال سعد الدين التفتازاني مسعود بن عمر(٧٩٣هـ) رحمه الله: «لا نزاع في كفر أهل القبلة المواظب طول العمر على الطاعات باعتقاد قدم العالم ونفي الحشر ونفي العلم بالجزئيات ونحو ذلك.وكذا بصدور شيء من موجبات الكفر عنه ». شرح المقاصد:٣/٤٦١).
وقال السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني(٨١٦هـ) رحمه الله:
«إذا فتشنا عقائد فرق الإسلاميين وجدنا فيها ما يوجب الكفر قطعا كالعقائد الراجعة إلى وجود إله غير الله سبحانه وتعالى أو إلى حلوله في بعض أشخاص الناس أو إلى إنكار نبوة محمد عليه السلام أو إلى ذمه واستخفافه أو إلى استباحة المحرمات وإسقاط الواجبات الشرعية ». شرح المواقف:٨/٣٧٥)
وما اشتهر من أن عقيدة أهل السنة عدم تكفير أهل القبلة بالذنوب فإنما يعني المعاصي ردا على الوعيدية في تكفيرهم أهل الكبائر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ونحن إذا قلنا : أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور ».مجموع الفتاوى:٧/٣٠٢).
والتحقيق أن أهل القبلة هم الذين لا يقعون في مكفِّر مثل إنكار ضروريات الدين والمسائل القطعية أو الإشراك بالله سبحانه لا من يتوجه إلى القبلة، كما قال تعالى:(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر) الآية.
فمن أنكر ضروريات الدين أو أشرك بالله الشرك الأكبر لم يبق من أهل القبلة ولهذا قال جماعة من أئمة السلف كعبد الله بن المبارك ويوسف بن أسباط: الجهمية والرافضة ليسوا من فرق المسلمين ومن أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فالمقصود بأهل القبلة هم المسلمون الباقون على حظيرة الإسلام وليس عبارة عن المصلين إلى القبلة بل هي عبارة عن المؤمنين بالله.
وقال بعض الفقهاء: أهل القبلة من يصدّق بضروريات الدين أي الأمور التي علم ثبوتها في الشرع واشتهر فمن أنكر شيئا من الضروريات كحدوث العالم وحشر الأجساد وعلم الله بالجزئيات وفرضية الصلاة والزكاة والصوم والحج لم يكن من أهل القبلة ولو كان مجاهدا بالطاعات.وكذلك من باشر شيئا من أمارات التكذيب كالسجود للصنم والإهانة بأمر شرعي والإستهزاء عليه فليس من أهل القبلة.[شرح المقاصد لسعد الدين التفتازاني:٣/٤٦١) إكفار الملحدين في ضروريات الدين ص ١٥-١٨) وشرح المواقف للجرجاني:٨/٣٧٥]
والمقصود من عدم تكفير أهل القبلة عند أهل العلم: أن لا يكفّر بارتكاب المعاصي ما لم يستحلها ولا بالمسائل الإجتهادية، ويدخل في هذا عدم تكفير المجتهدين في المسائل الخلافية التي تعارضت فيها الأدلة.
وأصل المسألة مأخوذة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من أصل الإيمان:الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجالَ لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار».أخرجه أبو داود في السنن رقم (٢٥٣٢) من كتاب الجهاد.
وفي سننه يزيد بن أبي نشبة وهو مجهول وبه أعله المنذري وعبد الحق الإشبيلي والحافظ ابن حجر.وقال الإمام أحمد بن حنبل: «حديث موضوع لا أصل له. كيف بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: من ترك الصلاة ققد كفر». الجامع لأبي بكر الخلال:٢/٥٣٥). وأما ابن الجوزي فقد سرد أحاديث الباب ثم قال: «هذه الأحاديث كلها لا تصح»ثم فصل في ذلك العلل المتناهية:١/٤١٨–)
والحديث على ضعفه محمول على وجهين عند أهل العلم:
الأول: الكف عن أهل الكفر الأصلي إذا قالوا لا إله إلا الله وهذا مجمع عليه على تفصيل في ذلك عند الفقهاء.
الثاني: عدم التكفير بالمعاصي والكبائر وهو أولى من الأول فقد جاء حديث واثلة من الأسقع مرفوعا: «لا تكفّروا أهل ملتكم وإن عملوا بالكبائر وصلّوا على كل ميّت من أهل القبلة». وفي حديث أبي الدرداء مرفوعا: «لا تكفّروا أحدا من أهل قبلتي بذنب وإن عملوا الكبائر وصلوا خلف كل إمام وجاهدوا مع كل أمير» الحديث.
ولهذا قال العلامة محمد أنور الكشميري: «فجاء الجاهلون أو الملحدون فوضعوها في غير موضعها وأصل هذه الأحاديث في طاعة الأمير والنهي عن الخروج ما صلوا كما عند مسلم وغيره وهو مقيد عنده وعند آخرين بقوله: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان». إكفار الملحدين في ضروريات الدين (ص٢١) .
والخلاصة: أن هذه القاعدة في الذنوب والمعاصي غير الكفرية وفي المسائل الإجتهادية.

وضروريات الدين منحصرة في ثلاثة:
1. مدلول الكتاب بشرط أن يكون نصا صريحا لا يحتمل التأويل القريب كتحريم الأمهات والبنات وتحريم الخمر والميسر وصفات الله العلية كالعلم والقدرة والإرادة والكلام ونحو ذلك.
2 . مدلول السنة المتواترة لفظا أو معنى سواء كان من العلميات أو العمليات وسواء كان فرضا أو نقلا كالجمعة والآذان والعيدين ووجوب محبة أهل البيت ونحو ذلك.
3 . المجمع عليه إجماعا قطعيا كخلافة الصديق والفاروق وقتال مانعي الزكاة ونحو ذلك. وقد تعرف الضروريات بأنها المسائل التي يشترك في معرفتها العامة والخاصة.
وقبل الخوض في الكلام ينبغي ذكر الأصول التي أطلق منها في مسألة الكفر والتكفير لأنها مردّ الجزئيات وأعيان المسائل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «لا بد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم». منهاج السنة (٣/٢٥١)
الأصل الأول: نرى أن الكفر مدركه شرعي فالكفر ما جعله الله ورسوله كفرا، والكافر من كفّره الله ورسوله خلافا لأهل البدع والأهواء القائلين بأنه حكم عقلي فما دل عليه العقل أنه كفر يكفّر به، وما لا فلا.
الأصل الثاني: نرى أن الكفر يؤخذ من حيث تؤخذ الأحكام الشرعية الأخرى فيؤحذ من دليل الكتاب سواء كان قطعي الدلالة أو ظني الدلالة، ومن دليل السنة النبوية الثابتة سواء كان قطعية الثبوت والدلالة أو ظنية الثبوت والدلالة، أو قطعية الثبوت ظنية الدلالة أو العكس، والإجماع والقياس على المنصوص.
ولهذا انقسم الكفر إلى نوعين متفق عليه ومختلف فيه، فمن المتفق عليه: الشرك بالله وجحد المعلوم من الدين بالضرورة كجحد وجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج ونحو ذلك وإلقاء المصحف في القاذورات وجحد البعث والنبوات.
ومن المختلف فيه: ترك الصلاة والسحر والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك.
يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: «إن الكفر حكم شرعي كالرق والحرية مثلا إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص». (فيصل التفرقة بين الزندقة والإسلام: ص:٤٧، ٨٩-٩٠) و(بغية المرتاد لابن تيمية ص: ٣٤٥)
ولهذا قد يكون دليل الكفر والتكفير ظنيا كأخبار الآحاد وقد يكون قطعيا.
ولا نرى اشتراط القطع واليقين في دليل الكفر والتكفير خلافا لأهل البدع من الجهمية والمعتزلة والأشعرية وأكثرالمتكلمين ومن تأثر بهم وإن انتسب إلى السلف فهذان أصلان.
الأصل الثالث: أدلة وقوع الكفر وهي الأسباب الموجبة للكفر وحصول الشروط وانتفاء الموانع قد تكون ظنية وقد تكون قطعية، فقد تكون أقوال المرء وأفعاله دالة على المدلول على سبيل الظن أو القطع.
يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: «ولا ينبغي أن يظنّ أن التكفير ونفيَه ينبغي أن يدرك قطعا في كل مقام، بل التكفير حكم شرعي يرجع إلى إباحة المال وسفك الدم والحكم بالخلود في النار، فمأخذه كمآخذ سائر الأحكام الشرعية». (فيصل التفرقة، ص: ٨٩-٩٠).
وقال العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني رحمه الله: «..وقد جرى العلماء في الحكم بالردة على أمور، منها ما هو قطعي، ومنها ما هو ظني، ولذلك اختلفوا في بعضها ولا وجه لما يتوهمه بعضهم أنه لا يكفر إلا بأمر مجمع عليه.. وكذلك من تكلم بكلمة كفر وليست هناك قرينة ظاهرة تصرف تلك الكلمة عن المعنى الذي هو كفر إلى معنى ليس بكفر فإنه يكفر، ولا أثر للاحتمال الضعيف أنه أراد معنى آخر». (كتاب العبادة، ص٥٦٥).

الأصل الرابع: وكذلك أدلة الحجاج وسائل الإثبات التي يقضي بها القضاة والحكام قد تكون ظنية وهو الغالب مثل الشهادة والاعتراف.
قال العلامة المعلمي اليماني رحمه الله: «..إن مدار الحكم الظاهر على الأمر الظاهر، ولذلك في ثبوت الردة شاهدان فلو شهدا أن فلانا مات مرتدا وجب الحكم بذلك فلا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ويعامل معاملة المرتد في جميع الأحكام..». المصدر السابق (ص٥٦٥). قد تكون قطعية أيضا وهو قليل.
الأصل الخامس: الأصل فيمن وقع في الكفر من العاقلين الكفر لقيام السبب والأصل ترتيب الأحكام على أسبابها إلا لمانع. وإذا قام السبب فلا يخرج الحال من ثلاثة:
الأول: أن يظنّ المكفِّر وجودَ المانع؛ فلا يجوز له التكفير لأن أثر المانع يضادّ أثر السبب. وهذا لا نزاع فيه من حيث الجملة.
الثاني: أن يظن أو يعلم عدم المانع فيلزم التكفير لقيام السبب بدون معارض ولا خلاف فيه أيضا على الجملة.
الثالث: أ لاّ يظنّ عدم المانع أو وجوده مع احتمال العدم والوجود فنرى في هذه الصورة: جواز العمل بالمقتضى لعدم المعارض وعدم وجوب البحث عن المانع.
ومع ذلك لا يخفى علينا أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى ما يفتقر إلى حكم حاكم وإلى ما يكتفى فيها بالسبب وأن أسباب الافتقار ثلاثة كما هو معلوم عند اهل العلم.
الأصل السادس: أما المكفِّر فهو كل من له علم بما يكفّر به، ومنهم العامي في المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، وفي المسائل التي استوعبها إذ لا مانع من ذلك شرعا، والشرط العلم والعرفان.

الأصل السابع: أما المكفَّر فيصح ارتداد العاقل المختار وإن لم يكن بالغا وهو مذهب جمهور أهل العلم.
يقول ابن تيمية رحمه الله: «كفر الصبي المميِّز صحيح عند أكثر العلماء، فإذا ارتد الصبي المميز صار مرتدا، وإن كان أبواه مؤمنين ويؤدب على ذلك باتفاق العلماء أعظم مما يؤدب على ترك الصلاة لكن لا يقتل في شريعتنا حتى يبلغ». (درء التعارض، ٥/٣٦٣).

وقال ابن القيم رحمه الله: « كفر الصبي المميِّز معتبر عند أكثر العلماء فإذا ارتد عندهم صار مرتدا له أحكام المرتدين وإن كان لا يقتل حتى يبلغ فيثبت عليه كفره، واتفقوا على أنه يضرب ويؤدب على كفره أعظم مما يؤدب على ترك الصلاة». (أحكام أهل الذمة: ٢/١٠٤٤).
فالصبي المميز تجري عليه أحكام المرتدين من انفساخ النكاح والمنع من الميراث وعدم الدفن في مقابر المسلمين.. إلا أنه لا يقتل عند الأكثر فأجّلوا العقوبة إلى حين البلوغ تبعيضا للأحكام لاختلاف المدارك عندهم.
ورأت طائفة جريان أحكام البالغين عليه في الإسلام والردة والحدود والكلام في الأحكام الدنيوية. قال الفقيه عثمان بن مسلم البتي (١٤٣هـ) رحمه الله:
«إرتداده ارتداد وعليه ما على المرتد ويقام عليه الحدود وإسلامه إسلام».
وقال الإمام ابن مفلح رحمه الله: «وفي الروضة: تصح ردة ممّز فيستتاب، فإن تاب، وإلا قتل وتجري عليه أحكام البلّغ ».
الأصل الخامس: ونعتبر عند التكفير ما يعتبره أهل العلم من الشروط والموانع كالعقل والاختيار وقصد الفعل، والتمكن من العلم، وفي الموانع: الجنون والإكراه والخطأ والجهل في موضعه. بعد هذه الخطوط العريضة في أصل المسألة انتقل إلى الملحوظات العليمة.

الثانية: أصل الدِّين الذي لا يعذر فيه أحد بحهل أو تأويل
الدين: هو ما يدخل به المرأ في الإسلام (الشهادتان) وما يدخل في معنى الشهادتين، وما لا يدخل في معنى الشهادتين لا يدخل في أصل الدين الذي لا عذر فيه لأحد إلا بإكراه أو انتفاء قصد، فمن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله مع الشروط اللازمة نحكم له بالإسلام ثم نعرض عليه الواجبات اللازمة كما جرت عليه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
والمقصود: الفرق بين ما يحصّل الإيمان وبين ما يبطل الإيمان وكان عليه السلام يعرض عليهم عند الدخول في الإسلام ما يحصل به أصل الإيمان دون ما يبطله ألا ترى أنه لا يبين لهم ما يوجب الردة ويبطل الإيمان مثل إلقاء المصحف في القاذورات وتبديل معاني الآيات ونحو ذلك مما يوجب الردة ولم يبين لمن كان يأتيه يسلم شيئا من ذلك لإن المقصود حاصل بمعرفة الأركان دون المفسدات ونظيره من الفقه أنه يشترط في إمام الصلاة معرفة أركانها وشروطها دون مفسداتها وموانعها وهذا المعنى مقرر في كتب الأصول عند بيان ما يدخل في ماهية الإسلام.
وأما أنتم فقد ذكرتم أن أصل الدين الذي لا يعذر أحد فيه بجهل أو تأويل هو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما في (ص٤-٥).
ومفهوم النص: أن ما سوى الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر يعذر فيها الجاهل أو المتأوّل، ويتوجه عليه اعتراضات:
الأول: هذا حكم بأن ما سواها ليس من أصل الدين فيصحّ إسلام المرء بدونها وإن كانت من الإيمان الواجب ومن ذلك تكفير المنتسب فإذا لم يكن تكفيره من أصل الدين بناء على تعريفكم فكيف لا يعذر المخطئ في عدم التكفير؟
الثاني: إذا أسلم الحربي في دار الكفر فشهد لله بالتوحيد ونبيّ الله بالرسالة ودين الحق ولم يعرف الملائكة يقتضي أصلكم أن لا يعذر بالحهل ولا يحكم له بالإسلام !
الثالث: إذا لم يعرف حديث العهد بالإسلام المعاد الأخروي فهل يعذر بالجهل؟ مع أن أصلكم يقتضي أن لا يصح له إسلام حتى يعرف المعاد الأخروي.

الثالثة: تكفير المشرك المنتسب للإسلام.
ذكرتم أن تكفير المشرك المنتسب وهو المظهر للإسلام واتباع الرسول مع تلبسه بالكفر الأكبر من أصل الدين الذي لا يعذر فيه أحد فمن لم يكفّره فهو كافر، وهذا نص قولكم:
«إن تكفير المشرك سواء انتسب إلى الإسلام أو لم ينتسب إليه هو من أصل الدين الذي لا عذر لأحد فيه لأن من لم يعرف الكفر لم يعرف الإيمان، فإن الذي وحّد الله وترك الشرك إذا اعتقد أن العابد لغير الله مسلم موحّد لم يعرف التوحيد وان ادعاه». ونص العبارة يفيد أن تكفير المظهر للإسلام المدعي لاتباع الرسول المتلبس بالشرك من أصل الدين الذي لا عذر لأحد فيه فمن نقضه فهو كافر ناقض لأصل الدين.
وجعلتم علة التكفير أنه لا يعرف معنى التوحيد ولا معنى الكفر وإن ادعاه !
وهذا التحرير يناقض التقرير الأول؛ حيث ذكرتم أنّ أصل الدّين الذي لا عذر لأحد فيه هو: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم تدرجوا تكفير المنتسب فيه ثم ذكرتم لاحقا أنه من أصل الدين الذي لا عذر لأحد فيه وهذا يتطلب منكم التوفيق والجمع هذا أولا.
وثانيا: عامة علماء المسلمين على أن النافي للشيء عليه الدليل على ما ينفيه كما أن المثبت للشيء عليه الدليل على ثبوته ولا ينبغي أن يشتبه النافي بالمانع المطالب، والمقصود: أنكم نفيتم معرفة التوحيد ومعرفة الكفر عن من لم يكفر المشرك المنتسب فأنتم مطالبون بالدليل المثبت للنفي في المسألتين.
وثالثا: أشدّ النّزاع ليس في تكفير العابدين لغير الله والمشركين به وإنما في تكفير الذي لم يكفّرهم لقيام مانع أو انتفاء شرط عنده مع تقريره أن هذا الفعل شرك أكبر، ومن يفعله فهو كافر.. ولكن تكفير الأعيان والطوائف يحتاج إلى شروط وموانع.
وإلى الآن لم تقيموا دليلا على أن تكفير المنتسب من أصل الدين الذي لا عذر فيه لأحد بجهل أو تأويل وأن من خالفكم فيه فهو كافر ناقض لأصل الدين ولا أظن أنكم تقدرون إقامة الدليل على هذا.
وأما ما ذكرتم من أنه لا يعرف الكفر ولا يعرف التوحيد فدعوى عارية عن الدليل وأنتم مطالبون قبل كل شيء بتصحيح الدعوى لأن هذا يقرّ: أن ما تفعله القبورية وأمثالهم كفر وشرك وفاعله من غير عذر مشرك كافر بالله العظيم، ولا يقول: إن المشرك موحّد ولكن يقول: إن هذا مع تلبّسه بالشرك يعذر بالجهل، ولا يكفّر ولا يعامل معاملة الكافرين. وظنّ أن الجهل قد جعله الله عذراً ومانعاً من التكفير، كما جعلتم الإكراه وانتفاء القصد عذراً، لاختلاط الأدلة عنده وتضاربها، أو لعلّه يقيس الشرك على الكفر الأكبر. هذا هو محور المسألة وقطب رحاها..
= فهل هذا الرجل يكفّر المشركين؟.. الجواب: نعم.
= وهل امتناعه عن التكفير هو في عموم من يفعل الشرك، أم في بعض الأعيان؟.. الجواب: في بعض الأعيان.
= وهل علّة امتناعه عن التكفير هو اعتقاده أن من عبد غير الله مسلم ؟
الجواب: لا، إنما لأنه يظنّ أن الله تعالى يعذر مثل هذا بالجهل ، كما يعذره بالإكراه أو انتفاء القصد.
فهو لا يرى الشرك إسلاماً.. ولا يرى المشرك مسلماً.. إنما يرى أن حُكم الشرك يُرفع عن من وقع فيه إن كان جاهلاً ، كما يُرفع عن المُكره والمخطئ.
فهذا الرجل يقول: أنا أعلم أن هذا الفعل شرك أكبر، وأن عابد غير الله كافر مشرك، ولكن عندي دليل من القرآن والسنة أنّ الله لا يؤاخذ الجاهل، فأنا أتّبع هذا الدليل كما أمر الله، ولا أكفّره حتى تقوم عليه الحجة الشرعية .
– هل تصور هذا الرجل صحيح؟ .. أم أنّ لديه قصورا في التصور؟.. الجواب: لديه قصور، ولا يمكن تكفيره حتى يُبيّن له وجه خطئه، كأي صاحب خطأ أو بدعة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كل مخطئ ولا مبتدع، ولا جاهل ولا ضال، يكون كافرًا، بل ولا فاسقاً، بل ولا عاصيا، لا سيما في مثل مسألة القرآن، وقد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف، المعروفين عند الناس بالعلم والدين وغالبهم يقصد وجها من الحق فيتبعه، ويعزب عن وجه آخر لا يحققه، فيبقى عارفاً ببعض الحق جاهلا ببعضه، بل منكرًا له» مجموع الفتاوى:١٢/١٨٠-).
وهذا الرجل الذي قصد وجها من الحق فاتبعه، وغاب عنه الوجه الباطل للمسألة، فحكم على الشيء بما عرف من الحق ، فأخطأ الحكم ، وأخطأ الاسم المترتب على هذا الحكم. فكيف يكفر مثل هذا وخلافنا معه في تنزيل الحكم الشرعي لا أكثر؟
ونزاعكم مع أكثر المخالفين والرادين عليكم مثل التيارات السلفية الجهادية وغيرهم في مسألة الاسم المرتّب على الوصف أعني تنزيل الحكم على الأعيان لا في توصيف الفعل والحكم عليه بالكفر والشرك، والمسألة تحتاج منكم إلى تحرير ونظر ثافب وورع شديد فإنكم على غير يقين مع أنكم كفّرتم من أجلها جميع المخالفين لكم في تنزيل الحكم على المعين.
هذا وقد اشتهر اختلاف السلف الصالح من التابعين في تكفير الحجاج بن يوسف وقد كان كافرا بالله مؤمنا بالطاغوت ولم يكفّر بعضهم بعضا في عدم تكفير الحجاج.
1-ن الحجاج يرى أن الخليفة مثل عبد الملك بن مروان أكرم من رسول الله عليه الصلاة والسلام على الله.
2-ان يرى أن طاعة الأمراء واجبة في كل شيء بلااستثناء ومن خالف فهو حلال الدم والمال.
3-كان يقول: لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلّت لي دماؤهم وأموالهم.
4-كان يقول: لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالا.
5-ان يقول أن القرآن في قراءة عبد الله بن مسعود ما هو إلا رجز من رجز الأعراب ما أنزل الله عز وجل على نبيّه صلى الله عليه وسلم.وأنه لو أدرك عبد الله بن مسعود لاستباح دمه.
ولهذا لما اختلف الناس في أمره سألوا الإمام مجاهدا عنه فقال: «تسألوني عن الشيخ الكافر»؟ وقال الإمام الشعبي لعمر بن قيس الماصر: «يا عمر شمّرت ثيابك وحلّلت إزارك وقلتَ: إن الحجاج مؤمن ضال فكيف يجتمع في رجل إيمان وضلال؟ الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت كافر بالله العظيم».
وفي رواية: «أشهد أنه مؤمن بالطاغوت كافر بالله يعني الحجاج». [سنن أبي داود رقم: ٤٦٤١-٤٦٤٥]. [الإيمان لابن أبي شيبة ٩٧]
و[حديث الزهري أبي الفضل ٢٧٣-٢٧٦] و[تاريخ ابن عساكر٤/٢٤٩-٢٥٠] و[٤/٢٣٥-٢٣٦].

الرابعة: تكفير المسلم خطأ مثل الحكم بإسلام الكافر خطأ.
قد يكفّر المسلم بعض المؤمنين بالله على الحقيقة لقيام سبب التكفير عنده كتكفير بعض الصحابة لمالك بن الدخشم، وتكفير عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة، وتكفير معاذ بن جبل للأنصاري ونحو ذلك.
وقد يفسّقه أو ينفّقه مع أن المكفَّر ليس بكافر في نفس الأمر، وقد أجمع المسلمون أن من كفّر بعض المسلمين لتأويل يحتمل أنه ليس بكافر.
وقد يختلفون في التكفير مثل قول بعضهم: يجب إكفار القدرية والجاحظ ومعمر والكعبي والأصم وجماعة من الروافض كهشام بن الحكم وإكفار شيطان الطاق والكيسانية، وقال: ويجب إكفار الروافض في قولهم برجعة الأموات إلى الدنيا، وبتناسخ الأرواح وانتقال روح الإله إلى الأئمة، وأن الأئمة آلهة، وبقولهم إن جبريل غلط في الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم دون علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبقولهم في خروج إمام باطن، وبتعطيلهم الأمر والنهي إلى أن يخرج الإمام الباطن، وهؤلاء القوم خارجون عن ملة الإسلام وأحكامهم أحكام المرتدين.
وقال: ويجب إكفار الخوارج في إكفارهم جميع الأمة سواهم، وفي إكفارهم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم.
ويجب إكفار من قال منهم بجواز نكاح بنات البنين وبنات البنات وبنات الإخوة والأخوات.
قال: ويجب إكفار الجهمية بل نقل بعضهم الإجماع، وإكفار النجارية والكرامية المجسمة، وإكفار المجبرة الذين لم يروا للعبد فعلا أصلا لأنه إنكار لنص القرآن في إثبات أفعال العباد إلخ.
واختلف الناس في تكفير تارك الصلاة والساحر والمفتري على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكفير الصبي المميّز والسكران وتكفير الجاهل بمعنى الكلمة مثل سب الله، وفي تكفير من أصرّ على خمر غير مستحل في دار الإسلام أو لحم خنزير من غير ضرورة إلى مسائل يطول تعدادها.
وقد يُحكم بإسلام المشرك المنتسب لقيام مانع من التكفير مثل الجهل عند من لم يكفّره؟
ونظير المسألة:
1-أن من ظنّ بشخص أنه يهودي أو نصراني فقال له يا كافر؛ فإنه لا يلزم منه كفر واحد منهما
2-ذلك من ظنّ بشحص أنه مسلم فقال له: يا مسلم، وهو يهودي أو نصراني فإنه لا يلزم كفره بالإجماع، والمانع من تكفيره الظن.
وأما التفصيل الذي ذكرتم(ص٨) فلم تقيموا عليه دليلا بل هو من باب التقدير والتخمين الذي لا يقوم في سوق النقد فأتوا بفرق بيّن بين تكفير المسلم لتأويل أو لجهل، وبين الحكم بإسلام الكافر المنتسب للعلة ذاتها فرقا تقوم به الحجة يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ومع ذلك الأصل أن لا يعذر المكفِّر للمسلم لأن تكفير المسلم من باب المنهيات، وتكفير الكافر من باب المأمورات، لأن التكفير جنس منقسم إلى مأمور به ومنهي عنه، والمأمور به يختص بقيود وشروط ، ويعم المنهي عنه كل ما دخل في اللفظ أو المعنى كالسجود لله والسجود للشمس والقمر.
وعلى أي فمن أعذر في تكفير المسلم خطأ يلزمه أن يعذر من لم يكفّر الكافر المنتسب لخطأ أو لعدم التصور الصحيح من باب أولى وإلا فليأت ببرهان تقوم به الحجة.
وأما من كفّر مسلما:"بغضا لتوحيده وظنا منه أن التوحيد كفر فهذا لا شك في كفره لجهله التوحيد وبغضه له". فلم يكفر بتكفير للمسلم وإنما للجهل بالتوحيد والبغض له وهذا مناط آخر غير ما نحن فيه.
وأما من كفّر مسلما:"بغضا لذنبه وظنا منه أن الذنوب تخرج أصحابها من الملة كما فعلت الخوارج" فلم تحكموا عليه بالكفر بالإطلاق بل جعلتم ظنه مانعا من تكفيره ابتداء حتى تقام عليه الحجة مع أن عموم الحديث يتناوله: «أيما رجل مسلم أكفر رجلا مسلما فإن كان كافرا وإلا كان هو الكافر» .
فما الذي جعل ظن الخوارج وتأويلهم غير السائغ مانعا من تكفيرهم عند جماهير المسلمين ولم يجعل ظنّ هذا الرجل (محل النّزاع) الذي حكم بإسلام المشرك المنتسب مانعا من تكفيره؟ فأتوا بالبرهان على الفرقان ولكم منا جزيل الشكر.
وأما ما ذكرتم من أن من كفّر مسلما بدرت منه بعض علامات النفاق فهو مجتهد لا يكفّر كما فعل عمر بن الخطاب فهو تحكم من غير دليل وإلا فما هو الفرق بين الظنون والتأويلات أعني الفرق بين من ظنّ بإسلام كافر في الحقيقة فحكم به، وبين من ظنّ بكفر مسلم على الحقيقة؟
وذكرتم أيضا أن من اعتقد إسلام الكافر ببدعته جهلا لبدعته الكفرية لا يكفّر حتى تبيّن له الحقيقة.وهذا من الغرابة بمكان ذلك؛ أنكم أعذرتم هذا لجهله بحقيقة المسألة ولم تعذروا المحل المتنازع فيه بجهله لحقيقة المسألة ! بل اعتبرتم جهله بالمسألة نقضا لأصل الدين.
الخامسة: ذكرتم (ص٩) أن ابن الزبير أفتى بقتل زوجة المختار بن أبي عبيد التي لم تتبرّأ منه وهي عمرة بنت النعمان بن بشير وعزوتم ذلك إلى البداية والنهايه لابن كثير (حوادث سنة ٦٧هـ).
والغريب استشهادكم لهذه القصة في تكفير من لم يكفر المشرك المنتسب أو لم يتبرأ منه مع أنه ليس في القصة ما ترمونه ذلك أن الذي في البداية والنهاية: ٨/٣١٨:
«..وقد سأل مصعب أم ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار عنه فقالت: ما عسى أن أقول فيه إلا ما تقولون أنتم فيه، فتركها . واستدعى بزوجته الاخرى ، وهي عمرة بنت النعمان بن بشير ، فقال لها : ما تقولين فيه ؟ فقالت : رحمه الله ، لقد كان عبداً من عباد الله الصالحين، فسجنها. وكتب إلى أخيه إنها تقول إنه نبي، فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها، فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت.»
وصريح النص أن هذه المرأة قد قتلت لإيمانها بنبوة المختار الثقفي وبذلك يسقط الاستدلال بهذه الرواية.
السادسة: ذكرتم (ص٩) في سياق الاستشهاد بكلام العلماء مقولة ابن تيمية رحمه الله في الحلولية الاتحادية:«ومن كان محسنا للظن بهم وادعى أنه لم يعرف حالهم عرّف حالهم فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلا ألحق بهم وجعل منهم» مجموع الفتاوي ٢/١٣٣.
وكلام الشيخ رحمه الله غير ما نحن فيه لأن إحسان الظن بهم اقتضاه الجهل بالحال لأن من جهل حالهم أحسن الظن فيهم، وأما من عرف حالهم فلا يحسن الظن فيهم إلا لجهل آخر.
وأما مسألتنا فإن هذا الرجل الذي لا يكفّر المشرك المنتسب يعرف حالهم ويحذر منهم ومن شركياتهم ويشدّد عليهم حسب المستطاع ويعرف أن أفعالهم وأقوالهم كفر وشرك بالله لكنه ظنّ أنه لا يجوز تكفير الجاهل أو المتأول حتى تقام عليه الحجة فامتنع عن تكفيرهم عينا لقيام المانع عنده وهذا يدل على أنه عرف حقيقة حالهم وعرف الحكم الشرعي للفعل والقول لكن امتنع عن تنزيل الحكم على الفاعل للشبهة القائمة عنده وبذلك ترجع المسألة عنده إلى شروط التكفير وانتفاء الموانع.
واختم المقام بسؤال ذي أهمية بالغة عندي وهو:
[هل هناك كفر أكبر لا ينقض أصل الدين؟ وهل الجهل أو الشك ببعض جوانب الربوبية كالجهل ببعض جوانب الألوهية أم هناك فرق بينهما؟ وما الدليل على الفرق إن كان]؟.

جواب أبي عبد الرحمن الصومالي

(ب) الجواب من أبي عبد الرحمن الصومالي
(الأول) ما هو أصلُ الدِّين الَّذي لا يُعذرُ فيه أحدٌ بالجهل ونحوه؟
(الجواب) أصلُ الدِّين الذي لا يستحقّ أحدٌ الإسلام إلاّ به ولا يُعذر بالجهل ولا بالتأويل هو "الإيمان بالله". وأقول ذلك لأمور:
(الأول) عندما يطلق على أمرٍ من أوامر الدِّين أو خبرٍ من أخباره بأنّه "أصل الدِّين" فالمراد أنّه الأمر الأول أو الخبر الأول الذي يجب العلم به والانقياد له، ويجب اعتقاده قبل الأوامر والأخبار الكثيرة التي هي من دين الله.
أو يقال: المراد بأصل الدِّين القاعدة الأولى التي يجب العلم بها وتقوم عليها سائر شعب الشريعة.
والمعلُومُ أنَّ "الإيمان بالله" هو القاعدة الأولى التي يجب العلم بها وتقوم عليها سائر شعب الشريعة.
واعلم أنّه لم يرد في آية ولا في حديث أمرٌ أو خبرٌ يقول عنه الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم: "هذا أصل الدِّين الذي لا يعذر بالجهل ولا بالتأويل"، بهذا اللفظ.
ولكنَّنا نعلم من جملة النصوص أنّه يجب على العبد أن يعلم قبل كل شيء:
= أنّ الله يأمر بعبادته وحده لا شريك له والكفر بكل ما يعبد من دونه.
= أنّ الله أوحى إلى الرسل وأمرهم بالتوحيد وتبليغه للخلق .
= أنّ الله يدخل المطيع الذي استجاب لدعوة الرسل الجنّة ويُدخل العاصي النار.
ونعلمُ أنّ جميع رسل الله كانُوا يدعُون إلى الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر، قبل الدعوة إلى إلتزام الأحكام الشرعيَّة الفرعية.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
وقال:﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ (فصلت: 6-7)
(الثاني) إنَّ كتاب الله تعالى لم يجعل العلم بالتَّوحيد والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، كالعلم بأمور متفرّقة تنفرد وتستقلّ كل منها عن الباقي، وإنّما جعلها "كأمرٍ واحدٍ"، و"خبرٍ واحدٍ"، يأتي في وقت واحد. أي أنّ الرسول لم يكن يعلّمُ الناس التوحيد ثم بعد زمن يخبرهم بأنّه رسول الله ثم بعد زمن يخبرهم بالبعث والحساب والجنّة والنار، وإنّما كان يقول في اليوم الأول: "أنا رسول الله، أرسلني بالتوحيد ونبذ الشرك، ومن أطاعني دخل الجنّة يوم القيامة، ومن عصاني دخل النار".
والقرآن الكريم عندما يعرض قصص رسل الله وما جرى بينهم وبين أقوامهم يُبرز لنا أنّ دعوة الرسل كانت دعوةً واحدةً وهي الدعوة إلى الإيمان بالله، بتوحيده وإخلاص الطاعة والعبادة له، والكفر بكلّ ما يعبد من دونه، والإيمان برسل الله ورسالاته وبالوعد والوعيد. ويُبرز كذلك أنّ هذه الدعوة لم تكن تقبل التجزئة، وإّنما كانت عبارة عن قضية واحدة متلاصقة الأجزاء تُعرض في آن واحد.
فتأمل الأمثلة الآتية من الكتاب العزيز:
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 59].
وقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: 106-108].
فظاهر من الآيات أنّ نوحاً عليه السلام دعاهم إلى الإيمان بالتوحيد والرسالة والوعد والوعيد.
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 65].
وقال: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ إلى أن قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: 123-135].
فظاهرٌ أنّه دعاهم إلى الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر في آنٍ واحد.
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: 73].
وقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: 142-143].
وقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ. فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ. أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا .﴾ [القمر: 23-25].
وظاهرٌ من ذلك أن صالحاً عليه السلام دعاهم إلى الإيمان بالتوحيد والرسالة والوعد والوعيد.
وإذا تتبّعنا كل قصص الأنبياء المذكورة في القرآن نجد أن شأنهم واحدٌ وأنّهم قد جاؤا بالتوحيد والرسالة والوعد والوعيد، في آن واحد.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ. وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: 34-35].
وقال تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: 14].
فجميع الأمم الكافرة المذكورة في القرآن التي أهلكها الله قد تبيّن أنّهم كفروا واستحقُّوا الإهلاك بسبب كفرهم بالتوحيد والرسالة والوعد والوعيد.
وإذا ثبت بالأدلّة أن بيان الرسل للإيمان كان جملة واحدةً، وفي آن واحد، أي: أنَّهُ لم يكن بين بيان ركن التوحيد وبيان الرسالة فترة زمنية، وكذلك لم يكن بين بيان الرسالة وبيان البعث والحساب فترة زمنية، وهكذا.. كما هو المذكور في القرآن:
﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:59]
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: 107-108].
إذا ثبت ذلك بالأدلّة عرفت صحّة القول بأنَّ أصل دين الإسلام هو "الإيمان بالله".
(الثالث) قد أخبر الله تعالى أنه قد أخذ العهد والميثاق من بني آدم قبل أن يخرجوا من أصلاب آبائهم: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: 172].
قال ابن عباس: "إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم ميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" . [رواه الطبري].
فظهر من ذلك أنّ البشر عرفوا التوحيد والوعد والوعيد وهم في أصلاب آبائهم، وقد قال الله تعالى لآدم لما أهبطه إلى الأرض، ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 123-124]
فقد علم آدم وذريته أنّه سيأتي من الله "هُدىً" أي رسالة تبيّن الحقّ من الباطل، وعلموا كذلك أنّ الله سيجازي المحسن عن إحسانه والمسيء عن إساءته. فآدم عليه السلام ترك ذرّيته وهم يعلمون التوحيد والرسالة والوعد والوعيد.
وكانت ذرّية آدم عليه السلام تضلّ مع مرور الزمن عن الإيمان وتقع في الشرك وعبادة غير الله، وكان الله تعالى يرسل برحمته الرسل إلى البشر ليُنقذوهم من ذلك الضلال المبين. فكانوا ينقسمون بعد مجيء الرسول الجديد إلى مؤمنين وكافرين، فينجي الله المؤمنين ويُهلك الكافرين.
وليس هناك أمةٌ من الأمم قد بلغها التوحيد الصحيح مجرّداً عن الرسالات والوعد والوعيد. ومن زعم خلاف ذلك فعليه أنْ يأتي بالدليل من الكتاب والسنّة.
(الرابع) ثبت بالأدلّة أن الإيمان قضية واحدة لها أركان وتفاصيل كما جاء في الحديث الصحيح: "فأخبرني ما الإيمان". فظهر من السؤال أنهّ سأله عن قضية واحدة، وظهر من الجواب أركانها وتفاصيلها: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرّه".
كما جاء في القرآن: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ [النساء: 136].
فتبيّن من ذلك أنّ المؤمن هو الذي حقّق هذا الإيمان بأركانه تلك قولاً وعملاً ونيةً. وأنّ الكافر هو الذي كفر بذلك ، سواءً كان سبب كفره العناد أو الجهل والتقليد أو الشكّ.
ومن هذه الأمور الأربعة تعلمُ أنَّ القولَ بأنَّ "الإيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر" هو أصلُ الدينِ، أصحُّ وأسْلمُ من القولِ بأنَّ التَّوحيد هو أصْلُ الدِّين، والرسالة والوعدُ والوعيدُ توابع.
ويتبيَّنُ كذلك أنَّهُ إذا جعل الله ورسُولهُ الإيمان أصل الدِّينِ، فلا حاجَّة تُلجئُنا إلى التفريقِ بين أصُول الإيمان، وإلى القولِ بأنَّ بعضها أصلٌ، والباقي توابع. بل يلزمُ منهُ أن يُقال: إنَّ جاهل الرسالة والوعد والوعيد معذُورٌ بجهله، لأنَّها ليست أصل الدِّين.
واعلم كذلك أنَّ من قال: "أصلُ الدين هو صحة القصد وإرادة وجه الله"، قولُهُ صحيحٌ لأنَّ صحة القصد والإرادة، يجب أن تُصاحب العلم بأصُول الإيمان. وكذلك من قال: "أصل الدين هو التوحيد"،
ومن قال: "أصل الدين هو الرسالة"، ومن قال: "أصل الدين هو محبَّة الله"، ومن قال: "أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر"، كلُّ ذلك أقوالٌ صحيحة إذا قصد بأنَّها أصلُ الدِّين لكونها داخلة في الإيمان، أو لا يصحُّ الإيمانُ بدُونها.
قال الإمام ابن تيمية: "ولما كان أصل الدين هو الإيمان بالله ورسوله، كما قال خاتم النبيين والمرسلين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله" وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله"، كان أمرُ الدين توحيد الله والاقرار برسله" (الفتاوى:28\608)
وقال: " اسمُ الإيمان قد تكرر ذكره في القرآن والحديث أكثر من ذكر سائر الألفاظ، وهو أصل الدِّين، وبه يخرج الناس من الظلمات إلى النور؛ ويفرق بين السعداء والأشقياء، ومن يوالي ومن يعادي، والدِّين كله تابع لهذا؛ وكل مسلم محتاج إلى معرفة ذلك" (الفتاوى:7\289)
وقال: "وهذا كله تفصيل الشهادتين: اللتين هما أصل الدين شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً عبده ورسوله" (الفتاوى:1\76)
وقال: " وهذا الأصل وهو التوحيد هو أصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً غيره، وبه أرسل الله الرسل وأنزل الكتب" (الفتاوى:1\154).
وقال: "فإن أصل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ورأس المعروف هو التوحيد، ورأس المنكر هو الشرك. وقد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلّم بالهدى ودين الحق، به فرق الله بين التوحيد والشرك، وبين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين الرشاد والغي، وبين المعروف والمنكر". (الفتاوى:27\442)
وقال: " وهذا الذي ذكرناه مما يبين أن أصل الدين في الحقيقة هو الأمور الباطنة من العلوم والأعمال، وأن الأعمال الظاهرة لا تنفع بدونها. كما قال النبي صلى الله عليه وسلّم في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده: الإسلام علانية والإيمان في القلب" (الفتاوى:10\15)
وقال: "فإن أصل الدين هو حسن النية ، وإخلاص القصد؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلّم: "ثلاث لا يُغِلُّ عليهن قلب مسلم، إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" (الفتاوى:16\58)
وقال: "وأصل الدين هو عبادة الله: الذي أصله الحب والإنابة والاعراض عما سواه، وهو الفطرة التي فطر عليها الناس. وهذه المحبة التي هي أصل الدين: انحرف فيها فريق من منحرفة الموسوية من الفقهاء والمتكلمين حتى أنكروها، وزعموا أن محبة الله ليست إلا إرادة عبادته، ثم كثير منهم تاركون للعمل بما أمروا به، فيأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم". (الفتاوى:15\428)
وقال: " وقد أجمعَ سلف الأمة وأئمتها على إثباتِ محبَّة الله تعالى لعبَادهِ المؤْمنين ومحبتهم له، وهذا أصْل ديْن الخليل إمام الحُنفاء عليه السلام". (الفتاوى:2\354)
فمن ذلك تعلمُ أنَّ أصل الدِّين هو "الإيمان بالله"، وأنَّ "الإيمان بالله" لا ينفعُ بدون "محبَّة الله وإرادة وجهه وحسن النيّة والقصد"، فصارت من أصل الدِّين.
وإذا ثبت أنَّ أصل الدِّين هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فإنَّ الأدلَّة دلَّت على أنَّ الكافر بالله لاعتقاده الشرك بالله، أو إنكاره لرسالة النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو ما كان قبلها من الرسالات، أو إنكاره للكتب أو البعث أوالحساب، لا يُعذرُ بالجهل في أحكام الدنيا، وهو لا يكُونُ إلا كافراً جاهلاً، أو كافرا مُكذّبا مُعاندا، او مُعرضا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة:5)
وفي الحديث: " إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ" (متَّفق عليه)
قال الإمام ابنُ تيمية: ﴿وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه‏: "اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (‏هود‏: 50‏).‏ فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه؛ لكونهم جعلوا مع الله إلها آخر. فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة؛ فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أندادا قبل الرسول ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها وكذلك اسم الجهل والجاهلية يقال‏: جاهلية وجاهلا قبل مجيء الرسول وأما التعذيب فلا‏". (الفتاوى: 20/37)
وقال الإمام اينُ القيِّم، في " طريق الهجرتين ": "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتّباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافرٌ جاهلٌ، فغاية هذه الطبقة أنّهم كفّار جهّال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفّاراً، فإنّ الكافر من جحد توحيد الله وكذّب رسوله إما عناداً وإما جهلاً وتقليداً لأهل العناد" [طريق الهجرتين: 411]
وقال أيضاً: في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28]:
"فهذا استدلال قاطع على أنّ الإيمان بالله أمر مستقرّ في الفطر والعقول وأنّه لا عذر لأحد في الكفر به البتة" (بدائع التفسير).
وقال: "بل الواجب على العبد أن يعتقد: أنّ كلّ من دان بدين غير الإسلام فهو كافرٌ، وأنّ الله سبحانه وتعالى لا يعذّب أحداً إلاّ بعد قيام الحجة عليه بالرسول. هذا في الجملة والتعيينُ موكول إلى الله وهذا في أحكام الثواب والعقاب، وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر"

(الثاني) تكفير المشرك المُنتسب إلى الإسلام هل هُو من أصل الدِّين الَّذي لا عُذر لأحد فيه، ومن ثمَّ من نقضهُ فهو كافرٌ عندكم؟. وما هي العلّة في ذلك؟
(الجواب) المشركُ هو من يعبُدُ مع الله إلهاً آخر، سواء ادَّعى ملَّة الإسلام، واتِّباع رسالة مُحمد صلّى الله عليه وسلّم، أو تبرَّأ من ذلك. ولا فرق بين الصنفين في التسمية، والخلود في النَّار. ويدلُّ على عدم التفريق ما يأتي:
(أولا) النصوص القرآنية الواردة في شأن الشرك وأهله صريحة مطلقة.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ (النساء:48)
وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ (النساء:116)
وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (الحج:31)
(ثانيا) كان المشركون الوثنيُون يزعمُون أنّهم على ملَّة إبراهيم وإسماعيل.
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما "أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلّم لما قدمَ مكةَ أَبى أن يَدخُلَ البيتَ وفيه الآلهةُ، فأمرَ بها فأُخرِجَت، فأُخرِجَ صورةُ إبراهيمَ وإسماعيلَ في أيديهما منَ الأزْلام، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلّم: قاتَلهمُ اللَّهُ، لقد علِموا ما استَقسَما بها قط". (البخاري)
ولأبي داؤد: "أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فرأى فيها صورة إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام فقال: قاتلهم الله ، لقد علموا أنهما ما استقسما بها قط"
(ثالثا) قد وصف الله اليهود والنصارى بالشرك والخروج من دين الإسلام.
قال الله تعالى: ﴿إتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:31)
وقال: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ (المائدة:72)
وقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:64)
وقال : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ اْلكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَاْلإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ ربِّكُمْ﴾ (المائدة:68)
فلم يجعل الله للمشرك المنتسب إلى موسى وعيسى وزناً عنده، لأنهم كانوا كاذبين في زعمهم وانتسابهم. وكانوا قد فارقوا الرسل، لما فارقوا التوحيد الذي هو دين الرسل جميعاً. وإن ظنُّوا أنهم لا يزالون على شيء من الدِّين.
(رابعا) لم يبلغنا ما يدلُّ على أنَّ من خصائص النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم -دون الرسل- أن المشرك المُنتسب إلى ملَّته، أفضلُ من المُشرك المُنتسب إلى ملَّة إبراهيم ، أو ملَّة مُوسى أو عيسى، عليهما السلام.
قال الإمام النَّووي فى" شرح مسلم": (باب من مات لايشركُ بالله): "فأمّا دخول المشرك النار، فهو على عمومه فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهوديّ والنّصرانيّ، وبين عبدة الأوثان، وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحقّ بين الكافر عنادا وغيره، ولا من خالف ملّة الإسلام، وبين من انتسب إليها ثمّ حُكم بكفره بجحده ما يكفرُ بجحده وغير ذلك. ـ اهـ
وعلى هذا فإنَّ تكفير المشرك -سواء انتسب إلى الإسلام، أو لم ينتسبْ إليه- هُو من أصل الدِّين الَّذي لا عُذر لأحد فيه، لأنَّ من لم يعرف الكُفر، لم يعرف الإيمان. فإنّ الّذي وحَّد الله وترك الشرك بالله، ابتغاء وجه الله، إذا اعتقدُ أنَّ العابد لغير الله مسلم موحِّدٌ، لم يعرف التَّوحيد، وإن ادَّعاه. كما أنَّ الذي آمن برسالة محمد صلى اللهُ عليه وسلم، إذا آمن بأنَّ مسيلمة رسُول الله، وأنَّهُ كمحمّد صلى اللهُ عليه وسلم في الصدق، فإنَّهُ يُعتبرُ كافراً خارجاً عن الملّة، وبطل انتسابهُ إلى الملَّة، وعُدَّ من الكافرين بمُحمَّد صلى اللهُ عليه وسلم.
وإليك هذه الرسالة، التي أرسلها الإمام محمد بن عبد الوهاب، إلى (محمد بن عباد) بعد أن قرأ الإمام أوراقاً كتبها في التوحيد فيها كلام من أحسن الكلام قال (بعد كلام طويل)...
"فإذا كنت تعرف أنّ النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم، ما قاتل الناس إلاّ عند توحيد الألوهية وتعلم أنّ هؤلاء قاموا وقعدوا ودخلوا وخرجوا وجاهدوا ليلاً ونهاراً في صدّ النّاس عن التّوحيد يقرؤن عليهم مصنّفات أهل الشرك لأيّ شيءٍ لم تظهر عداوتهم وأنّهم كفّار مرتدون؟.
فإن كان باين لك أنّ أحداً من العلماء لا يكفّر من أنكر التوحيد، أو أنّه يشكّ في كفره فاذكره لنا وأفدنا. وإن كنت تزعم أن هؤلاء فرحوا بِهذا الدين، وأحبّوه ودعوا الناس إليه، ولما أتاهم تصنيف أهل البصرة في إنكار التوحيد، أنكروه وكفَّروا من عمل به، وكذلك لما أتاهم كتاب ابن عفالق الذي أرسله المويس لابن إسماعيل وقدم به عليكم العام وقرأه على جماعتكم، يزعم فيه أن التوحيد دين ابن تيمية، وأنه لما أفتى به كفره العلماء وقامت عليه القيامة، إن كنت تقول ما جرى من هذا شيء فهذه مكابرة وإن كنت تعرف أنّ هذا هو الكفر الصراح والردّة الواضحة ولكن تقول: أخشى النّاس فالله أحقّ أن تخشاه.
ولا تظنّ أنّ كلامي هذا معاتبة، وكلام عليك، فو الله الذي لا إله إلاّ هو إنّه نصيحة لأنّ كثيراً ممن واجهناه وقرأ علينا يعلم هذا، ويعرفه بلسانه، فإذا وقعت المسألة لا يعرفها، بل إذا قال له بعض المشركين: نحن نعرف أنّ رسول الله لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً وأنّ النّافع والضارّ هو الله يقول: جزاك الله خيراً ويظنّ أنّ هذا هو التوحيد ونحن نعلّمه أكثر من سنة أنّ هذا توحيد الربوبية الذي أقرّ به المشركون.. فالله الله في التفطن لهذه المسألة فإنّها الفارقة بين الكفر والإسلام .
ولو أنّ رجلاً قال: شروط الصلاة تسعة: ثمّ سردها كلّها فإذا رأى رجلاً يصلّي عرياناً بلا حاجة، أو على غير وضوء أو لغير القبلة لم يدر أنّ صلاته فاسدة لم يكن قد عرف الشروط، ولو سردها بلسانه. ولو قال: الأركان أربعة عشر ثمّ سردها كلّها ثمّ رأي من لا يقرأ الفاتحة ومن لا يركع ومن لا يجلس للتشهد ولم يفطن أنّ صلاته باطلة لم يكن قد عرف الأركان ولو سردها فالله الله في التفطن لهذه المسألة. (اﻫ ـ من كتاب سيرة الإمام\ لأمين سعيد)

(الثالث) ما الفرقُ بين الحُكمِ بالكُفرِ على المُسلمِ بغير حقٍّ، وبين الحُكم بالإسلامِ للكافر بغير حقٍّ؟
(الجواب)
(أولا) تكفير المسلم ليست على درجة واحدة، ولها التفصيل الآتي:
1) من كفّر مسلماً قائلاً "يا كافر" لا لسبب آخر إلاّ أنه يوحّد الله، فرماه بالكفر بُغضاً لتوحيده، وظنّاً منه أن التوحيد كفرٌ، فهذا لا شكّ في كفره، لجهله للتوحيد وبُغضه له.
2) ومن كفّر مسلماً لا يُعرَفُ منه إلا الإسلام، وليس فيه شبهة، قائلاً "يا كافر"، واعتقد ذلك، فقد وجب عليه الكُفر، لأنَّهُ جعل الإسلام كُفراً. فإن قالهُ ذلك سابّاً لهُ، فقد ورد ما يدلُّ على أنَّهُ يكفُرُ بذلك أيضا. وفي الحديث: "وَمَنْ دَعَا رَجُلاً بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ الله، وَلَيْسَ كَذلِكَ. إِلاَّ حَارَ عَلَيْهِ" (متفق عليه).
قال الحافظ ابن حجر، بعد أن ذكر ما قاله العلماء عن تفسير الحديث: "وأرجح من الجميع أن من قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر، فإنه يكفر بذلك، كما سيأتي تقريره، فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفر نفسه، لكونه كفر من هو مثله، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه "وجب الكفر على أحدهما" اﻫ
3) ومن كفّر مسلماً من غير بُغضٍ لتوحيده، ولكن بُغضاً لذنبه، وظنّاً منه أنَّ الذنوب تُخرج أصحابها من الملّة، كما فعلت "الخوارج" فهذا قد يكفر وقد لا يكفر وذلك بحسب قيام الحجة عليه . لأنه كان من أهل التوحيد ثم خالف الشريعة جهلاً وتأويلاً أخطأ فيه، فلا يكفّر قبل إقامة الحجَّة عليه. ولذا يُروى عن عليّ أنه لم يكفِّرهم ابتداءً .. ويُروى كذلك أنه كفّرهم أخيراً وأمر بنهب عسكرهم . ويروى عن مالك روايتان وأحمد روايتان كذلك. والإمام ابن تيمية مرّةً قال: "إنّهم كانوا مسلمين". ومرّةً قال: "إنّهم كانوا خارجين عن الإسلام". وكلا القولين في "الفتاوى".
وسبب ذلك أن المبتدع مخالفٌ رادٌّ لنصوص قرآنية. فإن كانت الحجة قد أُقيمت عليه ولم يتب كان كافراً، وإلاّ كان مبتدعاً ضالاً لم تقم عليه الحجة. والخوارج كان لهم تأويل ولكنه لم يكن سائغاً ولذا لم يُعذروا به وأجمعت الأمة على تضليلهم وقتلهم إذا خرجوا.
4) ومن كفّر مسلماً بدر منه ما هو من علامات النفاق، فرماه بنفاق غيرةً لله ولدينه فهو مجتهدٌ. كما فعل عمر رضي الله عنه لما قال عن حاطب لما أفشى سرّ النبي صلى الله عليه وسلم "دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَـذَا الْمُنَافِقِ". (البخاري)
(ثانيا) وأمَّا إدخال الكافر في الإسلام، فليس على درجة واحدة، وهو على التفصيل الآتي عندنا:
1) من اعتقد أنَّ الكافر العابد لغير الله، أنَّهُ مسلمٌ، وهو عالم بكفره وشركه الأكبر، فهو كافرٌ مثله لأنه ظهر أنه يجهل الإيمان بالله فإن عادى مع ذلك الموحّدين زاد اليقين بكفره.
2) ومن اعتقد أنَّ المبتدع الكافر ببدعته، والذي أقيمت عليه الحجة، وكفّره العلماءُ، أنَّهُ مسلمٌ بسبب جهله لمسألته، فهذا لا يكفّر حتى تبيّن له الحقيقة، فإن أصرَّ بعد ذلك ألحق به.
وقد أفتى ابنُ الزبير بقتل زوجة "المختار بن أبي عبيد"، التي لم تتبرَّأ منه. كما جاء في "البداية والنهاية" لابن كثير: " وقد سأل مصعب أم ثابت بنت سمرة بن جندب أمرأة المختار عنه، فقالت ما عسى أن أقول فيه إلا ما تقولون أنتم فيه، فتركها واستدعى بزوجته الأخرى، وهى عمرة بنت النعمان بن بشير، فقال لها: ما تقولين فيه؟. فقالت: رحمه الله لقد كان عبدا من عباد الله الصالحين. فسجنها وكتب إلى أخيه إنها تقول إنه نبى فكتب إليه أن اخرجها فاقتلها فأخرجها إلى ظاهر البلد فضربت ضربات حتى ماتت" (حوادث سنة 67هـ)
وقال الإمام ابن تيمية: "وهكذا هؤلاء الاتّحادية فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم ولا تقبل توبة أحد منهم إذا أخذ قبل التوبة. فإنه من أعظم الزنادقة الّذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر" [الفتاوى: م 2/ص: 130].
وقال: "ومن كان محسناً للظنّ بهم وادّعى أنّه لم يعرف حالهم عرف حالهم فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار وإلاّ ألحق بهم وجعل منهم" .
وقال: "ومن لم يكفّر هؤلاء وجعل لكلامهم تأويلاً كان عن تكفير النصارى بالتثليث والاتّحاد أبعد" [الفتاوى: م 2/ ص: 133].
3) ومن جعل كافراً مسلماً بسبب إظهار الكافر للإسلام والصلاح وإخفائه لكفره لم يكن كافراً بل ولا آثماً. لأنَّهُ مُتَّبعٌ للشريعة الآمرة بالاكتفاء بظاهر المنافقين.
(ثالثا) إنَّ الله تعالى جعل الكفار قسمين، قسمٌ مظهرٌ لكفره وعداوته للحقِّ وأهله، وقسمٌ منافقُون، مظهرُون للإسلام والإخلاص والبراءة من الشرك وأهله. ثمَّ إنّ الله تعالي أكثر في القرآن من ذكر أولئك "المنافقين" وأنزل سوراً وآيات كثيرة تبيّن صفاتهم التي تميّزهم عن المؤمنين الصادقين، وذلك كي لا ينخدع بهم المؤمنون .
ومن المعلوم أنّ هؤلاء المنافقين كانوا يظهرون الإسلام ويدّعون الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ويبطنون الكفر وكراهية الحقّ ومعلوم كذلك أنّ الله كشف أسرارهم وأظهر نيّا تهم الخبيثة وبين سمّاتهم البارزة ليحذرهم المؤمنون ولا يثقوا بأكاذيبهم ودعا ويهم.
فإذا كان الله لا يريد ولا يرضى لعباده المؤمنين أن ينخدعوا ويثقوا بأولئك الكفار المنافقين الّذين لا يظهرون كفرهم .. فهل من المعقول أنَّهُ يرضى لهم الانخداع والثقة للكفار المشركين الّذين يظهرون كفرهم وشركهم ؟ وكيف لا ينخدع للمنافقين من انخدع للمشركين المظهرين للكفر الصريح؟. وكيف لا يكون ذلك المنخدع مخالفاً للقرآن الكريم الّذي ينهى عن طاعة المشركين والمنافقين ويأمر بجهاد الفريقين .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الأحزاب:1)
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (التَّوبة:73)
واللهُ سبحانه وتعالى لما قسم النَّاس إلى قسمين، مُؤمنين وكافرين، وقسم الكافرين إلى قسمين مختلفين في أحكام الدُنيا، هما:
(الأول) الكافرُون المظهرون لكفرهم، المباينون لأهل الإسلام.
(الثاني) المنافقُون المظهرُون للإسلام، المنتسبون لأهل الإسلام.
لما جعل الله الكفار قسمين، لم يقسم المُؤمنين إلى قسمين:
(الأول) مظهرين لإيمانهم، مباينين لأهل الكفر.
(الثاني) مظهرين للكفر، متابعين لأهل الكفر، ولهم أحكام الكفار في الدُنيا.
وإنَّما جعلهم أمَّة واحدة، ليست من أهل الكفر في شيء، وليس منهم مُتكلِّمٌ بالكفر، مُنتسبٌ إليه، إلا المُكره. والإكراه رخصة متعلِّقة بظرف عارض لا يدُوم.
وعلى هذا فإنّ المُسلم ليس مأمُوراً باعتقاد أنّ في بعض الكُفار خيراً وإسلاماً، ولكنَّهُ مأمُورٌ باعتقاد انَّ في بعض المسلمين كُفراً ونفاقاً. كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ (المنافقون:4)
ولذلك يكثرُ أن يقع المسلم في الخطأ الذي هو تكفيرُ المسلم بغير حقٍّ، والظنُّ بأنَّهُ من أهل النِّفاق، ويندرُ أن يقع في الخطأ الّذي هو إدخال الكافر المظهر للكفر في الإسلام. بل لا يُدخلُ الكافر المظهر للكفر في الإسلام، إلا من لا يُؤمنُ بالإيمان والإسلام الحقيقي.

(الرابع) تكفيرُ الأعيان والطوائف والقبائل، هل هُو من باب الاجتهاد الَّذي تختلفُ فيه الأنظارُ أم لا؟
(الجواب) إنَّ ما يكفُرُ به الفردُ، تكفرُ به الطائفة إذا أظهرتهُ. والتكفيرُ الّذي ليس من باب الاجتهاد، في حقِّ الفرد، يكُون كذلك في حقِّ الجماعة. وعلى هذا:
1) إذا كان الفردُ المعيَّن، أو الطائفة أوالقبيلة المعيَّنة، خارجة عن أصل من أصُول الإيمان، كالتَّوحيد أو الرسالة أو الوعد والوعيد، فالتكفير حينئذ ليس من باب الاجتهاد، وليس موقُوفاً على العلماء، بل من لم يُكفرهم فهو كافرٌ.
وقد تعرض لبعض المسلمين شُبهة تُوقفهم عن التكفير، أو العقوبة، وتدعُوهم إلى التحقيق، مثل من كان يعلم منهم الإسلام، ولم يعلم بالردَّة، أو رأى عدم عدالة الشهُود بالردَّة، كما اختلف خالد وعمر في مالك بن نويرة، وأمثال ذلك. ولكن لا عُذر للمتوقف العالم بحالهم.
2) إذا كان الفردُ المعيَّن، أو الطائفة أوالقبيلة المعيَّنة، جاحدة أو خارجة عن أمرٍ معلُومٍ من الدِّين بالضرُورة، كالصلاة والزكاة والصيام والحجِّ والجهاد، أو كانت تستحلُّ الحرام المعلُوم تحريمه من الدِّين بالضرُورة، كاستحلال الدماء، أوالخمر، أوالميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو الزنا، وغير ذلك، فالتكفير حينئذ ليس من باب الاجتهاد، وليس موقُوفاً على العلماء، بل من لم يُكفرهم بعد معرفته بحالهم، فهو كافرٌ.
3) إذا كان الفردُ المعيَّن، أو الطائفة أوالقبيلة المعيَّنة، تعتقدُ بعقيدة مخالفة لنصٍّ قطعيٍّ ثابت، لا شكَّ في ثُبُوته، ولكنَّهُ من المقالات الخفية، الَّتي تشتبهُ على بعض النّاس، وليس من المعلُومٍ من الدِّين بالضرُورة، فإنَّها تُبدَّعُ، كالخوارج والمعتزلة وأمثالهم، وتكفيرهم من باب الإجتهاد، ومن كفَّرهم لا يُعادي من لم يُكفِّرهم. ويُقالُ للمُعيَّن منهم مُخطئٌ ضالٌّ، لم تقم عليه الحجَّة التي يكفرُ تاركها.

مقدّمة

مُقدَّمة
الحمدُ لله الّذي هدانا إلى الإيمان به وتوحيده، والبراءة من الشّرك والمشركين، على تنوّعهم واختلافهم في العقائد والأديان الّتي ينتسبون إليها، وعلى مراتبهم في النَّظريات الثّقافية، والمعارف الدّينية.
فالهداية ليست بالعلم والمعرفة، وليست بكثرة القراءة، وجمع الكتب، ولكنَّ الهداية باستقامة النيّة، وصحّة التّطبيق، والعمل بالمعلوم من الدّين. إنَّها موافقة الصّواب، وتحقيق الإخلاص لله سبحانه. الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له في جميع صنوف العبادات، فمن صرف منها شيئا لغيره فهو من المشركين الكافرين الضّالّين، بغضّ النظر عن انتسابه وزعمه. كما قال سبحانه في تنزيله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله المبعوث للعالمين بشيرا ونذيرا بين يدي السّاعة. قام للدّعوة إلى الله، وتبرّأ من المشركين وكفّرهم، وأرشدهم إلى دين الله القيّم، ولم يعبأ بإدّعائهم لاتّباع ملّة إبراهيم وإسماعيل، بل.. ولا بشعائرهم الدّينيّة لمّا ضلّوا عن إخلاص الدِّين لله. بل.. لم يُعذرهم صلّى الله عليه وسلّم بجهلهم، مع علمه بأنّهُ قد بُعث إلى قوم جهّال ضالّين غافلين.
قال عزَّ وجلَّ: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّين. فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾.
فالنّجاة في اتّباع سبيله، والضّلال كلّ الضّلال في مخالفة طريقه وهديه. اللّهم صلّ عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم واستنّ بسنّتهم إلى يوم الدّين.
أمَّا بعدُ: فإنَّهُ مُنذ ظهُور الحقِّ وتميُّز أهل التَّوحيد المسلمين، عن أهل الشّرك المنتسبين إلى الإسلام، لم ينقطع النِّقاش والحوار حول مسألة "تكفير أهل الشّرك المنتسبين"، ومسألة "بطلان إيمان من لم يتبرَّأ من أهل الشّرك"، ومسألة "تكفير من لا يكفّر المشركين المنتسبين إلى الإسلام".
لم ينقطع النِّقاش والحوار حول هذه المسائل، بين أفراد الجماعة المسلمة، وبين حملة فكر الإرجاء المعاصر. وقد اشتهر كثيرٌ من رؤوسهم بشدَّة العداوة للمُوحِّدين، وخلق الأكاذيب والافتراءات عليهم، ولصقهم بكلِّ شائنة قبيحة.
وكُنَّا نعُدُّ الشّيخ حسّان بن حسين من أولئك، بل من أشدِّهم، وذلك لأجل ما سمعناهُ من أقواله الكثيرة المسجَّلة، التي تناول بها دُعاة التَّوحيد، وذكرهم بالشّتم والتّحقير. ولأجل حلِّه لدماء الموحِّدين، وقوله المشهُور: "يُقتلُون في الحلِّ والحرم".
ولم يكُن قد ردّ عليه -إذ ذاك- أحدٌ، لأنّهُ لا ينبغي وضع الشتائم وسفاسف الأقوال في مراتب المسائل الدّينية، التي تستحقُّ الردّ والجواب.
ثمّ انتشرت أقوالٌ للشّيخ حسان بن حسين، يُكفِّرُ فيها طوائف من المستحقِّين للتّكفير، فظنَّ بعضُ الإخوة أنَّها وثبةٌ إلى الأمام، وأنّ الشيخ قد تقدَّم في العلم بمسائل التوحيد، فأحبَّوا لقاءهُ، وقد تمّ لقاء أحد الإخوة به.
وذكر هذا الأخ أنَّهُ طلب من حسان بن حسين عقد مجلس للنّقاش الدّيني، فاعتذر من الاجتماع، ولكنَّهُ اختار أن يكون أسلوب النّقاش مكاتبة بالرّسائل، وأنَّهُ قد وافق هذا الاقتراح.
وبعدها أرسل "حسّان" أربع مسائل وصفها بأنّها الّتي يدور حولها الخلاف. فأحببنا أن يكُون أخونا الشيخ أبو عبد الرحمن الصومالي المجيبَ عن أسئلته. فأرسلتُ إليه المسائل الأربعة. وفي خلال بضع أيّام، وصلتنا جوابه، والتي سمّاها "الجواب".
فأرسلنا من فورها إلى حسّان. فلمّا قرأها لم يقتنع بها. فكتب ردّا لذلك جوابا أفصح فيها عن اعتقاده الدّيني. فلما وصل إلينا، أرسلتُ رسالته تلك إلى "أبي عبد الرحمن الصومالي"، فأرسل " أبو عبد الرحمن الصومالي " جوابه بعنوان "الجواب عن الجواب". فسكت حسان حسين، وانتهت المكاتبات.
القيمة العلميّة لهذا الحوار:
1) هذا الحوار مُفيدٌ لطالب الحقِّ لأنَّهُ قد دار بين ممثلي اتِّجاهين في الفكر مُتضادَّين، ولهما تأثير على النَّاس. فالمقارنة بين الأجوبة تُظهرُ لطالب الحقِّ مَن الذي تُؤيِّدُهُ الأدلّةُ، والذي هو مُجانبٌ لها.
2) من قرأ هذا الحوار وتدبَّرهُ يظهرُ لهُ أمران:
(الأول) أنَّ من غُربة الدِّين، أنَّ الإنسان في هذا الزّمن يُقالُ لهُ "عالم" و"شيخٌ سُنِّيٌ" وهو يجهلُ أصلَ الدِّين الإسلامي.
(الثاني) أن حسان بن حسين وثبَ وثبةً إلى الأمام، ولكنَّها وثبةٌ في داخل قفصِ الإرجاء المعاصر. فهو قد أعذر في رسالته الّذين لا يكفّرون المشركين الشّرك الأكبر ولا يتبرّأون منهم، مرّة بإدّعاء أنّهم معذورون بقصر فهمهم قبل البيان وإقامة الحجّة، كالخوارج الّذين لا يكفّرهم بعض المسلمين. ومرّة بإدّعاء أنّ حكم الأفراد قد يختلف فيه المسلمون بدون أن يُؤدّي ذلك إلى تكفير بعضهم لبعض. ومن قرأ الحوار فسيعلمُ هل أصاب حسان بن حسين أم أخطأ؟؟؟... نسألُ الله الهداية والتوفيق.
24ربيع الأوّل 1434هـ (النّاشر)


اخبر صديق

Kenana Soft For Web Devoloping